الاحـد 21 ذو الحجـة 1423 هـ 23 فبراير 2003 العدد 8853
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

كتابان من كلاسيكيات أدب الرحلات العربي

لندن: «الشرق الاوسط»
عن دار السويدي بالامارات العربية المتحدة، وضمن سلسلة «أدب رحلات»، صدر كتابان هما «النزهة الشخصية في الرحلة السليمية» لسليم بسترس، و«رحلة الى غرناطة» لأبي حامد محمد الغرناطي. وحرر الكتابين وقدم لهما قاسم وهب.

وسلسلة «أدب رحلات» التي يشرف عليها الشاعر السوري نوري الجراح، تهدف كما جاء في كلمة الشاعر، الى نشر مائة كتاب من شأنها ان تؤسس، وللمرة الاولى، لمكتبة عربية مستقلة مؤلفة من نصوص ثرية تكشف عن همة العربي في ارتياد الآفاق واستعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة. وصاحب الكتاب الاول هو الرحالة سليم بن موسى بسترس، ولد في بيروت في التاسع والعشرين من اغسطس (آب) سنة 1839 في بيت من بيوتات الغنى والجاه، فكان ابوه موسى بسترس من اعيان بيروت واغنيائها، واهل الفضل فيها، ولكنه لم يعمر ليرى ولده الوحيد وقد بلغ مبلغ الرجال، حيث اخترمته المنية ولم يتجاوز ولده سليم الحادية عشرة من العمر، فتربى الولد في كنف أمه التي رعته، واحسنت تهذيبه وتعليمه. وكان سليم على جانب كبير من الذكاء والفطنة مما مكنه من تحصيل قسط حسن من المعارف والآداب العربية، وتعلم بعض اللغات الاجنبية، كما اتجه الى نظم الشعر في وقت مبكر.

ولكن ما ورثه عن أبيه من مسؤوليات ومصالح تجارية حال دون متابعة تحصيله العلمي، فانصرف الى العمل بالتجارة، فقصد الاسكندرية سنة 1860 لهذه الغاية واستوطنها لعدة سنوات، ولكنه في سنة 1866 عقد العزم على السفر الى اوروبا ثانية، فأسس بيتا تجاريا في ليفربول، ثم نقل نشاطه التجاري في ما بعد الى لندن.

ويستدل من سيرته، وما روي من اخباره، انه كان رجلا نبيلا محسنا، واسع الفضل استطاع في حياته القصيرة (44 سنة) ان يقيم علاقات واسعة بالعديد من عظماء عصره من امثال قياصرة روسيا ووزرائها وان ينال منهم ارفع الاوسمة، كما احرز الوسام المجيدي العالي الشأن من السلطان العثماني لما كان له من نشاط خيري واجتماعي واسع، وراسله العديد من الكبراء من رجال زمانه، ولكن الموت المبكر داهمه وهو في مصيفه بفلكستن قرب لندن في الثالث من شهر فبراير (شباط) سنة 1883 وهو في الرابعة والاربعين من عمره. ونقل جثمانه الى بيروت فدفن فيها سنة 1885.

وذكر جرجي زيدان في كتابه «مشاهير الشرق» ان سليم بسترس «عرّب عدة روايات وله ديوان شعر سماه «انيس الجليس» الى جانب الحديث عنه.

اما صاحب الكتاب الثاني فهو، كما جاء في التقديم، ابو حامد محمد بن عبد الرحيم المازني القيسي الغرناطي القيرواني الاصل، المولود في مدينة غرناطة التي نسب اليها، وذلك سنة 473هـ، وفيها نشأ، وتلقى تعليمه حتى بلغ سن النضج. وعندما تجاوز الثلاثين من العمر تاقت نفسه الى زيارة المشرق، فقصد ابو حامد محمد بن عبد الرحيم الغرناطي الاسكندرية سنة 508هـ، ليتصل بعلمائها، ويأخذ عنهم، ثم انتقل بعدها الى القاهرة للسبب نفسه، اذ من المرجح انه كان يعد نفسه لرحلة طويلة بضاعته فيها الفقه وعلوم الدين، لذا يعتقد بأن رحلته الاولى الى مصر كانت بقصد الاطلاع والتزود بالمعارف الدينية. ثم عاد ابو حامد الى الاندلس، ولكنه لم يقم فيها طويلا، اذ غادرها سنة 511هـ، ولم يعد اليها البتة، فكانت السنوات الاربع والخمسون الباقية من حياته ارتحالا مستمرا موصولا برحلته الاخيرة الى جوار ربه.

حرص الغرناطي في رحلته الثانية على ان يعود الى مصر بطريق البحر، فمر بجزيرة سردينية، فصقلية، الى ان وصل الى الاسكندرية، ثم القاهرة، مما يدل على انه لم يقض وطره من مصر، فأقام بها زمنا لينتقل بعدها الى بغداد، حيث مكث فيها اربع سنوات في رعاية الوزير يحيى بن هبيرة الذي عرف بحبه للعلم، ورعايته لأهله.

واثارت رحلة الغرناطي اهتمام المستشرقين منذ نهايات القرن الثامن عشر، في الوقت الذي لم تحظ فيه باهتمام يذكر من قبل الدارسين العرب والمسلمين في القديم والحديث. وتتمتع بأهمية خاصة روايته لما رآه بعينيه، واهتمامه بالابنية والمعالم المختلفة في المدن والاماكن التي زارها في اوروبا وآسيا. فقد قدم الغرناطي معطيات قيمة عن بعض بلدان اوروبا، فحكايته عن هنغاريا تلقي ضوءا على اصل المسلمين الهنغار واوضاعهم، اما معلوماته عن حوض الفولغا الاوسط والادنى، وعن شعوب القوقاز فهي ذات اهمية كبرى، كما نالت اهتماما كبيرا قصته عن تجارة العظام المندثرة التي نشطت بين سكان الفولغا وخوارزم.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال