الجمعـة 18 جمـادى الثانى 1430 هـ 12 يونيو 2009 العدد 11154
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

نحو دستور أخلاقي عربي للنانوتكنولوجي

صفات سلامة

التطور السريع والمتزايد والواعد الذي تشهده تكنولوجيا النانو Nanotechnology (التقنيات متناهية الصغر) حاليا يفرض على منظمة «اليونسكو» والمنظمات الدولية الأخرى المعنية بهذه التكنولوجيا، والمهتمة بأخلاقيات العلم والتكنولوجيا، وكذلك الحكومات والرأي العام عموما، ضرورة وسرعة رصد ومواجهة التأثيرات الضارة المحتملة مبكرا، التي قد تطال المجتمعات في سياق التحولات الاجتماعية التي تسببها التطورات في هذه التكنولوجيا الجديدة، والقضايا الأخلاقية الناشئة عنها.

وتكنولوجيا النانو ـ شأنها كشأن أي تكنولوجيا جديدة ـ تثير العديد من التساؤلات والقضايا والأبعاد الأخلاقية المهمة لدى المجتمع العلمي والرأي العام، مثل القضايا ذات الصلة بالصحة والبيئة، ومخاطر استخدامها في المجالات العسكرية، وضمان وكيفية وصول التطورات والاكتشافات الجديدة في هذه التكنولوجيا إلى كافة الدول، وبخاصة النامية منها، إلى غير ذلك من تساؤلات جادة مشروعة تشكل في مجملها تحديات كبيرة للسياسات العلمية والتكنولوجية في الدول.

وقد قامت منظمة اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) بمناقشة وصياغة مسألة الأبعاد الأخلاقية لتكنولوجيا النانو، وأصدرتها ـ كخطوة أولى في عملية التوعية - في كتاب صدر عام 2008 بعنوان «تكنولوجيات النانو: العلم والأخلاقيات وقضايا السياسات» Nanotechnologies: Science, ethics and policy issues، جاء فيه أن هناك قضايا أخلاقية خاصة تثيرها الخصائص الفريدة لتكنولوجيا النانو، وهي: طابعها غير المرئي عند تطبيقها Invisibility، وهو ما يجعل التحكم فيها وتتبع آثارها أمرا صعبا، وكذلك التطور السريع لهذه التكنولوجيا الذي يجعل من الصعب تحديد تأثيراتها المحتملة، لا سيما على المدى البعيد، والاستجابة لها، وأيضا احتمالات استخدام هذه التكنولوجيا في المجالات العسكرية والأمنية، وبما يتعارض مع حقوق الإنسان، وأيضا التأثيرات المحتملة على الدول والمجتمعات التي لا تشارك في استحداث هذه التكنولوجيا، كما أن خطر الفجوة النانومترية Nano-divide، وهو ما يعني احتمال تعميق اللامساواة بين الدول النامية والمتقدمة، من بين القضايا الأخلاقية التي تثيرها هذه التكنولوجيا.

وتعد دراسة المبادئ الأخلاقية لتكنولوجيا النانو من القضايا المهمة التي برزت عالميا في الآونة الأخيرة، بهدف التوصل إلى صياغة إطار أخلاقي Ethical Framework يمكن أن يرشد عملية البحث والتطوير في تكنولوجيا النانو، وكذلك ضرورة إلقاء الضوء على المبادئ التي تحكم المساءلة العامة والشفافية public accountability and transparency في اتخاذ القرارات المتعلقة بالبحث والتطوير والاستثمار في تكنولوجيا النانو، وبخاصة المخاطر والآثار التي قد تنجم عن استخدام النانوتكنولوجي في المجال العسكري، مع الأخذ في الاعتبار أخلاقيات العمل التنظيمي، كالمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات والشركات العاملة في تكنولوجيا النانو.

ومن الجوانب المهمة في صياغة دستور أخلاقي للنانوتكنولوجي، تعزيز مشاركة عامة الجمهور في صياغة سياسات تكنولوجيا النانو، وطرحها للنقاش العام، وبخاصة الفئات المعنية بالصحة والبيئة والسلامة العامة، وخصوصا في الدول النامية، كما أن توسيع نطاق التغطية الإعلامية الدقيقة بشأن القضايا الأخلاقية لتكنولوجيا النانو من المسائل الضرورية للتوعية بشأنها، مع تجنب الأحكام الإيجابية أو السلبية التي تعلن حول هذه التكنولوجيا، بدون توفير الأدلة والبيانات الدقيقة والموضوعية.

وسوف تساعد التوعية والحوار العام المستنير المبكر المتوازن والجامع لمختلف التخصصات في مجال تكنولوجيا النانو، في إعداد ورسم السياسات العامة المتعلقة بمجال تكنولوجيا النانو وأخلاقياتها.

وقد يكون من المفيد هنا أن أشير إلى كتابي - الصادر حديثا - في مجال التوعية العلمية بتكنولوجيا النانو، بعنوان «النانوتكنولوجي: عالم صغير ومستقبل كبير، مقدمة في فهم علم النانوتكنولوجي»، ومن تقديم عالم الفيزياء ورائد النانوتكنولوجي الأميركي، العربي الأصل، البروفيسور منير نايفة، الصادر عن الدار العربية للعلوم في بيروت، ضمن برنامج «أكتب» بمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم بدبي. وقد أشرت في أحد فصوله إلى المخاطر والمخاوف المحتملة من البحث والتطوير في مجال النانوتكنولوجي، وأهمية إيجاد التمويل اللازم لدراسة وتقييم التأثيرات والمخاطر الجديدة والمحتملة للنانوتكنولوجي، والتعامل معها بكفاءة، وإدراك أنه مثلما هناك حاجة متزايدة إلى أبحاث تطوير هذه التكنولوجيا، فهناك حاجة ماسة أيضا لإدراك مخاطرها، ودعم الأبحاث اللازمة لتقليصها إلى أدني حد ممكن.

وأخيرا.. لقد أصبحت هناك ضرورة عاجلة لرصد ومواجهة القضايا الأخلاقية ـ بصورة مستمرة - الناشئة والمتطورة لتكنولوجيا النانو، وصياغة وإصدار دستور أخلاقي عربي ينظم ويرشد العمل في مجال تكنولوجيا النانو، وأصبحت هناك حاجة، عموما، إلى تعليم وتدريس أخلاقيات النانوتكنولوجي، والآثار المترتبة عليها، من خلال رؤية شاملة ومتداخلة بين مختلف العلوم والتخصصات، من أجل مستقبل آمن لهذه التكنولوجيا الجديدة الواعدة.

* كاتبة وباحثة مصرية

في الشؤون العلمية

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال