الجمعـة 24 جمـادى الاولـى 1432 هـ 29 ابريل 2011 العدد 11840
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

أعمال تاريخية قادمة تخاصم التاريخ من أجل الأرباح

مبارك بين التعتيم واللهاث

مطالب بإلغاء جميع الأعمال الفنية المرتبطة بالرئيس السابق حسني مبارك
القاهرة: طارق الشناوي
رغم حالة اللهاث التي نراها الآن بين عدد من صناع الأعمال الفنية لتقديم حياة «حسني مبارك»، وتحديدا اللحظات الأخيرة أو على أكثر تقدير الأيام الأخيرة له في السلطة مع الثورة التي استمرت 18 يوما، فإنه على الجانب الآخر هناك الآن دعوة قوية ولها مناصروها تطالب بإلغاء كل شيء له علاقة بحسني مبارك، وتوصي مصوري الأفلام التي سوف تتناول الثلاثين عاما التي كان فيها مبارك جاثما على قلب ومقدرات مصر بأن يتم حذف صوره والإشارة لاسمه!! أثناء الاحتفال بعيد ميلاد الملحن عمار الشريعي، قبل نحو أسبوعين، اكتشف القائمون على المحطة الإذاعية الغنائية التابعة للدولة أن قسطا وافرا من أغنيات عمار تتغنى بحسني مبارك، فلقد لحن الرجل 12 أوبريتا بها مئات من المقاطع لا تتغنى بشيء إلا بمبارك والضربة الجوية، واقتصرت حرب أكتوبر فقط ليس على الضربة الجوية ولكن على حسني مبارك، وكأنه لم يكن هناك قائد أعلى للقوات المسلحة اسمه أنور السادات، أو وجود لآخرين من العسكريين الكبار لهم أي أدوار نضالية.. نعم كانت هناك مبالغات وقفز على الحقائق الثابتة بل والمنطق من أجل إرضاء مبارك، وهو كان سعيدا بذلك بل ولعله كان يطلب المزيد.

وكان من المستحيل بالطبع لمحطة الإذاعة التابعة للدولة أن تذيع شيئا من ألحان عمار التي في مجملها ترقص عشرة بلدي لحسني مبارك، وإلا اتهمت الإذاعة التابعة للدولة بأنها تعمل في صفوف الثورة المضادة.. ولأن إنتاج عمار الغنائي خارج هذا الإطار لا يكفي لتقديم يوم كامل، فقرروا أن يتولوا هم المونتاج، وتم حذف كل المقاطع الغنائية التي تتغنى بمبارك في تلك الأوبريتات.. المؤكد أن المستمعين لم يلاحظوا الحذف لأن أغلب هذه الأغنيات لم يحظ بأي جماهيرية لدى الناس، ولهذا لم يتذكرها أحد، فلقد كانت تعتبر طبقا للتعبير المصري الشائع مجرد «سبوبة» الكل يحصل فيها على مقابل مادي مجز، ومبارك يحضر هذه الحفلات ويشعر بسعادة، معتقدا أن الشارع المصري، وربما العربي، كله يصدق كل هذه الأكاذيب الغنائية، التي لم تكن تستعيدها الإذاعة المصرية إلا فقط في المناسبات الخاصة ومنها عيد ميلاد مبارك وعيد ميلاد عمار!! لقد طرح هذا الموقف سؤالا.. هل يتم مسح أغاني مبارك، مثلما تم محو اسمه هو وزوجته سوزان من كل الأماكن التي أطلقت عليها، خاصة أن أغلب هذه الأسماء كانت تطلق على سبيل نفاق الرئيس وزوجته؟، ومن الواضح أنهما كانا لا يشبعان مهما تكرر إطلاق اسميهما على مدارس وكليات وجامعات ومنتديات.. كان مبارك وسوزان دائما ما تشعر أنهما يسألان هل من مزيد!! لقد تساءل البعض إذا قدمنا فيلما أحداثه تجري في مرحلة مبارك التي امتدت 30 عاما، وكان أحد المشاهد يجري تصويره في قسم الشرطة، والمعروف أنه في كل الأماكن الرسمية كان من ضمن الطقوس المعروفة هو أن توضع صورة مبارك في الخلفية، الآن لو أعيد تصوير المشهد هل تحذف صورته أم أن هذا يعتبر تزويرا للحقيقة الزمنية.. إن الحقيقة التي تؤكد فساد العهد المباركي لا يمكن إنكارها، لا يجوز بالتأكيد أن يقدم سينمائي مثلا فيلما يتجاوز الحقيقة ويغض الطرف عن الفساد الذي عاشته مصر في عصر مبارك، وبنفس القدر لا يمكن لأحد أن يدعي بأن صورة مبارك في قسم الشرطة لن تكون من معالم ذلك الزمن، بل إن تقديم تجاوزات الشرطة التي تميز بها عهده تصبح أكثر تأثيرا لو كانت صورة مبارك حاضرة، وكأنها شاهد إثبات على الهوان الذي عاشه الإنسان المصري.

لقد حدث بعد ثورة 23 يوليو 1952 أن ألغت الإذاعة الأغنيات الضئيلة التي كانت تتغنى بالملك فاروق في بعض مقاطعها لكل من أم كلثوم وعبد الوهاب، كما أن صورة الملك فاروق في الأفلام القديمة الأبيض والأسود أيضا كان يتم التعتيم عليها.. من أشهر تلك الأغنيات «عاشق الروح» التي تغنى بها محمد عبد الوهاب في فيلم «غزل البنات»، ظلت الدولة تعتم على صورة الملك كلما أعيد عرض الفيلم تلفزيونيا ولكنها قبل نحو 20 عاما صارت مباحة.. الزمن لا شك تغير من حق كل من يرصد الحياة السياسية سواء في كتاب أو فيلم أو أغنية أن يضع رؤيته وقناعاته التي يعتقد بصدقها، ولكن التاريخ لا يتم تزييفه ولا التجاوز عنه مهما كانت التبريرات.. مثلا كان ينبغي على الإذاعة المصرية أن توقف تماما إذاعة الأغنيات التي كان الملحن عمار الشريعي ينافق بها حسني مبارك مثل «اخترناه اخترناه وإحنا معاه لمشاء الله» وغيرها من ملاحم النفاق التي كان هو صاحب براءة اختراعها في عهد مبارك على الأقل في الوقت الراهن.

من حق عمار وهو يراهن على النظام الجديد أن يتبرأ من كل الذي قدمه وأن يقول ما يحلو له بأن النظام السابق كان يقسو عليه ويفرض عليه تلحين كلمات هو غير مقتنع بها، ولكن التاريخ لا يمكن أن ينسى ذلك، وأتمنى ألا يتم مسح هذه الأغنيات لتظل ماثلة في الأذهان، لأن يقيني هو أن من نافق في زمن مبارك المؤكد أنه سوف يواصل النفاق في الزمن المقبل مهما كان القادم.. المنافقون لا يتغيرون قد يغيرون أدواتهم لكنهم أبدا يظلون يمارسون نفس المهنة التي تخصصوا فيها، وهذه الجرائم الغنائية والأحاديث التي كانوا يقدمونها ومسجلة عبر «يوتيوب» وبالطبع الكثير من الفنانين مارسوا ذلك، أتمنى أن نشاهد في القريب هذه التسجيلات لأنهم الآن يتنكرون لها، مثل أحاديث توريث الحكم لجمال وكان عدد من الفنانين والمثقفين من أكبر الدعاة له، وهم أكثر الذين نافقوا سوزان مبارك، ولا يملكون سوى الادعاء الكاذب بأنهم لم يكونوا يوما منافقين.

أتمنى أن يخرج مثلا واحد من هؤلاء الأدباء الذين التقوا مع مبارك قبل سقوطه بشهرين فقط، ومن بينهم خيري شلبي وسيد ياسين ويوسف القعيد وصلاح عيسى وجابر عصفور، لماذا لا نشاهد واحدا منهم الآن ويحكي لنا بالضبط ما الذي قالوه لمبارك، هل جرؤ واحد منهم أن يقول له مثلا إن «المصريين يعانون من البطالة يا ريس» أو «الناس في ضائقة مالية» أو إنهم يرفضون توريث الحكم لابنه جمال.. لقد تم اختيار هؤلاء الأدباء من قبل النظام السابق لمقابلة مبارك لأن الدولة تعلم أن لا أحد منهم سوف ينتقد شيئا في حضرة الرئيس.. الكل يعلم أنهم كانوا فقط صامتين وإذا تحدثوا فإنه الثناء على الرئيس وحكمة الرئيس.. لا تمسحوا أبدا من الذاكرة صور وأحاديث وأغنيات مبارك، إنها لا تدافع عن مبارك لأن جرائمه التي ارتكبها ضد المصريين لا تغتفر أبدا.. توثيق كل ما له علاقة بمبارك لا يعني إذاعته وعرضه الآن ربما لم يأت الزمن بعد ولكن الاحتفاظ بها من واجبات الدولة، لأن كل ما نشاهده الآن سوف يعبثون به في الزمن المقبل لو لم يتم حفظه للتاريخ!! ويبقى الوجه الآخر من الصورة إنه اللهاث وراء تقديم الأعمال الفنية عن مبارك بعد إجباره على التنحي، البعض يريد أن يقدم تلك اللحظات قبل توثيقها كل من يريد أن يثبت أنه كان وطنيا يسارع بتقديم فيلم، قرأت أن البعض يسعى حثيثا لذلك.

المخرج محمود كامل يستعد لتقديم فيلم على طريقة المثل الشهير «اللي سبق أكل النبق» والحقيقة أن هذه الطريقة قد تصلح لأشياء كثيرة وأولها بالتأكيد أكل ثمرة النبق إلا أنها لا يمكن تطبيقها في الفن.. الأكثر من ذلك من الذي يجرؤ على أن يدعي تفاصيل محددة من دون توثيق بحجة أن الذي أخبره هو مصدر قريب الصلة بالرئيس.. المعروف أن الذين شاهدوا أيام مبارك الأخيرة في الحكم هم أفراد أسرته وزكريا عزمي وأنس الفقي، فمن يجرؤ على تزييف تلك الحقائق مدعيا أن لديه الحقيقة رغم أننا نعرف أنه لا يملك المصادر التاريخية؟! مبارك بين التعتيم والادعاء.. لا أوافق على التعتيم وعلى إغفال حقبة زمنية عاشتها مصر، ولكني بنفس القدر أرى أنه في حالة الصراع التي نراها الآن لتقديم حياته في كتاب أو فيلم أو مسلسل نخطئ كثيرا لو أسرفنا في اللهاث وراء أحداث غير موثقة مؤكدين أنها المصادر العليمة، وهي حجة ستسقط حتما أمام الحقائق التي سوف نراها تباعا في الزمن القريب المقبل، ثم إنه مهما بلغ الخيال من جنوح فأنا أعتقد أن الحقيقة كانت أكثر جنوحا وجموحا!! الذين يريدون التعتيم يخاصمون الزمن وهم يلعبون دورهم في الدفاع عن الفساد الذي نراه ماثلا أمامنا طوال عهد مبارك، وفي نفس الوقت فإنهم يدافعون عن الذين تواطأوا في عهد مبارك لأنهم شركاء في الفساد.. أما اللاهثون وراء سرعة تقديم أعمال فنية فإنهم يزورون التاريخ وسوف يسقط التاريخ كل الأعمال التاريخية التي لم تحترم حقيقة التاريخ!!

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال