الجمعـة 28 رمضـان 1422 هـ 14 ديسمبر 2001 العدد 8417
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

برامج المسابقات انتشرت بسرعة مثل «الجمرة الخبيثة» وضاعت بين عسل المعلومات وعلقم المال

بيروت: ابتسام الحموي
هل يمكن ان تتحول برامج المعلومات والالعاب الى «جمرة خبيثة» تتغلغل في ثنايا الشاشات اللبنانية بمساحتيها الارضية والفضائية، ويتحول معها عسل المعلومات العامة التي ادمنها المشاهدون الى علقم الطمع المالي الذي أخذ بالتوسع مع تفشي «حمى» هذا النوع من البرامج في جميع المحطات التلفزيونية، سواء في لبنان او غيره من البلدان. وقد بدأت عوارض الحمى بالظهور في لبنان ابان عرض برنامج «من سيربح المليون» الخاص بشاشة الـ «ام. بي. سي» العربية وعلى شاشة «المستقبل» اللبنانية، لتكر السبحة فيما بعد وتنسج معظم المحطات على نفس المنوال.

ونظراً الى كون «من سيربح المليون» هو البرنامج الاول من نوعه في العالم العربي الذي يشتري حقوق عرضه من احدى المحطات العالمية، كان لا بد من توجيه الانظار اليه لانه اول من ربط المعلومات بالحصول على مبلغ ضخم، ولكنه في الوقت عينه حقق نقلة نوعية في برامج «الالعاب» التي راجت قبل سنوات وارتكزت غالباً على معلومات سطحية وغير مفيدة. فجاء برنامج «من سيربح المليون» ليجمع الناس حول موسوعة من المعلومات اصبح من الممكن معها تحويل التسمية من برامج العاب الى برامج معلومات حقيقية.

ولكن هل كان برنامج الـ «ام. بي. سي» اول من كرّس النمط الاستهلاكي على اساس بيع المعلومات بمبالغ ضخمة؟ يقول مقدم البرنامج جورج قرداحي لـ«الشرق الاوسط»: «ان البرنامج كوّن حالة في العالم العربي تأثرت بها جميع الفضائيات وشاشات التلفزيون، وهي حالة متنوعة الاشكال شملت الجوانب الثقافية والمعلوماتية والترفيهية حتى استقطب ملايين المشاهدين، لكن ان يقال انه اول من ادرج الامور الاستهلاكية فهذا ظلم لانه لم يركز ابداً على الطمع المادي والرغبة بالربح، وان فعل فهو طمع جميل لانه ليس لعبة قمار (ميسر)، واي كلام يصدر في هذا الصدد أمانعه، لانه كبرنامج معلومات له اثره الايجابي وهو يكافئ اصحاب المعلومات والثقافة عن طريق المال». وتساءل قرداحي «لماذا لا نكافئهم وقد اشتركوا ليبرهنوا عن معلوماتهم، ولماذا نكافئ فريق كرة القدم او الموسيقي والمغني مادياً على جدارته ولا نفعل مع انسان عانى ليخزّن المعلومات». وفي بعض زوايا البرنامج يضطر المشترك الى المجازفة بجميع ما حققه من ربح مادي ويخاطر في سبيل الوصول الى المليون، يقول قرداحي حول ذلك: «نادراً ما وصل احدهم الى مبلغ وخسره، لان دوري يرتكز على تشجيعه على الانسحاب خوفاً عليه، مكتفياً بما لديه من مال. ولعل المجازفة احياناً تتضمن منحيين، اولهما ايجابي والآخر سلبي، ويكمن الاول في تحدي المشترك لنفسه ومعلوماته، بينما يدفعه طمعه في الجانب السلبي الى عدم القناعة بما لديه ليخسر في حال الاجابة الخاطئة كل ما حققه»، وتابع: «ان المشاهدين يعون تماماً انزعاجي من الحاح احدهم على المتابعة، وقد انبهه من امكانية الخسارة لكنه يصر على المجازفة معتقداً اني اريد له الخسارة». ويشكل عنصر المال في نظر قرداحي عامل دفع للاشتراك والعمل الدؤوب على التسلح بالمعلومات الكافية. وعن طريقة التقديم التي تميز بها من خلال اللعب بأعصاب المشاهدين ويؤكد انه يعتمد هذا الاسلوب بعد ان يختار المشترك جوابه النهائي ولكن تنفرج اساريره بعد ان يعرف صحة اجابته. وعن المنافسة في المجال المهني يقول قرداحي: «لا تخيفني، فلكل حجمه وموقعه. واذا كانت معظم المحطات تماهت معنا في برنامجنا هذا، فلأنهم رأوا ما لاقاه من نجاح، مشكلاً ظاهرة لها مدخول اعلاني جيد وتستطيع استقطاب كافة الاعمار والاجناس والاذواق، ومن المحطات من يحاول المنافسة بطريقة خاطئة عن طريق تسليط الضوء على عنصر المال، وهم المتهمون وليس نحن، واذا كانت نسبة كبيرة تتابع برنامجنا عبر الشاشة فليس طمعاً بالمال بالتأكيد وهي لن تحصل على شيء منه». واعتبر اخيراً «انه من الممكن ان يأتي يوم يخفت بريق هذه الظاهرة في البرامج».

وقد اتهم الكثير من المشاهدين سيرج زرقا مقدم برنامج «لمين الملايين؟» على شاشة الـ «ام. تي. في» بتقليد جورج قرداحي في سكتاته وحركاته، كما لم يختلف ديكور البرنامج عن «من سيربح المليون»، وهو ما دفع زرقا الى الرد قائلاً لـ«الشرق الاوسط»: «من الطبيعي انني لم اخترع برنامجي، كما لم يخترع قرداحي برنامجه، فالاثنان اُخذا عن برنامجين عالميين يختلفان فيما بينهما نوعاً ما. ولن اقول ان قرداحي يقلد جان بيار فوكو مقدم البرنامج المماثل في فرنسا، كما لا اقلد ماتيوس في برنامجه الايطالي، ولن اقلد احداً كي انجح، ألم اكن ناجحاً خلال ثماني سنوات من العمل في تقديم برامج مماثلة على شاشة «MTV»؟ ثم ان هذا النوع من البرامج يعتمد مقدمها غالباً طرقاً متشابهة»، واضاف زرقا: «ان محطتنا هي البادئة الاولى بهذا النوع من برامج المعلومات في لبنان، وقد قدمت بنفسي اثنين كان اخرهما برنامج «اوعا تنسى»، وقد ظهرت بشكل فجائي الموجة الاخيرة من البرامج المماثلة بشكلها الجديد، ولعلهم رأوا جودة في الفكرة، بعد ان كانت المنوعات تدخل البرامج القديمة». وعن الطابع الاجتماعي ـ الانساني الذي يندرج عن الرغبة في جمع المعلومات قال زرقا: «ان البرنامج موجه للعائلة ككل، فهي تتنافس ايضاً داخل جدران المنزل في جو من التسلية والتوعية الثقافية». وحول سؤال المال قال زرقا: «هل يوجد احد لا يحب المال؟ ومن لا يتمنى كسب مبالغ ضخمة؟ فالرغبة بجني المال ليست عيباً، واذا كنت تعرف المعلومات فلتشترك ولن تنطلق من حب المال بالمطلق، ونحن لا نصفق امام معلومات سخيفة، ولكن من يكسب فهو اهل لذلك». واضاف ان برنامجه «اصعب من غيره لان ما من احد يساعده عبر حذف اجابات وخلافه، بل يتحدى المشترك نفسه، اما في برامج اخرى فابن عمه الذي يجلس في المنزل هو الذي يستحق الفوز».

وتندرج معظم تسميات البرامج المماثلة عن الاغراء المالي والمنافسة الشرسة فمن عناوين شملت الى جانب «الحلقة الاضعف» الذي يومي بصراع بين القوي والضعيف، البرنامج الذي تعرضه شاشة الـ«LBC» وهو جشع «يا قاتل يا مقتول» ويدل منذ اللحظة الاولى انه ينمي جانب الطمع المالي الى درجة يقف فيها المشترك امام خصومه وكأنه يشهر سيفه. ويضاف الى ذلك التحدي الذي واجهه مقدمه مارسيل غانم الذي عرف في السنوات السابقة كمذيع سياسي في برنامج «كلام الناس» على نفس المحطة. فالبعض اعتبر انه نجح في هذا اللون الجديد، بينما نصحه آخرون بالعودة الى سابق عهده خصوصاً ان النقاد رموه بالضياع بين شخصية اعتاد عليها واخرى يحاول التماهي بها «فاقترب في ملامح منها من شخصية جورج قرداحي».

اما البرنامج الآخر على شاشة الـ«LBC» فهو الوحيد الذي لم ينقل عن برنامج عالمي، ويقدمه المذيع الرياضي سابقاً طوني بارود بعنوان «مين بيزيد» بعد تجربة اولى له من برنامج المنوعات «عالباب يا شباب».

وبغض النظر عما لاقاه عنوان البرنامج من لغط لكونه يقترب من اجواء المزاد العلني وعملية البيع والشراء، الا انه يقدم صورة رصينة ومسلية سواء من خلال تقديم طوني بارود او عبر المعلومات المطروحة التي تشمل كافة المجالات العلمية والادبية والفنية العالية. ويقول بارود لـ«الشرق الاوسط»: «ان هذا النوع من البرامج يثبت جودته وقربه من الجمهور، فما من عيب في الاكثار منها لانها ترضي جميع الاذواق. وما يميز برنامجي انه الوحيد الذي يقدم مباشرة على الهواء ما يحيي اكثر مشاركة الجمهور من المشاهدين عبر الاتصالات الهاتفية. اضافة الى ان المشترك يجب ان يفوز بعدد كبير من الاسئلة كي يربح الجائزة الكبرى، ونبتعد كلياً عن نظام الاحتمالات». وعن اشكالية العلاقة بين حب المعلومات والمال قال بارود: «ان الناس بحاجة الى الاستفادة عبر برامج مغايرة للسائد، وتوجد ثقافة مقابل المال، وكما يكسب الرياضي كأساً يختلف نوعه حسب درجته، كذلك يفعل جامع المعلومات، فهي حرب للربح ومنافسة جميلة تقوم على اساس متزن وشريف».

واذا كان جميع من تولى امر تقديم برامج المعلومات وقعوا في فخ المقارنة مع جورج قرداحي، الا ان طوني بارود بقي خارج المنافسة لانه ظل محتفظاً بطابعه المرح والهادئ ـ الصاخب الذي اعتاد المشاهدون عليه، وهو يقول: «لا احاول ان اساعد احداً، ولكن حين يمر الوقت ولا يشتري المشترك من المتصل اجابته على السؤال ليعطيه مقابلها مبلغاً يحدده بنفسه، احثه على السرعة لانه سيفقد امكانية الربح. وهناك من يناور بقصد البيع بسعر اقل، وهي استراتيجية خاصة بالمشتركين استمدوها بالطبع من برامج المعلومات المتكاثرة، او من كل منها على حدة».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال