الجمعـة 21 جمـادى الاولـى 1428 هـ 8 يونيو 2007 العدد 10419
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

طارق عبد الحكيم.. عميد الأغنية السعودية

المزارع الذي كوّن أول فرقة موسيقية للجيش تعزف وفق النوتة

جدة: أميمة الفردان
لم تكن العقوبة القاسية التي تلقاها الصبي طارق، جرّاء شرائه عوداً ينظم من خلاله نغمات، تحاكي طبيعة المثناة، القرية الغارقة في مياه جداولها الجارية، وسط بساتينها الغنّاء، على أطراف مدينة الطائف مصيف أهالي الحجاز الشهير، إلا وميض الضوء الشارد لطارق الأبواب الموسيقية، وعميد الأغنية السعودية طارق عبد الحكيم، ابن أحد أشرافها من المزارعين البسطاء، الذي هاجر أوائل القرن الماضي إلى العراق، تاركاً خلفه صبيين وابنة مع أمهم الحميدية «من قبائل الطائف»، ما نصّب ابن التسع سنوات، باعتباره الأكبر في موقع المسؤولية، ليبدأ رحلته مع الحياة والناس عبر بسطة بيع خضار المزارع، وسط منافسة أصحاب البسطات المجاورة. ولسان حاله يردد:

لنا الله يا خالي من الشوق.. من الشوق وأنا المولع.. على نار .. بعد المودة والمحبة، صرتوا تنسونا.. لنا الله..

طارق المزارع الذي ولدي في العام 1920، لم يختلف عن أقرانه من أبناء المثناة، ممن تكبدوا مشقة قطع 20 كلم مشياً على الأقدام، مسافة الطريق المؤدية لمدارس الطائف الابتدائية، سوى أن الصدفة حليفه الدائم كانت بانتظاره، عند طرف «البسطة» في يوم من أيام الربيع الطائفي، لتلقي أمام بسطته بواحد من ضباط الجيش، ممن لفته تنسيق «البسطة». واصفاً المزارع البسيط بوصف بهره قائلاً له «أنت فنان»، التي سرعان ما ترسخت في ذهن العميد. ونقشت على جدران قلبه أول حرف موسيقي دندنه همساً لنفسه. إلا أن الحالة المادية البسيطة التي كانت تعيش في كنفها أسرة مزارع المثناة، ساهمت إلى حد كبير في التحاقه بالسلك العسكري، بمبلغ يمكِنها من العيش في بحبوحة.

تفتح وردة العشق الموسيقي. لعب الدور الأول فيها حفلات التباري، التي كانت تقيمها حواري الطائف في ما بينها، لاستعراض الفولكلور الشعبي، ما شكل بداية حقيقية للعميد، ساعده على تعلّم الفنون الشعبية وتشربها، بدءاً من المجرور والخبيتي، وغيره من ألوان الفولكلور الشعبي، إلا أن ما ساهم في ظهور بوادر هذا العشق، رفقة أبناء الطبقة المخملية، ما مكّنه من الاستماع لأصوات شدية، يصدرها فونوغراف ابن وزير الدولة حينها محمد سرور الصبان. ولم يقف بُعد المسافة، بين الطائف وحاضنة الطرب الأصيل، مكة المكرمة، حجر عثرة، أمام شغف المزارع بتعلم الفن الموسيقي، بل عمل حضوره لحفلات المنشدين المكيين، وتأثره بكبيرهم حسن جاوة، على تشكيل أذنه الموسيقية، ما ألقى بظلال خمائله على موسيقى عبد الحكيم وطريقة أدائه، وحرصه على التفاعل الحي مع الجمهور.

لم تمنع تنقلات النقيب طارق عبد الحكيم في الجيش، من حرصه على حضور الحفلات الفنية وتلقي كل جديد في عالم الموسيقى والغناء، بحسب ما يتيحه الزمان والمكان، الأمر الذي ساهم في اختياره من قِبل الأمير منصور بن عبد العزيز، وزير الدفاع في عهد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، لتكوين أول فرقة موسيقى للجيش، وابتعاثه لمصر للدراسة، وبرغم الحيرة التي كان سببها عادات اجتماعية، تنظر بعين الملامة لمحترفي الموسيقى والغناء، إلا أن عبارة الأمير منصور المتسائلة عن مرحلة ما بعد التقاعد، والمعقودة بأمل الشهرة الفنية والمستقبل المزهر. شكلت حافزاً أطلق زمامه مانشت صحافي، في إحدى الصحف المصرية.. «يعيب على العميد عدم تمييزه بين النوتة الموسيقية ونوتة الجيب»، عند سؤاله عن المقصود بالنوتة؟!، ليكون حافزاً قوياً للعميد على التحصيل الدراسي، مواصلاً الليل بالنهار، بين معهد موسيقى الجيش المصري والمعهد العالي للموسيقى العربية. لم يكن من السهل في ذلك الوقت إقامة حفلات فنية، إلا أن تأسيس العميد لأول معهد لموسيقى الجيش بالرياض، وتخريج اثنتي عشرة فرقة موسيقية، تعزف على النوتة، توزعت بين الحرس الملكي والوطني والجيش، دعا الموسيقار إلى تكوين أول فرقة موسيقية عبر بوابة الترفيه عن ضباط الجيش، مستعيناً بعازفين من فرق الجيش من بينهم تواب عبيد عازف الناي السعودي، وتجاوز الموسيقار ذلك بتنظيمه، وبدعم من الأمير منصور أول عرض عسكري ليعزف السلام الملكي السعودي أمام المؤسس.

رحلة الموسيقار الفنية مع الكلمة واللحن الأصيل، عتقها في ذلك الوقت الدواوين المفتوحة لشعراء الكلمة من أمثال الخفاجي، والشاعر الكبير طاهر زمخشري، أو بابا طاهر، كما كان يلقبه صغار تلك الفترة، إلى جانب محمد طلعت، ومحمد فهد العيسى، إلا أن غزلان وادي ثقيف، التي أطلقت شهرة العميد في أنحاء الوطن العربي، المعبقة بعطر كلمات شاعر الحرمان عبد الله الفيصل، عبر أغنية «يا ريم وادي ثقيف»، لتذاع من «صوت العرب» بقاهرة المعز، بناءً على طلب من مديرها أحمد سعيد في ذلك الوقت، وتمويل رجل الأعمال السعودي وهيب بن زقر، بصوت اللبنانية نجاح سلام.

ولتكون بطاقة العبور التي عبرت من خلالها الحان الموسيقار حناجر فنانين من المحيط إلى الخليج، من أمثال كارم محمود ومحمد قنديل، وتغنت بها نجمة الشجن نجاة الصغيرة، وفايزة أحمد التي صدحت بأغنية «أسمر عبَر» لمحمد فهد العيسى. ولم يتوقف بحر عطاء العميد عند الحدود المصرية، بل تجاوزها وصولاً للشمال العربي، لتستوقفه أمواج البحر المتوسط عبر نجمة لبنان هيام يونس، بجمال وجهها الأخّاذ، وصوتها المحبب، ليضفي لحناً من ألحانه الأصيلة المعجونة بنسج كلمات ردد صداها كثير من الفنانين في محاولة لإحياء تلك الأغنية التي فتنت كلماتها ملحنها فراح يدندن ألحانها بوحي طفلة لبنان العربية:

«تعلّق قلبي بطفلة عربيةً تنعّم بالديباج والحُلي والحلّل لها مقلة لو انها نظرت بها إلى راهبٍ قد صام لله وابتهل لأصبح مفتوناً معنىً بحبها كأن لم يصم لله يوماً ولم يصل» فيما وقف العميد محتاراً أمام أكبر جبال لبنان متحيراً في ماذا يمكن أن يقدِّم لصوت الجبل وديع الصافي، لينتهي سجال الكبار بواحدة من أرقى الأغنيات العربية كلمات ولحنا معتقة بصوت الأصالة في كلمات عنترة بن شدّاد «لا وعينيك». ويعلق سلطان ابن الموسيقار على أحداث ولادة هذه الأغنية التي قال عنها الصافي للموسيقار «اكتب للتاريخ أني أغني من ألحان غيري».

الأغنية السعودية التي عمّدها العميد بأصالة ألحانه، الخارجة من جذور التراث الشعبي، لتضفي عليها أصوات عمالقتها، من دانات خلجانها، وسامريات صحاريها، ألوانا طربية عبرت عنها أصوات طلال مدّاح، الذي غنى له وردد بعده الملايين من السعوديين لأبو سلطان «لك عرش وسط العين» في بداية السبعينات، فيما تغنى محمد عبده بـ «سكة التايهين» في بداياته، إلى جانب محمد عمر وعبد الله محمد من خلال أغنيات حفرت محلّها في الذاكرة السعودية، لتنطلق عبر الجيل الجديد مرتدية حلّة عصرية، وكأنها جزء من التراث، ليس آخرها الأغنية التي تغنى بها عبد المجيد عبد الله مع بدايات التسعينات الميلادية، والتي كتب كلماتها محمد العيسى:

«أبكي على ما جرا لي يا هلي قلبي أنا من المحبّة مبتلي ولا حصل من يحل المشكلة مع ناعم العود أنا لي مسالة»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال