الجمعـة 22 شعبـان 1430 هـ 14 اغسطس 2009 العدد 11217
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

صابر الرباعي.. أمير الطرب

قصة نجاح لطفل بريء.. ذكي.. وصادق

تونس: المنجي السعيداني
كان يريد أن يكون مهندسا معماريا وليس مطربا أو نجما معروفا، ولكن حنجرته قادته إلى عالم الشهرة والغناء، فبنى مسيرة غنائية كتب لها النجاح بالرغم من بدايتها المحلية الضيقة.. نشأ الفنان التونسي صابر الرباعي مع أربعة أشقاء هم ماهر وإلهام ووجدي ومراد وهو آخر العنقود.

هوى وجدي الموسيقى وتخصص في العزف الإيقاعي مما جعله لاحقا عنصرا أساسيا في فرقة الأخ الأصغر، كان الوالد مدير مدرسة السلطانية الابتدائية بصفاقس (350 كلم جنوب العاصمة التونسية) وكان يعرف قيمة الفنون الراقية وخصوصا الموسيقى، فربى الأطفال على نفس أصول الموسيقى الشرقية والتونسية، غير أن استجابة صابر كانت أكثر فتعلم العزف على العود أصعب الآلات الموسيقية على الإطلاق، لتتفتح مداركه بعد ذلك على الألحان والأنغام.

وتمكن الوالد من جمع مكتبة موسيقية نادرة تضم عشرات التسجيلات لكبار الفنانين العرب مما أتاح فرصة لصابر ذهبية للاطلاع على النغمات الشرقية بصفة مبكرة. في مدرسة السلطانية الابتدائية واصل صابر (الفنان الصغير) صقل موهبته ومعها عاش سنوات التكوين والتشبع بأصول الموسيقى والغناء، وعندما بلغ سن العاشرة من العمر، اقتنى أول آلة «كمان» في حياته وكانت من بغداد خلال رحلة مدرسية عربية تتيح للمواهب التعبير عن إمكانياتها الفنية والصوتية.

وواصلت تلك الآلة السفر مع صابر وهو ينشد لكبار الملحنين العرب من أمثال محمد عبد الوهاب وكارم محمود ووديع الصافي، ولا ينسى بطبيعة الحال اكتشافاته الأولى في عالم الغناء في تونس، فقد فتحت عديد من الأغاني التونسية شهيته للغناء وارتبط بالمطرب التونسي محمد الجموسي ابن مدينة صفاقس مسقط رأسه.. والهادي الجويني صاحب الروائع الغنائية ذات الرائحة الأندلسية.

وكانت سنة 1984 سنة مهمة في تاريخه الفني، ففي تلك السنة شارك في الحصة التلفزيونية الشهيرة في تونس والمخصصة لاكتشاف المواهب والتي تحمل اسم «نادي المواهب» وتحصل صابر على الجائزة الأولى بأدائه لأغنية تونسية عنوانها «خليك آه يا ليل» التي لحنها الملحن التونسي محمد رضا.. وبالجائزة المالية المقدرة بـ 500 دينار تونسي (نحو400 دولار أميركي) اشترى صابر «كمان» جديدا ودراجة نارية يذهب بها إلى المعهد.

بعد الحصول على شهادة البكالوريا، تفرغ للموسيقى والتحق بمعهد خاص لمدة خمس سنوات وبالمعهد الأعلى للموسيقى بتونس العاصمة لمدة سنتين وتخصص على العزف على العود.. ولكن الطريق إلى الشهرة والانتشار يتجاوز حدود المعارف الموسيقية والشهادات العلمية، ليؤكد الصلة الكبيرة بين الموهبة والحظ والعلاقات الجيدة.. فالخطوة التي تلت الحصول على الشهادات والتنويهات دامت 12 سنة من 1984 سنة حصوله على جائزة نادي المواهب، إلى سنة 1996 بعدها انتقل من المحلية التونسية إلى الجمهور العربي، ووجد صابر حماسا ودعما كبيرين من شعراء وملحني تونس مثل الحبيب المحنوش وعبد الحميد الربيعي ومحمد رضا وكانت أول أغنية له في عالم الاحتراف تحمل عنوان «أغرب من الخيال» وسجل بعدها مجموعة من الأغاني في إذاعة صفاقس، وكان الألبوم الأول لصابر قد حمل عنوان «لافيتها خزرتلي» وهو باللهجة التونسية، ثم توالت الأعمال الفنية في موجة شبابية تونسية ضمت مجموعة مهمة من الطاقات الصوتية التونسية الصاعدة.. وفي عام 1984 صعد صابر على ركح مسرح قرطاج الدولي لأول مرة، عن هذا الحدث في حياته يقول متذكرا «يومها كنت بين الخوف والحلم، الخوف من الإخفاق والحلم بالنجاح، فالمرور من قرطاج كان معناه بداية مشوار الاحتراف الحقيقي». ولكن سفرته إلى القاهرة سنة 1993 كانت أكثر من مهمة فقد غنى لعبد الوهاب وعبد الحليم وأم كلثوم قبل أن تطأ قدماه أرض القاهرة ودخل اختبار لجنة الاستماع لاتحاد الإذاعة والتلفزيون مع الفنانة السورية أصالة نصري وقتها قال عنه الموسيقار حلمي بكر «إن صابر أجمل صوت استمع له منذ 20 سنة وهو يستمع لأدائه أغنية (النيل نجاشي) لمحمد عبد الوهاب». كما أشاد بصوته الفنان سيد مكاوي وصدر له ألبوم «رحت وجيت» وهذا الألبوم هو الذي قدمه بقوة لكل الموسيقيين في مصر.. وطرح صابر بين 1996 و1999 ألبومات «يللي جمالك» و«حيروني» و«صابر يغني لعبد الحليم». ونجح مع المنتج اللبناني علي المولى في الوصول إلى المستمع العربي في الخليج ومصر والعراق والشام. ولكن النجومية الحقيقية لصابر الرباعي بدأت في سنة 2000، عندما أطلق ألبوم «سيدي منصور» ونجحت الأغنية على جميع المستويات وحققت أرقام مبيعات قياسية، حتى أصبحت هذه الأغنية هوية صابر الرباعي في كل بلد يدخله.. بعد هذا النجاح سعت شركات الإنتاج في مصر ولبنان إلى التعاقد معه.. وأدى صابر مع أصالة أغنية «ع اللي جرى» للفنانة الراحلة علية وابهرا بقوة الصوت والانسجام.. واصدر بعد ذلك عديدا من الألبومات من بينها «خلص تارك» و«شارع الغرام» و«اتحدى العالم» و«أجمل نساء الدنيا». لقد نجح صابر الرباعي في شد الانتباه إلى ما يغني بأحاسيس راقية ولكن نجوميته الحقيقية جاءت من الأغنية المحلية «سيدي منصور» وهذا يؤكد تلك المقولة المعروفة «الطريق إلى العالمية يبدأ من إبراز الخصائص المحلية».. صابر عشق هذا العالم المبهر وتمكن من ربط علاقات مميزة مع باقي مكونات الوسط الفني ونأى بنفسه عن النزاعات مع بقية الفنانين العرب منهم والأجانب، وهو على علاقة وطيدة بنجوى كرم وعاصي الحلاني ولطفي بوشناق والراحلة ذكرى وحسين الجسمي.. أما عن المستقبل الفني فإن صابر يرى أن الموسيقى التي يحبذها تذهب إلى التنويع وتلاقي الأفكار وعدم التقوقع في قالب واحد فهي ليست لها شخصية واحدة. ويقول عنه المنتج اللبناني علي المولى «لمست فيك طفلا بريئا ذكيا صادقا» وهذه العبارات ربما هي التي تعبر عن مسيرة الفنان صابر الرباعي فبراءته جعلت المنشط التونسي الراحل نجيب الخطاب يتبناه في برامجه الإذاعية والتلفزية، وذكاؤه هو الذي قاده إلى المحافظة على النجاح وعدم السقوط بسرعة من القمة، وصدقه هو الذي أحبه فيه الناس.. فهل البراءة والذكاء والصدق هي الصفات التي تقود الفنانين إلى النجاح؟

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال