الاحـد 11 ذو الحجـة 1425 هـ 23 يناير 2005 العدد 9553
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

أمير السحار: بيروت زورت كتبنا ومكتبة الأسرة أعادت طباعتها من دون علمنا

بعد أكثر من سبعين سنة «مكتبة مصر» تهجر الكتب الأدبية إلى المدرسية

القاهرة: محمد أبو زيد
ارتبطت «مكتبة مصر» بتاريخ مصر الثقافي، فمنذ بدأت في الثلاثينات، وطبعت كتباً لعشرات الكتاب مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وطه حسين ويوسف السباعي واحسان عبد القدوس، إضافة إلى ترجمة مئات الأعمال الأدبية والمحزن أنها توقفت أخيرا عن إنتاج هذه الأعمال واتجهت لطباعة الكتب المدرسية.

حول أهم مشاكل النشر واسباب التحول الدراماتيكي في تاريخ المكتبة هذا الحوار مع أمير سعيد جوده السحار مدير المكتبة وابن مؤسسها الراحل.

* فلنبدأ من الاول، كيف أسست «مكتبة مصر» ومتى؟

ـ بدأت سنة 1932 بعد تخرج مؤسسها سعيد جودة السحار في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية سنة 1931، حين بدأ في ترجمة بعض الكتب، وكتابة بعض الازجال والأشعار، وعندما حاول نشرها لاقى صعوبة في النشر، إذ كان يسيطر على السوق في ذلك الوقت عدد من الكتاب الكبار مثل أحمد لطفي السيد والعقاد وطه حسين. ووجد السحار وقتها مكتبة تبيع الأحبار والطباشير، واسمها «مكتبة مصر»، فاشتراها وكان يؤلف الكتب وينشرها بنفسه. وفي سنة 1943 بدأ أخوه عبد الحميد جوده السحار يقلده ويكتب، وكان له بعض الأصدقاء من الشباب يحاولون تلمس خطوات طريقهم في نشر كتبهم الأولى، لكنهم لم يكونوا يجدون ناشرا، بسبب السيطرة التي حدثتك عنها سابقا للأسماء الكبيرة، فاتفقوا على عمل لجنة نشر أسموها «لجنة النشر للجامعيين»، على ان يصدر كتاب أول كل شهر لواحد منهم بالتداول. وهكذا كتب السحار روايته «أحمس بطل الاستقلال» وكتب نجيب محفوظ روايته «رادوبيس» وانضم للمجموعة بعد ذلك عدد من الكتاب الشباب الذين اصبحوا من اعلام الإبداع المصري بعد ذلك مثل محمد عبد الحليم عبد الله وعلي احمد باكثير وأمين يوسف غراب وعادل كامل ومجموعة كبيرة من الأدباء الشباب.

وهذه الكتب لاقت صعوبة في توزيعها، حتى بدأ السوق يعرف هؤلاء الأدباء الشباب فاصبحت الأكثر رواجا، وبدأ أبي بعد ذلك في شراء مطبعة، حتى أصبحت دار مصر للطباعة كما تراها الآن.

* بعد كل هذا التاريخ، وبعد كل ما قدمته من أدباء، أين «مكتبة مصر» مما يحدث الآن؟

ـ ما زالت تواصل نشاطها، وان كان طبع الكتب الأدبية قد تراجع وضعف توزيعها كثيرا. وأصبحت الكتب التراثية، والدينية هي الأكثر توزيعا.

* هل هذا يبرر توقف المكتبة عن نشر الكتب الأدبية؟

ـ لم تتوقف، ولكننا لا نجد الأديب «الذي يوزع»، والذي يلقى قبولا لدى القراء، عادة القراءة تراجعت تماما. مخازننا مليئة بالكتب الأدبية التي لا يشتريها أحد.

* لكن المكتبة تبنت في بدايتها أدباء شبابا مثل نجيب محفوظ فأصبحوا فيما بعد أعلاما، لماذا لا تفعل ذلك الآن؟

ـ لان هناك فرقا كبيرا بين الجيلين. فالجيل الراحل كان لديه مستوى من الثقافة والنبوغ واللغة السليمة التي يفتقدها قسم كبير من كتاب الجيل الجديد الذين يكتبون القصص «الهايفة» مثل التي نشاهدها في التلفزيون، وكتابات الجنس، ولا يوجد للأسف شيء يستحق النشر، كما ان لغتهم العربية ضعيفة جدا. كان أبي سعيد السحار، يعتبر اللغة أساسا للقبول لان المؤلف اذا كان ضعيفا في اللغة فانه لن يستطيع ان يوصل المعلومات ولا حتى ما يريد قوله.

* هل أفهم من كلامك ان الأدب، والإبداع توقفا عند جيل بعينه؟

ـ لا.. لم يتوقف، وتوجد مواهب بالطبع، وأنا لا انكر هذا، ولكن العيب في التوزيع، لا يوجد قراء.

* الا يحزنك عندما تذكر اكبر دور نشر الكتب الأدبية في مصر ألا يذكر اسم «مكتبة مصر» من بينها؟

ـ يحزنني. ولكني لا أجد الكتب التي أريد توزيعها.

* وما هي الكتب التي تريد توزيعها، بمعنى ما المعايير التي تضعها لاختيار الكتب؟

ـ اللغة السليمة، والثقافة العالية، التي ليست بالثقافة الرخيصة، أقول هذا لاني ألاحظ ان اغلب الكتب الآن تعتمد على الجنس والكتابات الإباحية، والهجوم على الدين، ولا أرى ضرورة لهذا. مع ان الإبداع من المفروض ان يحض على الرقي، ولا اعرف لماذا ينغمس الكتاب في مثل هذه الأشياء، ولأننا نرفض هذا ونحافظ على قيمنا الخاصة، فقد ابتعدنا عن سوق نشر الكتب الأدبية.

* هل استبعدتم، أم ابتعدتم؟

ـ نحن ابتعدنا.

* لماذا؟

ـ لأننا لا نجيد الاعتماد على الشللية والصداقات، والتربيطات، والمصالح والجميع يتدافعون ويدفعون بعضهم بعضا، ولا اعرف لماذا، وفي النهاية نجد ان ما يخرج تفاهات. لكن كرست لها دعاية كبيرة، مع أننا ارخص المكتبات الموجودة في سعر بيع الكتب، وهذا معروف من زمان. ومعروف أننا نبيع الكتب بما يقارب سعر تكلفتها، ومع ذلك لم نستطع أن ننافس هذا التيار الذي يعتمد على الشللية.

* بعد جيل نجيب محفوظ ويوسف إدريس ظهر جيل آخر هو جيل الستينيات ورغم ان هذا الجيل اثبت وجوده، الا أنكم لم تتعاملوا إلا مع واحد فقط من هذا الجيل هو محمد جبريل لماذا استبعدتم الباقين؟

ـ لان محمد جبريل صديق من زمان لسعيد جودة السحار، وتربى معنا، بل وألف كتابا عن لجنة النشر للجامعيين هو «آباء الستينيات» لكننا لم نستبعد أحدا، هم الذين لم يأتوا إلينا.

* وهل الناشر ينتظر ان يأتيه الكاتب أم هو الذي يدعوه للمجيء؟

ـ طول عمرنا ننتظر ان يأتي إلينا الناس، وبالفعل جاء الينا كبار الكتاب في مصر بداية من جيل الرواد، وحتى الجيل الذي تلي ذلك جاء الينا مثل ثروت اباظة ويوسف إدريس وغيرهم.

* شهدت مكتبة مصر تحولا دراماتيكيا بتحولها من إنتاج الكتب الادبية الى إنتاج الكتب المدرسية (الملخصات التعليمية)، كيف ترى هذا؟

ـ نحن نفعل هذا من فترة طويلة، ونحن نلجأ لهذا حتى نستطيع ان نطبع الكتب الأدبية، فأرباح هذه الكتب هي التي تساهم في جعلنا مستمرين في نشر الكتب الأدبية. لكي تبدأ مشروعا بطيئا الإنتاج، لا بد ان يكون هناك في المقابل مشروع آخر سريع الإنتاج يصرف على الاول وهذا شيء معروف. وبالمناسبة الكتب الدينية أيضا «تصرف» على الكتب الأدبية، وتبيع الان اكثر من الكتب الإبداعية، لان ذوي الجلابيب يشترون الكتب اكثر ممن يأكلون البيتزا والهامبرجر، وللأسف اصبح الجميع يضيعون وقتهم في الأكل وليس في تنمية العقل.

* حين بدأت مكتبة الأسرة كان تعاملها الأكبر معكم لكن توقف هذا التعامل بعد ذلك؟

ـ في البداية اخذوا كل كتبنا بدون ان يستأذنوننا وكانت هناك مماطلة في الدفع، رغم قلته. ولا اعرف السبب في عدم أخذهم كتبنا، ولا اعرف لماذا هاجمونا أيضا في الجرائد بعد ذلك.

* بصراحة، كم يبلغ توزيع كتب نجيب محفوظ الآن؟ ـ هو يوزع لكنه ليس مثلما كان في البداية. قديما كنت اطبع في العام الواحد 3 طبعات وكل طبعة من عشرة آلاف كتاب. اما الآن فنحن نطبع طبعة واحدة من 3 آلاف نسخة توزع في عام أو عامين، المشكلة ان القراءة تراجعت وهناك كتب كثيرة تصدر لكن لا أحد يهتم أو يشتري كتابا.

* وما سبب تراجع القراءة في رأيك؟

ـ لانه أصبحت هناك وسائل اخرى اكثر جذبا، وحازت كل الاهتمام مثل الإنترنت والتلفزيون والوجبات السريعة، والزمن نفسه تغير، بالإضافة الى الفقر والحالة الاقتصادية السيئة التي تعم البلاد.

* في اعتقادك ما هي أهم مشاكلك في عالم النشر؟

ـ اكبر مشكلة تواجهني هي ضعف التوزيع وباقي المشاكل من الممكن حلها لأن ضعف التوزيع من الممكن ان يجعلنا نتوقف.

* وما هو الحل في اعتقادك للخروج من هذه الأزمة؟

ـ هناك أسباب كثيرة أثرت على التوزيع وبتلافيها يمكن العودة الى الرواج السابق. ففي البداية كان توزيعنا الأكبر في الكويت والعراق ولكن منذ قامت الحرب بين العراق والكويت والتوزيع توقف، أيضا دور نشر كثيرة في بيروت زورت كل كتبنا واصبحت توزعها على كل الدول الخليجية. في سنة 1969 سافرت الى بيروت وجمعت الكتب المزورة، وكنت اعرف الكتاب المزور عندما اجد «دبابيسه تلمع»، بينما دبابيس كتبنا كانت قديمة وصدئة، وللأسف فالقرصنة والسرقة قضت على أسواق كثيرة» بالإضافة الى الحروب التي بين الدول العربية وهكذا ضاعت الثقافة في الصراعات وانتهى الأمر.

* كيف ترى مستقبل «مكتبة مصر»؟

ـ نحن الان نطبع موسوعات، فقد نشرنا موسوعة «أعلام الفكر العربي»، والان نعد موسوعة المشاهير، بالإضافة الى كتب التراث والدراسات الأدبية والدينية وربما لا يوجد روايات في هذا التصور لان هناك تشبع حدث لدى الناس تجاهها.

* بمناسبة الموسوعات، حفلت موسوعة أعلام الفكر العربي بأسماء أشخاص لا يمثلون الفكر العربي، وفيها كثير من المجاملات لأشخاص بعينهم. ما رأيك؟

ـ هذا صحيح فوالدي كان يخجل عندما يأتيه أحد للمشاركة باسمه في الموسوعة واعلم ان هناك شخصيات ضعيفة وضعناها. ولكننا سنتلاشى هذا في الطبعة الثانية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال