الجمعـة 06 ذو القعـدة 1426 هـ 9 ديسمبر 2005 العدد 9873
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الراحل فوزي محسون.. سيد درويش الأغنية السعودية

صاحب «سبحانه وقدروا عليك» كان يقول «أخاف أن ينساني الناس بعد موتي»

جدة : أميمة الفردان
مسكون بعشق الكلمة الحجازية، ملتصق بترابها.. فوزي محسون الذي رسمت كلمات أغنياته ملامح ابن الحجاز في الأحياء الشعبية كان «سيد درويش الأغنية السعودية» كما وصفه الموسيقار سراج عمر، فقد عبر عن مفردات البيئة الحجازية البسيطة، من خلال الكلمات التي كانت تخطها أنامل الكاتبة ثريا قابل، ورفيق المشوار صالح جلال، ولم يكتف بذلك بل امتد في عطائه ليعبر عن التراث الغنائي النجدي من خلال السامريات التي غناها لخالد الفيصل مثل «بشروني عنك»، يضاف إلى ذلك كما ذكر سراج عمر «كانت البدايات أيضا من خلال الأغنيات التي تغنى بها فوزي لبدر بن عبد المحسن مثل (ناعم يا ندى)، ومحمد العبد الله الفيصل».

كتاب الشيخ علي هلال بحارة الشام، احد احياء مدينة جدة، لم يكن إلا أول الغيث الذي انهمر، ليسيل أودية إلى الرشيدية الابتدائية، ومنها إلى الانتظام الليلي في مدرسة الإصلاح، وليفتح الآفاق الواسعة أمام الشاب فوزي محسون، القارئ النهم لأمهات الكتب، لتصقل لغته الراقية وقدرته على التحدث والمناقشة، ولتضيف لجمال أخلاقه وسماحته حسن التعبير، الذي انعكست آثاره على تكوين شخصيته الفنية، من خلال حرصه في اختيار الكلمة واللحن، ومطاردة أصحاب الكلمة الجميلة التي تعبر عن روح الحجاز وبساطة ساكنيه، كما عبرت عن ذلك الشاعرة السعودية ثريا قابل، التي وصفته بـ«الطيب والمثقف جدا»، مما جعل من بيته منتدى أدبيا، ومجلسا للأنس والطرب، يجتمع فيه أهل الفن والثقافة، على قدم المساواة، تلبية لداعي السمر. فوزي محسون الملازم بإدارة البريد، هو ابن احد كبار موظفي المصلحة محسون أفندي، العاشق للتراث الغنائي القديم، فبين الغرف من التراث اليمني والعدني، وتراقص المستمعين على إيقاع المجرور، صفقت الأيادي لفوزي منتشية بطرب الدانات الحجازية «ماس ورد الخد في وادي قبا .. هبت صبا والسمر قد طاب»، وبدأت رحلة المحسون نحو خميلة الفن المعقود بجدائل الأصالة في العام 1370هـ، من خلال تلحين كلمات للفنان الراحل لطفي زيني عقيلي، ولتسجل «نور الصباح» كأول أغنية للإذاعة بصوت «أبو إبراهيم» كما كان يكنى، وقد كانت البداية الفعلية له من باب التلحين، الذي ساهم في انتشار بعض الفنانين وشهرتهم، وربما كانت واحدة من أبرز الأغاني التي لاقت رواجا لقيثارة الشرق طلال مداح، يقول مطلعها «كلام البارحة اتغير/ وصار اليوم شي تاني/ وضح له الحب واتأكد/ وصالحني وراضاني». ولم يكتف «صوت الذكريات»، باختيار الجملة الموسيقية الملتصقة، بحميمية البيئة الداخلية لجدة، التي كان يصوغها في قالب محبب، مستفيدا من معلمه الفنان محمد علي سندي، الذي تعرف من خلاله على طريقة الغناء والمقامات، باحثا عن مجالس الطرب، ومستمعا لكل الألوان الفلكلورية والتراثية القديمة، بل تجاوزه إلى دفء الكلمة المعبرة عن الواقع الحياتي واليومي للبسطاء، من خلال الكلمات الدارجة التي ساهمت إلى حد كبير في انتشار أغنياته مثل «مين فتن بيني وبينك/ من كدى خلك كدى/ مين سبب هذا الخصام/ شي ما شفته بعينك/ ولا شي تملك دليله/ كيف تصدق دى الكلام»، ليسطع نجمه في العام 1380هـ من خلال الحضور الكثيف له عبر الأصوات الغنائية التي لحن لها، أو في الحفلات، أو من خلال بث أغانيه في الإذاعة والتلفزيون، مضافا إلى ذلك إقباله الشديد على تسجيل الأغاني الفلكلورية والعاطفية على آلة «البيكاب» الأسطوانات التي كانت رائجة وقتها.

وقد شكلت الثنائيات في الحياة الفنية لـ«صوت الذكريات»، دورا مهما ومنعطفا لم يثر فقط الرحلة الفنية لفوزي محسون، بل عملت على ثراء الفن السعودي، منها تلك التي جمعته مع طلال مداح في أكثر من عمل فني كما ذكر الموسيقار سراج عمر «له علاقة متميزة مع طلال، كان يخصه بكل تفصيل من التفاصيل اللحنية لأعماله»، ولم تكتف تلك الثنائية التي جمعت صوت الذكريات بصوت الأرض، بمستوى اللحن فقط وإنما تجاوزتها، لتثري جلسات الطرب، بحسب تعبير سراج «تشاركا في ثنائيات غنائية، من خلال جلسات السمر» وصفته ثريا قابل بالقول «كان انفعاليا في أدائه، يتماهى مع الكلمة والجملة اللحنية، يغني من القلب». «صوت لا يتكرر» كلمة أوجزت رحلة إنسانية معجونة بالعشق، تحسَّس بوادرها الأولى بالرعاية جميل قمصاني، مدير المدرسة الإصلاحية، من خلال الأناشيد التي كان يرددها الطالب فوزي محسون، ولتصقل الموهبة من خلال الأخ الأكبر عبد العزيز محسون، الذي تولى الرعاية الفنية له، والذي يحكي قصة النسيان أو التناسي لتراث غنائي كبير، مرددة أمواجه «سبحانه وقدروا عليك/ وخلوك تنسى أحبابك / ولا بتسأل علينا خلاص/ قفلت في وجهنا بابك» ساهمت في ترسيخه، شخصية يصفها سراج عمر «فوزي إنسان بيتوتي ضحوك، مبتسم ببراءة وطيبة، ويطرح النكتة بقالب أدبي، ولا يمكن أن يتفوه بكلمة غير سوية»، والذي تعاون معه في تلحين بعض الأغاني، مثل «دنيا العيون»، التي حققت نجاحا كبيرا، وتغنت بها الفنانة التونسية عايدة بو خريص، بحسب كلام الناقد الفني محمد رجب، وأغنية «من فينا ياهل ترى» التي تغنى بها الفنان عبد المجيد عبد الله في بداياته.

«أخاف أن ينساني الناس بعد موتي».. هذه الكلمات لفوزي محسون في واحد من لقاءاته. في الوقت الذي تتسابق فيه الدول للارتقاء بحضاراتها، من خلال توثيق فنها وفنانيها، يغيب صاحب القلب الطيب بين زرقة البحر، في لحظة غروب للفن الأصيل، يستغل فيه تراث فني كبير، بدون أن ينسب لصاحبه، الذي عمل على تطوير الأغنية الشعبية، ولتضيع الحقوق الفكرية والأدبية لذاكرة الحجاز، في حين ظل صوت الذكريات واثقا من إرث فني، تتعاقب الأجيال على ترديده، ولسان حاله يقول «لا لا وربي»، لتحصد أغانيه المراكز الأولى، بأداء المخضرمين من فناني العصر الحديث، على مستوى الكلمة واللحن، فيما ترك لسان حال محبيه يردد متأملا في الجهات المعنية بإعادة وتوثيق هذا التراث «عتب عليك كله عشم / عتبي على نفسي أنا».

التعليــقــــات
الشاعر هلال المهندي، «الاردن»، 14/02/2007
رحم الله الفنان الراحل فوزي محسون وادخله فسيح جناته .
ولا استطيع الا قول كلمة واحدة قديمك نديمك لو الجديد اغناك.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال