الاحـد 14 جمـادى الثانى 1425 هـ 1 اغسطس 2004 العدد 9378
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

عذرنا.. أن في وجهنا نظرا

جماليات الرؤية البصرية عند الجرافيكي المصري محيي الدين اللباد

القاهرة: محمد أبوزيد
«ان عشقنا فعذرنا.. ان في وجهنا نظرا»، بهذا البيت الشهير لبشارة الخوري يفتتح الكاتب والرسام المصري محيي الدين اللباد كتابه الجديد ـ أو ألبومه كما يسميه ـ «نظر».

ويحتوي الكتاب على ملاحظات بصرية، ونقد فني لرسوم الكاريكاتير العربية، والتصوير الفوتوغرافي والتصميم الجرافيكي واخراج الكتب والصحف وملاحظات حول أداء الرسامين والمجلات والكاريكاتيرات، ويعد هذا الكتاب هو الثالث للمؤلف الذي يحمل نفس العنوان «نظر».

ويقول اللباد ان بريطانيا عرفت فن الكاريكاتير المطبوع لأول مرة في منتصف القرن 18، من بعض رسومه المطبوعة بطريقة الحفر على المعدن، والتي استوردتها الطبقة الارستقراطية في ايطاليا آنذاك، وسرعان ما انتشرت عادة اقتناء مثل تلك الرسوم كتقليعة من تقاليع الارستقراط، وفي الثلث الأول من القرن 19 تعرف الانجليز على مستوى متميز من مجلات الكاريكاتور السياسي حين وصلت اليهم نسخ من مجلة «شاريفاري» الفرنسية، وبعد ذلك بسنوات اصدر الانجليز مجلتهم الكاريكاتورية السياسية الاجتماعية «بانش» لكنهم حرصوا على أن يضعوا الى جوار اسم المجلة عبارة «شاريفاري» اللندنية تمسحا في سمعة المجلة الفرنسية وهو ما ظلت تفعله لمدة مائة عام، وقد حملت المجلة في سنواتها الأولى هجاء عنيفا وجه الى الطبقات العالية البريطانية، بل تجاوز الأمر حدود بريطانيا ليصل الى هجاء ملك فرنسا «لويس فيليب» وامبراطورها «نابليون الثالث» وقياصرة روسيا وبابا الفاتيكان أيضا.

غير ان المجلة كما يوضح اللباد ـ والتي صدرت قبل الاحتلال البريطاني لمصر والسودان بأربعين عاما ـ كانت تتبنى وجهات نظر استعمارية فنرى في اعدادها رسوما تتضمن وجوه احمد عرابي والامام المهدي وسعد زغلول في مناظر تحض على الكراهية والاحتقار، ثم تكثر الرسوم التي تصور عبد الناصر كهمجي غير متحضر، وطاغية من بلد متخلف تجرأ على تأميم قناة السويس وعلى مناطحة الاستعمار.

وينتقل اللباد للحديث عن الكاريكاتور الجزائري والذي يرى انه تميز بخصوصية وبحداثة وبألمعية وبمهارات حرفية وبمعرفة متينة لأصول المهنة وبنجاح في تراسم معقول في هذا الفن كما يتسم بوضوح التأثيرات الأجنبية الفرنسية والبلجيكية وبأن كل الرسوم مازالت تهدر بالرطان الفرنسي وليس باللسان العربي ويرجع ذلك الى الاحوال الثقافية الخاصة المعروفة عن الجزائر، والى ان الرسامين تدربوا في بداياتهم على يد رسام برتغالي لاجئ في بلادهم اسمه «كابيتا» وبمساعدة مخرج سينمائي جزائري هو «الامير مرباح» علمهم اصول وضع السيناريو وتنويع اللقطات وتحويل الأحداث الى مشاهد مرسومة ومقطعة.

ويضيف اللباد بأنه منذ 20 عاما نشر الرسام الجزائري الأشهر بطله «بوزيد» للمرة الأولى كشخصية للاطفال في مجلتهم «مقيدش» لكن معارك ما بعد الاستقلال في الجزائر سرعان ما أودت ببطله الفقير وخطيبته زينة الى طريق آخر تحف به السياسة والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المجتمع الجديد المتحول، ومنذ دخل البطل هذا الطريق أصبح أغلب قراء الفرنسية يعرفون ما تعني تلك الاشرطة المرسومة التي حملت دائما عنوان «زيد يا بوزيد » ZIDYAZID YA وأصبحوا قادرين بكل يسر على التقاط المعاني الانتقادية الهجائية القاسية في سخريتها والرموز والتلميحات التي اخفيت بمهارة بين خطوط وحوار هذا الهزل المرسوم.

ويشير الكتاب الى ان الصفحات الهزلية قدمت «بوزيد» الفقير الأجير المعدم من كل شيء إلا من عصا طويلة وجلباب قصير وعصبة على رأسه وشارب كبير تحت أنفه الطويل بلا عمل ثابت وبلا مسكن معروف، وهو ما يؤرخ لمسار مرحلة الثورة الزراعية في سنوات الاستقلال الأولى، مستعرضا التناقضات الاجتماعية التي طرحتها تلك المرحلة من فساد عظيم وتفاوت في الدخول وسوء توزيع في الثروة وقمع وشعارات منافقة وسوء الخدمات وخراب الادارة ونقص المواد الضرورية.

وفي حديثه عن الرسام البحريني خالد المعالي يصفه اللباد بأنه يرسم بكل الجدية والبلاغة والتواضع وفي نبرة غير متشنجة ولا زاعقة ويقدم أعماله من دون الاعتماد على كلمات تأخذ شكل الحوار أو التعليق ومخالفة بصرية صافية ورائقة وحديثة أيضا، وبخبرة المعماري يبدع الهاشمي رسوما غير مسطحة، عني فيها بالتجسيم وبالبعد الثالث «عمق الصورة» وبالمنظور «برؤية حديثة معاصرة»، كما عني بأن تكون رسومه بليغة غير ثرثارة مختزلة وقليلة العناصر.

أما الرسام بهجت عثمان فيعتقد اللباد أنه كان يرسم كاريكاتوره ببساطة آسرة وبخطوط اقتصادية أقرب الى التقشف، كما ان رسومه خالية من كل اسراف ولا تتباهى بالمهارة ولا تنوء بجهد مبالغ فيه، ولا بوقت طويل أنفق في ادائها، خطوطا ذات سمك متقارب غير ملتبسة زواياها منفرجة غير خجلى من بساطتها وتندر بينها مساحات اللون الاسود الثقيلة وتميل هذه الخطوط الى الزخرفية ولا تحاول الايهام بالتجسيم ولا الايحاء بالواقعية أو بوجود عمق منظوري في المشهد لكن هذا الكاريكاتور ـ يضيف اللباد ـ عبر وأدى الغرض المطلوب منه بكفاءة نادرة وأوصل الرسالة المقصودة بلغة موجزة وعملية بدلا من البلاغيات المركبة وبمساعدة الطفولة الممتدة.

ويصف اللباد الفنان الفرنسي باي باي توبور بأنه يجعل القارئ يضحك هلعا، فهو يقدم عالمه المرسوم بطرق رسم عتيقة تستخدم سن الريشة المعدني والحبر الاسود وتحيلنا تلك الرسوم واساليبها بسهولة الى عوالم محفورات جيروم بوش الجحيمية التي تغص بالكائنات المسخوطة والى سلسلة أعمال فرانشيسكو جويا المحفورة والمعروفة بعنوان النزوات والحافلة بالكوابيس والشعوذات وامراض الروح، واذا ما فتشنا عن احدث اساليب الرسم في اعمال توبور فربما نجدها في المطبوعات الشائعة في زمن جده.

ويتبنى رسام الكاريكاتير المصري الأشهر حجازي ـ كما يقول اللباد ـ في رسومه مشاكل الفقراء والمهمشين والمتعطلين والاشارة الى من أفقروهم وهمشوهم وسلبوا فرص عملهم، من المستغلين والمترفين والمتسلطين والفاسدين والمفسدين واللصوص ونقد النظام الحاكم ومعاداة اميركا واسرائيل وطرح الشاغل الجنسي تلميحا وتصريحا بدءا من رسم المتسكعين من طلبة مدارس وعجائز يعلقون على طالبات الثانوي الذين خرطهم خراط البنات وانتهاء بالسرير وأخيرا جلسات الحشيش وفيها غالبا ما يعلق الرسام على آخر الموضوعات السياسية الرائجة ويضفي بعض العبث على الأمور الجادة.

أما ريشة الرسام المصري الراحل عبد السميع فيصفها الكتاب بأنها كرباجية قوية وكانت تزدحم بالتحريض والسخرية وذات قدرة فذة على تعبئة النفوس بالغضب والسخط والانشراح، وكان مصطفى النحاس رئيسا للوزراء وزعيما لحزب الاغلبية، إلا ان عبد السميع كان يشتمه على الغلاف وعلى الصفحات الداخلية ويسقط عنه كل هيبة، فحملت الرسوم تلميحات ذكية عن خضوع النحاس للملك فاروق الذي رمز إليه بحذاء ترك رباطه مفكوكا عن عمد بسبب سحنة صاحبه، كما رمز اليه بذراع سمينة مشعرة، وبالاضافة الى تلك التلميحات رسم عبد السميع غولا اسماه الفساد لكن اغلب الظن انه كان يرمز إليه بشخصية الملك.

ويقول اللباد ان عبد السميع كان واحدا من زعماء سياسيين شعبيين قلائل اعتبروا مهيجين ومحرضين جماهيريين مهدوا لما جرى منذ صباح 23 يوليو 1952 .

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال