الاحـد 18 جمـادى الثانى 1424 هـ 17 اغسطس 2003 العدد 9028
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

سائح يطوف العراق بصحبة زوجته الميتة

حسن ناصر
كان التوغل في بلاد الشرق، (غابة المجاهيل) كما رآه الغربيون في بداية القرن السابع عشر، رديفا للانتحار أو هكذا كان الأمر على الأقل بالنسبة لبيترو ديللا فاليه سليل الأسرة الرومانية العريقة المولود في 1586. فبعد أن قاسى فاليه الفشل في قصة حبه الأولى وعانى (أوجاع الهوى المردود على نفسه) كما يقول هاملت، قرّر أولا أن يضع بيده حدا لحياة قصيرة أمضاها كسائر أبناء طبقته في اقتفاء أمجاد أسلافه في الفروسية والبلاغة. لكنه عدل عن ذلك فيما بعد إذ وجد في مغامرة الرحيل لاستكشاف دهاليز الشرق واستجلاء طلاسمه وسحره حلاًًً آخر للهروب من حياة لم تعد تغريه بالمزيد. حين أزمع فاليه الرحيل باتجاه الشرق تمكن صديقه الشاعر ماريو سكيبانو من أقناعه بوضع أهدافا استكشافية أمامه وبتدوين مجريات تجواله في منطقة كان الأهتمام الغربي بتاريخها وحضاراتها القديمة يشهد تناميا ملحوظا آنذاك. هكذا ابحر فاليه في 8 يونيو (حزيران) 1614 محاطا برفقته وحاشيته من البندقية الى أسطنبول باحثا عن أفق آخر لحياته وعن دواء لخيبته المريرة. ومع أن حياة هذا الرحالة المغامر لا تقل غرابة عما رآه في بلدان الشرق وما نقله الى أبناء ثقافته الا أن الرسائل التي دأب على كتابتها ليصف فيها طريق الرحلة ومشاهداته خلالها أكتسبت أهمية خاصة فيما بعد لفرادتها في تسجيل الكثير من التفاصيل المتعلقة ببلدان الشرق: تركيا وإيران والعراق، ولاحتوائها مشاهدات وشهادات مهمة يتم الرجوع اليها الآن باعتبارها مصدرا بارزا يعود الى الربع الأول من القرن السابع عشر موثقا ما لم يكن أهل تلك البلدان مولعين بتوثيقه. ومن هذا بالطبع الأزياء والأغاني التي يرددها العامة كما في بلاد فارس أو وصف المواقع التاريخية كما في بابل وأور. يقدم الأب بطرس حداد «مترجما ومحققا» رسائل فاليه التي تخص العراق في كتابه «رحلة فاليه الى العراق» متتبعا ما يرد في رسائل الرحالة الايطالي بخصوص هذا الموضوع . يقول حداد في مقدمة الكتاب ان مجلة «نشرة الأحد» التي كانت تصدر في بغداد نشرت في سنتها الأولى (1922) موجزا لهذه الرحلة بعنوان «قصة بطرس السائح»، وأن سعاد هادي العمري نقل وصف بغداد حسبما جاء في الرحلة ونشره في 1954 «بغداد كما وصفها السياح الأجانب في القرون الخمسة الأخيرة». ولكن حداد يحذو في كتابه حذو الترجمات السابقة بالتركيز على الأخبار الخاصة بالعراق وأهمال تفاصيل الرحلة التي يعتقد بأنها لا تعني القارئ العربي بالرغم من أن أهمية رحلة فاليه لم تقتصر على ما نقله من أخبار ووصفه للعراق بل في كشفه وتصحيحه لأخطاء كثيرة كانت شائعة عن تلك البلاد في ايامه. لقد كان فاليه أول من نقل الى الغرب رقما طينية تحمل مدونات مسمارية. وهو الذي أزاح الالتباس التقليدي الذي لف الرحالة الغربيون قبله حين أعتبروا أطلال زقورة بابل القديمة بقايا برجها الأسطوري. وأول غربي يزور آثار أور في تل المكيَّر حيث ترك لنا وصفا لحال الآثار في ذلك الحين وذكر أسماء مواقعها المتداولة. وقف فاليه على زقورة أور دون أن يكون قادرا على معرفة ماهية البناء أو الهدف منه. لكنه جمع قطعا تحمل نقوشا «من الواضح أنها قديمة جدا»، كما يسجل في رسائله الى صديقه سكيبانو، ويشير الى أن المادة التي استخدمت في بناء الصرح كانت القار ومن هنا جاءت التسمية التي أطلقها السكان العرب على الموقع (المقيَّر). أمتدت رحلة العاشق الايطالي الى الهند لتستغرق أثنتي عشرة سنة شهد خلالها أحداثا كثيرة غير أن لبغداد موقع الصدارة في ما شهده وعاشه بعد أن أرتبطت به وأرتبط بها في حادث تراجيدي كان له الأثر الأعمق في حياته.

زار فاليه بغداد عام 1616 ومنها كتب الى صديقه في ايطاليا موضحا الخطأ الشائع لدى مواطنيه في الخلط بينها وبين بابل القديمة ومؤكدا أن بناءها وطراز عمارتها والكتابات العربية الموجودة في مواضع عديدة منها تشير الى أنها مدينة حديثة بناها العرب المسلمون. يكتب فاليه في أحدى رسائله:

«ولعل سبب أعتقاد البعض أن بغداد هي بابل هو وجود كميات كبيرة من الآجر بحالة جيدة يعود بالأصل الى بابل القديمة ومن بنايات كثيرة كانت قائمة وقد زالت معظم معالمها ولم يبق ألا بعض الآثار والجدران. والحقيقة أنه لو حُفر في أي موضع فيها ولمساحات كبيرة لعثر على كميات وافرة من الآجر الجيد والأسوار القديمة. من هنا تولدت القصة التي يرددها المسلمون الى اليوم فيقولون ان البلاد كانت عامرة من بغداد الى البصرة دون انقطاع، فحدث أن ديكا فرّ من بغداد فعثر عليه في البصرة التي تبعد مسيرة 12 يوما الى الجنوب وكان يقفز فوق السطوح من بيت الى آخر حتى وصل الى البصرة التي تقع على الخليج».

يفند بعد ذلك أدعاء البعض بأن بغداد هي سلوقية أو طيسفون ويروي أن ماركو بولو وهايتون الأرمني شوها لفظ أسمها حين قالا (بلداك) فحوّرها الشاعر بترارك فيما بعد الى (بلداكو). يجد فاليه في العراق دواء للجراح التي خلفتها في روحه قصة غرامه الأول أذ يخلب لبه هوى فتاة بغدادية تجمعه الصداقة مع عائلتها. يرى الرحالة الايطالي في (الست معاني جويريدة) ما كان يطمح اليه في المرأة التي تشاركه حياته وهكذا يتمكن بعد جهد من اقناع أهلها بقبول زواجه منها ومن ثم يصطحبها معه في رحلته الى بلاد فارس: «في الطريق من بغداد الى أصفهان ونحن نقطع الفيافي والجبال وقد غمرنا صمت عميق وفي الليالي الحالكة وأنا بقرب زوجتي الحبيبة باغتني ملاك الشعر وأذا بالشعر يتدفق تدفقا عجيبا من مخيلتي فأردت الأقتداء بالأقدمين فأضع قصيدة أكراما لزوجتي أصف فيها رحلتي وأعبر فيها عن حبي. ووضعت لهذه القصيدة الغزلية أسما هو «أكليل جويريدة» نسبة الى أسرة معاني».

يطلب فاليه من رسام يرافقه أن يرسم صورة لمعاني ولكن الرسام يغادر قبل أن تكتمل الصورة. تبقى الصورة ناقصة ومع ذلك يرسلها فاليه الى عائلته في روما ليطلعهم على وجه شريكته أملا في أن تصل معاني الى هناك يوما ويرونها وجها لوجه الأمر الذي لم يحدث. فبعد أن يفرح الزوجان بانتظار الثمرة الأولى لزواجهما تصاب (معاني) بحمى قوية تجهض على أثرها ولا تجديها العقاقير المحلية نفعا فتسلم الروح الى بارئها في 30 ديسمبر (كانون الأول) 1621 وعمرها ثلاثة وعشرون ربيعا. يقرر فاليه أن لا يواري جثمان زوجته الثرى بعيدا عنه وهكذا يقرر تحنيطها بطريقة بدائية ويودعها في صندوق من خشب الصندل ليحملها معه في الرحلة. أربعة أعوام والجثة المحنطة ترافقه من مكان الى آخر، في بلاد فارس والهند والبحر العربي والعراق وسورية. ولم يهدأ باله ألا بعد أن أوصلها الى روما وأنزلها بيديه في مدفن عائلته على مرتفع أرجيلي في قلب المدينة.

لم يكن ديلا فاليه تاجرا يسعى الى الصفقات والربح، ولا رجل دولة، بل كان باحثا وهو يحاول النسيان ويطلب العلم. ولم يأبه للمال فقد كان غنيا لهذا لم يتسرع في ترحاله لأنه اراد الأطلاع على الآثار والأختلاط بالناس والتعرف على كبار القوم وعلمائهم والشخصيات الحاكمة. بحث عن الكتب القديمة النادرة، وتعمق في التركية والفارسية وألم بالعربية والكلدانية الى جانب معرفته السابقة باليونانية واللاتينية. يقول الشاعر الألماني غوته إن قراءة رحلة فاليه كشفت له عن الشرق. كانت رسائله الأولى غزيرة المادة وافرة الشرح ثم قصرت بعد وفاة زوجته لتصبح جافة شحيحة. أصبح قصر ديلا فاليه في روما بعد عودته متحفا يقصده الكثيرون للنظر الى الآثار التي جلبها معه والأزياء المتعددة والمخطوطات التي حملها من بلاد الشرق. ولعل بغداد التي حملتها اليه قصص ألف ليلة وليلة محاطة بالسحر والغموض وهو لما يزل في حداثة عهده، اصابته يوم نزولها بغرابة مصائرها وحاكت له قصته مع معاني جويريدة ليرتبط أسمه بصورة السائح الحزين الذي يطوف الأرض بصحبة تابوت.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال