الجمعـة 28 صفـر 1429 هـ 7 مارس 2008 العدد 10692
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

عمر كدرس.. معاون سائق الشاحنة الذي أعجبت به أم كلثوم

محمد عبده وعمر كدرس في الكواليس («الشرق الاوسط»)
عمر كدرس
عمر كدرس وطلال مداح
عتاب وحسن اسكندراني وعمر كدرس
محمد عبده يستقبل عمركدرس في قاعة ليلتي بجدة
محمد صادق دياب
يروى أن أحد مؤلفي موسيقى الجاز الأمريكي جاء لكي يتلقى دروسا في الموسيقى على يد الموسيقار «سترافنسكي»، فسأله سترافنسكي:

ـ كم يبلغ دخلك من الموسيقى؟

فرد الأمريكي:

ـ عشرات الآلاف من الدولارات في العام.

فقال سترافنسكي:

ـ إذا يجب أن أتلقى الدروس أنا على يديك.

كلما قرأت هذا الحوار البليغ تتداعى إلى ذهني صورة الفنان السعودي الكبير الراحل عمر كدرس، فهذا الفنان حاله حال الموسيقي سترافنسكي، فالكل يعترف بأستاذيته، ومع هذا فإن ما كسبه من الفن ظل أقل بكثير مما تحقق لتلاميذه.. حينما زارت سيدة الغناء العربي أم كلثوم السعودية ذات يوم كان أكثر ما لفت نظرها من الفنانين ذلك الفنان السعودي الأسمر عمر كدرس، حتى أنها راحت تطلب منه أن يعزف لها بعض المقطوعات وهي تتابع تحركات أنامله على أوتار العود بقدر كبير من الدهشة والإعجاب، ولم تكتف بذلك بل قدمت له نص «أقبل الليل» لكي يقوم بتلحينه لها بعد أن تباطأ رياض السنباطي في إنجازه إثر جفوة عارضة بينه وبين أم كلثوم، لكن ما ان وصل إلى السنباطي خبر تسليم النص إلى ملحن سعودي موهوب حتى سارع في إنهاء اللحن ليكون في انتظار أم كلثوم فور عودتها إلى القاهرة، وفوت بذلك الفرصة على عمر كدرس لكي ينضم إلى قائمة المحظوظين الكبار الذين لحنوا لسيدة الغناء العربي أم كلثوم.. والذين اطلعوا على اللحن الذي أنجزه الكدرس للنص الغنائي «أقبل الليل» يؤكدون أن «الكدرس» فجر كل طاقاته الفنية في ذلك اللحن، ولو قدر له أن يقترن بصوت أم كلثوم لأحدث نقلة كبيرة ومهمة في مسيرة عمر كدرس الفنية، ولم تزل هناك نسخة مسجلة من ذلك اللحن بحوزة صديقنا الصحافي اللامع علي فقندش.. ولا غرابة أن تعجب السيدة أم كلثوم بفنان كبير مثل عمر كدرس، فهو «سيد العود»، وسيد الروائع اللحنية: «ليلة خميس»، «وهم»، «يا سارية»، «ماشي بيتهادى»، «في الطريق»، «أحلى من العقد»، وغيرها من الألحان التي تسكن ذاكرة المجتمع السعودي.

* مشواره مع فنان العرب حينما كتبت «أوراق من حياة فنان العرب محمد عبده» على حلقات في مجلة «سيدتي» خلال عقد التسعينات من القرن الماضي حرص محمد عبده على استثارة صديقه «الكدرس» مداعبا فصرح لي قائلا:

ـ على الرغم من مشواري الطويل مع عمر كدرس إلا أن نجاحنا لم يتحقق إلا متأخرا جدا، بدءا من أغنيتي «وهم» و«ليلة خميس».

وعندما التقيت بالكدرس بعد نشر تلك الأوراق وجدته عاتبا، وهو يقول: ـ وهل يمكن إغفال أغنيات مثل «قالوها في الحارة»، و«البعد طال والنوى»، و«يا أعذب الحب»، وغيرها من الأعمال التي شكلت معالم رئيسية في مشوار محمد عبده؟! والحقيقة أن للكدرس دورا كبيرا في بدايات فنان العرب محمد عبده، وكان عضده ودعمه في مواجهة ظاهرة طلال مداح الفنية التي صبغت ذائقة المتلقي بصبغتها، فالكدرس بموسوعية ثقافته الموسيقية، واختزاله الواعي لألوان متعددة من التراث أسهم في تكوين جزء مهم من ثقافة محمد عبده الفنية، خاصة ما يتصل منها بالتراث الغنائي.. ومن صور وفاء محمد عبده لأستاذه ورفيق دربه عمر كدرس وقفته الصادقة معه في رحلته الأخيرة مع المرض، وكيف كان محمد عبده يقضي أوقاتا طويلة بجوار سرير الكدرس داعيا ومواسيا..

* بدأ حياته مطرباً بدأ الكدرس مشواره الفني مغنيا قبل أن يتفرغ للتلحين، وهو صاحب صوت شجي عذب طروب، حتى أنني لأتذكر في بداية عقد الستينات من القرن الماضي حضوره لإحياء حفل زفاف في حينا، وكان أصحاب الحفل يمنعون دخول الصبيان إلى المكان الذي خصص للغناء، فاضطررنا إلى تسلق النوافذ لنلقي نظرة إلى ذلك المطرب الأسمر النحيل، الذي راح يتغنى بأغنيات لأم كلثوم وعبد الوهاب ونجاة الصغيرة على عكس ما ألفنا وتعودنا في حفلات الأعراس من مجسات وابتهالات بأصوات حسن لبني وعبد الرحمن مؤذن وغيرهما.. ومنذ ذلك اليوم البعيد بقي الكدرس يسكن الذاكرة، حتى أنني حينما بدأت العمل الصحافي بعد ذلك كان أول فنان سعيت لعمل حوار معه هو الفنان عمر كدرس.

وأكبر دليل على عذوبة صوت الكدرس ما يرويه الفنان الكبير الراحل طلال مداح الذي اشترك مع الكدرس في إحياء إحدى الحفلات الغنائية، وخشي طلال أن يهيمن الكدرس على الجمهور، فاقترح عليه أن يقدم تقاسيم على العود ويتبعها ببعض قصائد عبد الوهاب الغنائية، ولم يتردد الكدرس عاشق الروائع من الاستجابة لذلك، وخانه أن يدرك في تلك اللحظة وهو الخبير بأن لتلك الروائع أجواءها الخاصة وجمهورها المختلف، ليأتي بعده طلال مداح برائعة الكدرس «يا سارية خبريني» ثم يعقبها بـ«وردك يا زارع الورد» فاستولى على الجمهور وهيمن عليه، وأدرك الكدرس بعد فوات الأوان أن نصيحة طلال مداح له في تلك الليلة مقلب ظريف من مقالب طلال مداح الكثيرة معه..

* أحكامه الفنية وللكدرس إشكاليات ارتبطت بتغيير مسارات بعض ألحانه، كتغير مسار لحن أغنية «مقبول منك كل شيء مقبول» ليتغنى به طلال مداح، وهو اللحن الذي أجرى عليه محمد عبده الكثير من لمساته ليفاجأ حينما دخل إلى أحد الاستديوهات في لبنان لتسجيله بأن طلال قد سبقه إلى هناك لتسجيل اللحن بصوته.. ويقال إن أغنية «وهم» أعدها الكدرس للفنان أبو بكر بلفقيه، ولكنه غير مسارها في اللحظات الأخيرة لتستقر في حنجرة محمد عبده.. ومثلها أغنية «ليلة خميس» التي حول مسارها من الفنان محمد عمر إلى الفنان محمد عبده.. وليس ثمة مبرر مقبول لمثل هذه الأحداث إلا أن يكون قلق الكدرس الفني على ألحانه، يدفعه إلى أن يكتشف في اللحظات الأخيرة تجانسات جديدة للحن مع خصائص فنان أكثر من الآخر..

سألته مرة عن الأصوات التي أتت بعد طلال مداح ومحمد عبده؟ فقال:

ـ بعض أصحاب هذه الأصوات يريدون أن يجتازوا سلم الفن قفزا أو تسلقا، لا خطوة إثر خطوة، كما صعدها طلال مداح ومحمد عبده، ولذا فهم عرضة للسقوط في أية لحظة، لأن شهرتهم لا ترتكز على قواعد صلبة أو منجز مميز يمكن الاتكاء عليه.. وليعذرني القارئ إن ابتلعت بعض كلمات الكدرس عن مطرب حقق قدرا من الشهرة، ومع هذا لا يرى فيه الكدرس أية قيمة فنية تبرر هذا الحضور، وهو يستدل على فساد الذائقة الفنية بشهرة ذلك المطرب.. وللكدرس أحكامه الفنية الصائبة، فلقد أجمع الكثير من الآراء على صوت جديد، نقي، قوي، ومميز بأنه سيكون فارس الأغنية القادم، وظل الكدرس وحده له رأي آخر، فهو يرى أن الفنان ليس صوتا فحسب، بل منظومة متكاملة من الخصائص الفنية التي لم يتوفر لذلك الفنان منها سوى الصوت، وأثبتت الأيام بعد ذلك أن الكدرس وحده كان صائبا، فلقد تعثر ذلك الفنان، وغرق منذ لحظات بداياته.. وهو يصف محمد عبده فيقول:

ـ فنان كبير، ذكي، موهوب، ولماح، يعرف كيف يقطع الطريق نحو هدفه بثبات، ويقين، وثقة.. وهو أول من أحدث انفراجة في هيمنة طلال مداح على الذائقة الفنية في مرحلة ما، ليعبر من خلالها بشخصيته المستقلة ولونه الخاص، فيصبح عن جدارة الطرف الآخر من المعادلة الفنية مع طلال مداح.

أما عن طلال مداح فيقول: ـ اسم كبير ومهم في تاريخ الغناء العربي، وزعامة كبيرة في مسيرة الأغنية السعودية.

ويصف الفنان عبد الله محمد فيقول:

ـ فنان يمكن أن يبتلع كل الفنانين من حوله على المسرح، فهو يتحول إلى غول حينما يصعد للغناء، ينسى نفسه، وينصهر مع الجمهور لدرجة التوحد.

ويعترف الكدرس أنه أسهم جزئيا في صياغة عدد من الألحان التي لم تنسب إليه، مبررا ذلك بشيوع ظاهرة اللحن المشترك الذي يسهم فيه أكثر من ملحن، والنص الغنائي الذي يشترك في كتابته أكثر من شاعر، وهو ثمرة الجلسات الفنية المشتركة التي كانت سائدة في جدة، والتي كانت تضم مطربين وملحنين وشعراء، ولم تكن بين الفنانين من الحساسيات ما يجعلهم يقيمون الدنيا صراخا واحتجاجا إذا ما أسهموا جزئيا في لحن نسب بعد ذلك إلى أحدهم، ، وبنفس الروح كان الشعراء يتعاملون مع النصوص الغنائية.

* شخصية عمر كدرس وشخصية عمر كدرس شخصية ثرية بعبق بيئتها، فهذا المولود في المدينة المنورة، والذي قضى جل عمره بين مكة المكرمة وجدة والطائف اختزل في دواخله مختلف الملامح الاجتماعية والسيكولوجية لهذه البيئة، ففي صوته شيء من عنفوان حاراتها، وفي مشيته بعض من كبريائها، وفي إبداعاته الكثير من موروثها، فأغنيته الشهيرة «يا سارية خبريني» مستقاة من عمق «زواميل» المزمار أشهر الألوان التراثية في منطقته، فهو موسوعة تراثية متحركة، يتعامل مع الموروث بوعي المثقف وهاجس الفنان..

في قهوة «مزعزع» بشارع الميناء في أطراف حي «الهنداوية» كنا نتحلق حوله في فترة من عقد الستينات إذا ما انطفأ النهار لنمطره أسئلة عن مشواره الحياتي، وكيف بدأه معاون سائق شاحنة، ثم تطور بعد ذلك ليحصل على وظيفة سائق في بعض البيوت في مكة المكرمة وجدة، وكيف قاده هذا العمل إلى التعرف على أحد الوجهاء في جدة، هو المرحوم صالح سنبل، الذي كان له صالونه الاجتماعي الذي يضم أبرز الشخصيات الفنية والرياضية آنذاك، وكيف عمل على تثقيف نفسه بعد ذلك أدبيا وموسيقيا حتى استحق أن يحصل على وظيفة في فرقة الإذاعة ليصبح مع الزمن أحد أبرز وجوهها.. وقد تنتهي السهرة في بيت أحدنا لنستمع بصوته إلى روائع محمد عبد الوهاب مثل: «كل دا كان ليه» و«النهر الخالد» و«الليل لما خلي».. وليس سهلا على من يدمن صوت الكدرس أن يمتلك فائضا في الوجدان لكي يطرب لغيره بالتزامن معه، حتى أن أجمل هدية تلقيتها قبل عام من الصديق سامي عباس خميس تسجيل خاص للكدرس عمره أكثر من ثلاثة عقود، ولم يزل هذا التسجيل وسادة الطرب التي أتوسدها لتنقية حاسة السمع من الملوثات التي تمطرها على مسامعنا الكثير من شاشات الفضائيات..

وعمر كدرس عاشق الليل لا تنتهي سهراته إلا حينما يولد النهار، وكأنه يخشى أن يظل وحده في أحضان الظلمة، فحينما يستضيف أصدقاءه كان يطلب منهم إدخال عرباتهم إلى داخل فناء بيته، ليغدو المتحكم في مواعيد الخروج، فباب الدار لا يفتح إلا عند مولد الصباح، وقد لا تنتهي السهرة عند هذا الحد، إذ غالبا ما يصطحب ضيوفه صباحا إلى أطراف جدة الجنوبية في حي «الكرنتينا» ليشاركهم الإفطار لدى مطعم يرجع فضل اكتشافه وذيوع شهرته إلى الكدرس دون سواه.. وباختصار: يصدق القول بأن عمر كدرس هو صانع النجوم في سماء الأغنية السعودية الحديثة، وتأثيره الفني يوشك أن يلامس الجميع، فأعذب ألحاننا هي نبت أنامله، وفيض أوتاره.

التعليــقــــات
بشير هوساوي، «فرنسا ميتروبولتان»، 07/03/2008
عمر كدرس كم أنت جميل يا استاذ دياب حينمات تتذكر هؤلاء العمالقة في زمن الجحود.
محمد بكرسندي/كاتب صحفي ومستشارمالي، «الولايات المتحدة الامريكية»، 10/03/2008
أتمنى استمرار سمفونياتك الفنية الرائعة...عن أقطاب الفن السعودي...والتي تمثل في رأيي إعادة توزيع حديثة لتاريخ بعضه مكتوب...والآخر كان -منزويا- في زوايا النسيان... وكما أشار أول المعلقين على مقالتك...كم أنت جميل يا أستاذ دياب...!!!!!
المهندس/ حسن البهكلي، «المملكة العربية السعودية»، 10/03/2008
أستاذ محمد صادق ذياب أنت وفي والأوفياء قليل وشكرا لنثر ومضات خافتة عن الرموز الفنية في المملكة.
نايف محمد الشريف، «فرنسا ميتروبولتان»، 12/03/2008
مشكور استاذ محمد صادق دياب على تذكيرنا بالفنانين الكبار ونرجو منك أن لا تنسى الاستاذ الفنان عبد المجيد عبد الله امير الطرب.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال