الجمعـة 05 ذو القعـدة 1428 هـ 16 نوفمبر 2007 العدد 10580
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

فائق عبد الجليل.. عاشق الوطن ورجل «المعادلة الصعبة»

أول شاعر قتيل في تاريخ الكويت

الكويت: عبد الله المحيسن
الغالية أم فارس «تحية.. محبة.. تقدير.. لك وللأولاد.. وأرجو أن تكونوا صامدين في الغربة.. مثلما أنا صامد هنا في الوطن اليوم الجمعة.. الوقت الساعة الرابعة فجرا.. المكان غرفة نومي.. وتحت ضوء الابجورة التي تلتحم برأسي باستمرار. لقد وعدتك أن أغادر الكويت الخميس.. ذهبت وجلست أتصفح أفكاري التي تتكاثر ثم تصبح فكرة واحدة.. وهي فكرة البقاء، كل أفكار الرحيل التي أتت إلي كانت مهزوزة وغير ثابتة وغير مستقرة إلا فكرة البقاء كانت هي الأكثر ثباتا... والأكثر قوة... فقد اكتشفت أن البقاء في الكويت يعطيني المناعة.. والقوة والصلابة، وبقائي هنا لا يعني أني غير محتاج لكم... أنا في أشد الحاجة لكم... الكويت بأمس الحاجة لي... قوموا بواجبكم الوطني في الغربة على أكمل وجه.. وقدموا ما تستطيعون تقديمه مع إخوانكم الكويتيين... حتى ساعة الفرج».

كانت تلك هي كلماته الأخيرة التي شكلت منعطفا غيّر من ملامح خريطة الأمل في لقائه من جديد، حيث وجدت رسالته بعد تحرير بلاده من الغزو العراقي عام 1991 في مطبخ منزله حينما عثرت عليها زوجته (أم فارس) وكان فوقها قلم تقطعت عروقه بجانب كوب من الشاي لم يسعفه الوقت لشربه.

هو أول شاعر قتيل في تاريخ الكويت منذ استقلالها عام 1961 اسمه الحقيقي فائق محمد علي العياضي، وهو معروف بفائق عبد الجليل نسبة لخاله عبد الجليل الذي تولى رعايته منذ صغره، من مواليد الكويت 5 مايو 1948، عمل موظفا في بلدية الكويت. كانت تجربته الأولى مع الرسم حيث كان رساما ثم تحول الى الرسم بالكلمات وقام بإصدار ديوانه الأول «وسمية وسنابل الطفولة» في عام 1967، إذ إنها كانت أول محاولة شعرية توثق ماضي الكويت الحديث، فقد تميز بتناغم القصيدة والقصة وكان أسلوبه مزيجا بين العامية والفصحى، ويبرز في ذلك الديوان مدى تعلقه بالكويت القديم والماضي الجميل، حيث ذكريات طفولته. وعندما سئل كيف كان الشعر أول مخالفة صحيحة في حياته قال «في مجتمعنا يعتبر الاقتراب من كلمة مضيئة أو من الوتر أو من ميكروفون مخالفة.. وكنت منذ طفولتي أدرك أن دستور العائلة لا يسمح لي بأن أتعامل مع تلك الأشياء، وعندما تعاملت معها أدركت أنني خالفت قوانين بيتي ومجتمعي وأدركت بأن مخالفتي كانت صحيحة». كان فائق في منتصف الستينيات مع مجموعة من الشعراء والأدباء يلتقون دورياً في مقهى يدعى (هاواي) يقع على ضفة فهد السالم أحد شوارع الكويت الرئيسة منهم الأديب إسماعيل فهد إسماعيل وعبد الله المسعود ورسام الكاريكاتير الراحل ناجي العلي حيث كانوا يقومون في ذلك الوقت بقراءات مشتركة ويطلعون بعضهم بعضا على انتاجهم حيث ان فائق يعشق القراءة فهو قارئ نهم وكان يحترم الكتاب أشد احترام منذ صغره. ومن ثم قام بإصدار ديوانه الثاني عام 1977 بعنوان «سالفة صمتي» حيث يلتمس فيه بوضوح نضج الشاعر، ويعتبر فائق شاعرا مجددا ذا تجربة شعرية مميزة، وهو أيضا أول من كتب وقدم عملا مسرحيا للعرائس في الكويت من تأليفه وكان اسم المسرحية «أبو زيد بطل الرويد» لمخرجها أحمد خلوصي، وكان ذلك عام 1974 وكتبت مقالة بتلك المناسبة للصحافي وليد أبوبكر في جريدة الوطن الكويتية آنذاك بعنوان «مسرح العرائس في تجربة رائدة يقود فائق عبد الجليل إلى طريق جديدة».

ولم يقتصر على هذا فحسب بل إنه شارك بكتابة المسرحيات مع كبار المخرجين منهم المخرج الكبير سعد أردش والذي أخرج مسرحية «رسائل إلى قاضي أشبيلية» لألفريد فرج، حيث كتب لوحاتها الغنائية وقد تقلد منصب رئيس مجلس ادارة المسرح الكويتي عام 1981 وكتب أيضا عدة أوبريتات منها الوطني والاجتماعي منها الأوبريت الشهير «بساط الفقر» الذي قام ببطولته الفنان عبد الحسين عبد الرضا، ومارس أيضا كتابة شعر الأطفال في فترة السبعينيات ونشر أغلب تلك القصائد في مجلة «سعد» وهي مجلة كويتية خاصة بالأطفال وكان فائق يعتبر كتاباته للطفل هي هروبه من حاضره إلى ماضيه الجميل.

وقد كتب عن فائق البروفيسور الفرنسي سيمون جارجي الأستاذ في كلية الآداب جامعة جنيف وهو الذي ذكر الشاعر بدر شاكر السياب وآخرين في دراساته وأبحاثه التشريقية، أرخ يقول عن فائق في صحيفة «لوموند» الفرنسية عام 1970: «التصميم على عدم الانسلاخ من الأرض القديمة التي تتلوى في عروقها جذور حنين الشعراء وعواطفهم المشبوبة، هو أشد بروزا وتحسسا لدى أصغر شعراء الكويت فائق عبد الجليل الذي لم يتجاوز الحادية والعشرين من العمر بعد واسمه الحقيقي: فائق محمد العياضي، والذي طبعت له وزارة الإرشاد والأنباء الكويتية ديوانه المعروف بـ«وسمية وسنابل الطفولة» فرفضه للحضارة المادية المجلوبة من الغرب رفض حاسم لا رجعة فيه، وهو يعبر عنه في قول يتمثل به ويستنه كذلك قاعدة لحياته: «تبهرني صلابة الأبنية الجديدة... ولكنني أحب الصدق في كل جدار طيني قديم».

لم يعرف عنه الكثير سوى أنه شاعر له أغنيات مشهورة، حيث كانت حياته مغايرة تماما عما كتب عنه فهو الإنسان المثقف الراقي يمتلك لباقة في الحديث وحضورا مميزا وعلاقات اجتماعية واسعة والعاشق الذي كان في حالة حب دائمة والأب الحنون الذي كرس جل وقته بين أولاده وزوجته رفيقة دربه التي أخلص لها لآخر لحظات حياته، اشتهر في بداياته الفنية مع الفنان عبد المحسن المهنا في أغنية «مع ريح الهوى مسافر» وعدة أعمال مع فنانين آخرين لكن حدث نوع من التقارب في الحس والرؤية والثقافة مع عملاق الفن العربي محمد عبده فكان هو الأقرب انسجاما مع فائق فأتت أغنية «إبعاد» ثم «نسيتني» و«في الجو غيم» حتى «وهـم» و«المعازيم» فعبروا بهذه الروائع إلى حدود الإقليمية فوصلت أغانيهم لإسرائيل، إذ أتى بأغنية «إبعاد» التي غنيت عام 1975 صديق له فلسطيني من الضفة، حيث تغنى بها مطرب إسرائيلي، وبرغم ذلك لم يكن يستهوي هذا العبور لأنه من الذين ارتبطت أعمالهم بمحاولة توحيد الصف العربي من خلال ديوانه الفصيح عام 1984 «معجم الجراح» الذي مارس فيه أحلامه المتمثلة في الوطن العربي الواحد، حيث كان فائق يؤمن بأن الشعر العامي في كثير من أجزاء الوطن العربي ممكن أن يكون كبيرا أو عملاقا لو تخلى عن جوازه الإقليمي، لذلك كانت بداياته هي الإمساك بغصن قريب من غصن الفصحى وفعلا كان ديوانه الأول هو المحاولة الواضحة التي تؤكد ان العامية لو ثقفت وهذبت وأعدت من الممكن أن تثبت للجميع.. انها الابن الشرعي للفصحى وأنها بفعل الشاعر تكون طفلا عاميا يصعد درجات العامية الراقية ليصل إلى قمة الفصحى المبسطة. واستطاع فائق أن يطلق قصيدته العامية الحديثة المتطورة المثقفة خارج سرب القصيدة الاستهلاكية بكل جدارة محققا بذلك المعادلة الصعبة.

الشاعر القتيل فائق عبد الجليل الذي أسرته قوات الاحتلال العراقي في الثالث من يناير عام 1991 كان يعتبر أشهر أسير كويتي لدى صدام حسين على مدى خمسة عشر عاما من الأسر وكانت تهمته بأنه الرأس المدبر للمجموعة التي تنتج وتنشر أغنيات قصيرة تحرض على الصمود والمقاومة والفعل ضد الغزاة وكان هو من قام بكتابة ثماني عشرة أغنية قصيرة انتشرت عبر الكاسيت، نظمت المجموعة نسخها وتوزيعها ودوت في أنحاء الكويت المحتلة. والملحن القتيل عبد الله الراشد هو من قام بتلحينها فقد تحولت تلك الأغنيات إلى سلاح قوي أثار خيفة السلطة المحتلة وقلقها فراحت تفتش السيارات وتداهم البيوت ولم يكن معروفا من الشاعر أو الملحن.

وبقى هذا الشيء خفياً عن عامة الناس حتى بعد تحرير الكويت وذلك رغبة من وزارة الاعلام الكويتية خشية معرفة نظام صدام حسين وتأكيد التهمة على فائق ومن كان معه من المجموعة، ففي احدى قصائد الاحتلال وجه فائق رسالة لصدام حسين من خلال هذا المقطع البليغ الدلالة والاستشراف والمعنى: «يا غازي الديرة ومتآمر.... أنا الثابت وأنت العابر!» وبعد كل سنوات الغياب عن وطنه الذي اغترب عن ترابه تم العثور على رفاته مع مجموعة من الأسرى الكويتيين في احدى المقابر الجماعية في العراق بمنطقة قريبة من كربلاء، حيث تم إعدامه برصاصة غادرة بالرأس ليتم دفنه في مقبرة الصليبيخات ليحتضنه تراب وطنه، في 20 يوليو 2006، في تشييع رسمي حضره النائب الأول لرئيس الوزراء الكويتي ووزير الدفاع ووزير الداخلية وكبار الشخصيات وأهله وأصدقاؤه. فائق لم يكن شاعرا يمتلك إحساسا مرهفا ويجيد التعامل مع المفردة الشاعرية بالحياة وحسب، بل كان فنانا يعيش القلق والإبداع الدائم وهو من القلائل الذين ارتبط مصيرهم بإبداعاتهم بمزيج حب الأرض.

التعليــقــــات
حمدالصالح، «الكويت»، 17/11/2007
فائق عبدالجليل شاعر كبير و صاحب مدرسة شعرية قتل الجبناء أنامله برصاصة بالرأس .. إنها أكبر جريمة أن تعتقل شاعرا فما بالك أن تعدمه.. هذا هو حال الشعراء على مر العصور.
يوسف عبدالله، «المملكة المتحدة»، 18/11/2007
قد يكون عشق فائق عبد الجليل للكويت مبررا فهي بلاده ولكنه ليس مقصورا عليه فقط رحمه الله فكل اللذين وطئت ارجلهم ارض الكويت عشقوها بل ان بعضهم استشهد دفاعا عنها في فترة الغزو الغاشم، لا استغرب ابدا شجاعة فائق وصموده وذلك ان دفاعه عن بلده ناجم عن حبه له وعرفانا لما قدمه له ناهيك عن ما قدمته هذه الارض الكريمة لكل من حل ضيفا عليها. وإلا ما الذي سيدفعك للمخاطرة بحياتك من اجل الدفاع عن اي شيء ان لم يكن حب ذلك الشيء متمكناً منك؟!
المحرر خلف محمد جريدة شمس السعوديه، «المملكة العربية السعودية»، 18/11/2007
أولاً رحم الله كل الشرفاء الأبرار وثانياً هذه المعلومات البسيطة المنشورة هنا أهديها مع التحية لكل المغفلين الذين يدافعون عن صدام حسين أو أي طاغية قاتل مجرم إرهابي وأعيد التهنئة لشعبي الكويت والعراق بمناسبة الخلاص الأبدي من طاغية بغداد المقبور والدور من بعده قادم لكل أمثاله.
جابر السعيد، «الكويت»، 19/11/2007
فائق عبدالجليل هو من تلك الشخصيات المؤثرة على الحياة الأدبية في منطقة الخليج العربي وليس الكويت فحسب فهو كل تلك الأماكن والأزمنة التي تسافر بك إلى ذاك العالم الجميل بكل بساطته باختصار شديد هو رائع لن يتكرر ولن يأتي بمثل ما أتى من روائع كما ذكرها الكاتب .
شكرا لمن سطر وكتب هذا المقال وشكرا لرائعتي الشرق الأوسط.
خالد الوتار الأسلمي، «الكويت»، 19/11/2007
لم أكن أعرف كل تلك الزوايا الخفية في حياة هذا الشاعر والتي حالما قرأتها أحسست بأنها رواية من أدب الحروب الرائعة والإنسانية بكل مقاييسها والتي ربما تحتاج إلى بلورتها أدبيا وإبداعيا لتكون مثالا على الصراع بين الشعراء والطغاة في العالم على مر تلك الأزمنة.
عبدالرحيم الصبحي، «المملكة العربية السعودية»، 20/11/2007
قرأت المقال ووالله حشرجت غصة في حلقي ونفر دمعة على رحيل أمثال هؤلاء العظماء ليس ذنبهم غير الكلمة الصادرة من القلب الله يكون في عون عائلته.
الشاعر حمد المصبح الحريجي، «المملكة العربية السعودية»، 29/12/2007
اولا غفر الله لشاعرنا واسكنه فسيح جناته.
الشاعر الكبير فائق عبد الجليل.... شاعر كبير قل نظيرة وانا اعشق شعره منذ الصغر واعشق شخصيته ومتاثر فيها الى حد كبير وبصراحة حزنت عليه حزنا شديدا رحمة الله عليه.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال