الخميـس 02 شـوال 1432 هـ 1 سبتمبر 2011 العدد 11965
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

كارلوس لطوف: سعيد بكوني صديقا لثورة 25 يناير

رسام الكاريكاتير البرازيلي: كل من يقولون إنهم توقعوا الثورة في مصر يضحكون على أنفسهم

الفنان البرازيلي يعبر بريشته عن تأثير المحاكمات العسكرية للمدنيين في مصر (رويترز)
من أعمال الفنان البرازيلي كارلوس لطوف («الشرق الأوسط»)
كارلوس لطوف يضع اللمسات النهائية على أحد أعماله الفنية
هيثم التابعي
منذ ثورة 25 يناير كانت رسومات رسام الكاريكاتير البرازيلي كارلوس لطوف الكاريكاتيرية تواكب كل الأحداث الكبيرة في مصر، لتلهم آلاف المصريين في العالم الافتراضي على الإنترنت أو حتى في مظاهراتهم الحاشدة في التحرير. لطوف يفاجئ المصريين بصورة شبه يومية بكاريكاتير جديد يصور واقعهم السياسي والاجتماعي الجديد بعد ثورة 25 يناير، رغم أنه لا يعتبر نفسه جزءا من ثورة المصريين، مكتفيا بإبداء سعادته بكونه صديقا لها. ورغم تلك الصداقة فإن لطوف يعتقد أن انتقاداته المتكررة للمجلس العسكري ستحرمه من زيارة مصر التي يتمنى أن يزورها قريبا.

ويقول لطوف في حواره مع «الشرق الأوسط» عبر الإنترنت من ريو دي جانيرو في البرازيل إنه يرسم ليعبر عن آراء رجل الشارع المصري ومشاعره، لا عن وجهة نظره الشخصية.. لكنه استدرك قائلا أن وجوده في مصر سيشكل فارقا كبيرا، لأنه سيجعله أكثر انغماسا في الشأن المصري، ما يساعده على تشكيل وجهة نظره وبالتالي الرسم تعبيرا عنها.

وكشف لطوف، الذي لا يستخدم أي أدوات إلكترونية في رسوماته، أن أكثر ما ألهمه للرسم عن مصر هو صورة لشاب مصري يُضرب بعنف بالغ في أحد أحياء القاهرة، بينما كان يحمل في يده رسما للطوف شخصيا.. وهو المشهد الذي قال عنه: «أثارني كثيرا وجعلني أقرر أن أرسم عن مصر أكثر».

المثير أن اسم العائلة «لطوف» ليس اسم كارلوس لوالده، بل لوالدته، التي أصرت على احتفاظ ابنها باسم أبيها تخليدا له. ورغم أن جده نجيب لطوف مهاجر لبناني للبرازيل، فإن كارلوس يقول إن ارتباطه بالقضايا العربية لم يأتِ لتلك العلاقة ولكنه يتضامن مع المعاناة العربية لاعتقاده أن المعاناة والدماء واحدة في كل مكان.

ويعتبر لطوف أن الادعاءات بأنه جزء من المؤامرة ضد مصر هي محض هراء، وقال إنها تنتمي إلى نفس التكتيك القديم الذي انتهجه نظام مبارك بحق معارضيه. وأشار لطوف إلى أن أداة القمع في مصر كانت كبيرة وقاسية ومشهورة عالميا، ولم يكن أحد على الإطلاق يتخيل أن الشعب المصري كان قادرا على صنع ثورة، قائلا إن كل من يقولون إنهم توقعوا الثورة في مصر يضحكون على أنفسهم.

ويعتقد لطوف أن الكاريكاتير يلعب دورا كبيرا في توعية الناس، حيث يمكنه أن يلخص قضايا كبيرة معقدة جدا في خطوط بسيطة وأفكار سهلة دون استخدام كلمات طويلة أو جملة معقدة. فإلى نص الحوار:

> كارلوس، أنت برازيلي وترسم عن أوضاع مصر وكأنك مصري، كيف تتأكد بدقة من معلوماتك التي تبني عليها رسوماتك؟

- مصادري كثيرة.. فأنا اطلع على كل ما يحدث في مصر من تطورات عبر مواقع الأخبار المصرية، كما أني أرتبط بصداقة قوية جدا مع الناشطين المصريين عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، وأعرف من خلاله بصورة يومية تطورات الأحداث في مصر وانطباعاتهم عما يجري. ولكنني أعلم أن ذلك جزئي بشكل كبير، ولا يمثل كل الحقيقة.

> وكيف بدأ ارتباطك بمصر؟

- في شهر يناير (كانون ثاني) الماضي، وقبل الثورة بيومين أو ثلاثة، اتصل بي ناشطون وطلبوا مني أن أرسم دعما لمظاهرات المصريين التي ستنطلق في غضون أيام. وبعد أن رأيت ذلك الكاريكاتير مرفوعا في التحرير، قررت أن أرسم المزيد حتى سقوط مبارك، وهو ما حدث. ثم مع بداية شهر مارس (آذار) عاود الناشطون الاتصال بي لأرسم المزيد، على أن يحيطوني علما بما يحدث في مصر بشكل أكبر.. حقيقة شعرت بالاتصال بالثورة المصرية بشكل رائع.

> إذن هل تعتبر نفسك جزءا من الثورة المصرية؟

- لا، لا يمكنني قول ذلك على الإطلاق، فقط المصريون هم من لهم الحق في إطلاق ذلك الوصف بحقي، أنا أرى نفسي فقط كرسام كاريكاتير برازيلي يرسم دعما وتضامنا مع المصريين، أنا مجرد صديق لثورة المصريين ولست جزءا منها، ويسعدني ذلك كثيرا.

> هل كان الوضع سيختلف كثيرا لو رسمت عن مصر وأنت بها؟

- بطبيعة الحال وجودي في مصر سيشكل فارقا كبيرا، لأنه سيجعلني أكثر انغماسا في الشأن المصري، وهو ما سيساعدني على تشكيل وجهة نظري. وبالتالي سأبدأ في نقل وجهة نظري وليس فقط وجهة نظر الآخرين، فالحقيقة أنني الآن ليس لدي آراء معينة، فأنا أشارك الناشطين آراءهم.

> ومتى تزور مصر؟

- (ضاحكا) لا أعتقد أنه يمكن لأحد أن يراني في مصر في الفترة الحالية، فرسوماتي بخصوص المجلس العسكري تغلق أمامي كل الطرق في سبيل ذلك.

> وما الرسالة التي تود توجيهها من خلال رسوماتك بخصوص مصر؟

- كل ما أحاول القيام به هو محاولة إظهار رأي رجل الشارع في مصر ومشاعره، لا رأيي الشخصي. حيث أعمل جاهدا أن يمثل الكاريكاتير صوت الشارع وصوت الناشطين، فالناشطون يعطونني الملامح الرئيسية للقصص والأحدث التي تشغل المصريين، وأنا أحولها إلى رسم يعبر عنها.

> وهل سبق أن قمت بأعمال مماثلة في بلاد أخرى؟

- مصر لم تكن البلد الأولى التي أرسم لقضيتها، فسبق أن رسمت للقضية الفلسطينية التي أتضامن معها كثيرا. كما رسمت عن انتهاكات حقوق الإنسان في سريلانكا وتركيا وبعض البلاد الأخرى. وبالنسبة للبرازيل فكثيرا ما أرسم عن انتهاكات الشرطة البرازيلية.

> وماذا يمثل لك انتشار رسوماتك على الـ«فيس بوك» ورفعها في المظاهرات المصرية؟

- (بحسرة) هناك حكمة تقول: «لا كرامة لنبي في وطنه»، فأنا لست مشهورا بدرجة كبيرة في البرازيل.. لذا فتلك الشهرة التي أحظى بها في مصر وينقلها لي البعض تمثل لي الكثير وتشعرني بالفخر، ولكنني أتمني أن أعطي لأهلي ووطني قدر ما أعطيه للآخرين.

> وما الذي يميز المصريين في ثورتهم عن بقية الثورات، بحسب رؤيتك؟

- ما يميز مصر بشكل كبير هو أن ما يحدث بها أكثر دراماتيكية، فهي الدولة الرئيسية والمحورية في العالم العربي، وما يحدث فيها لا يقتصر تأثيره أبدا عليها، بل يمتد لكل الدول من حولها.. كما أن أداة القمع في مصر كانت كبيرة وقاسية ومشهورة عالميا، ولم يكن أحد على الإطلاق يتخيل أن الشعب المصري كان قادرا على صنع ثورة، وكل من يقولون إنهم توقعوا الثورة في مصر يضحكون على أنفسهم.

> وما الذي أغراك للرسم عن مصر بتلك الكثافة؟

- ربما تلك المرة الأولى التي أفصح فيها عن ذلك.. والسبب كان صورة لشاب مصري يُضرب بعنف بالغ ويتلقى ضربة قوية في ظهره من ضابط شرطة في أحد أحياء القاهرة بجوار مستشفى على ما أتذكر، المثير لي أن الشاب المسالم لم يكن يحمل في يده سوى رسم لي، وهو المشهد الذي أثارني كثيرا وجعلني أقرر أن أرسم أكثر عن مصر.

> ماذا تتوقع للثورة المصرية؟ هل تعتقد أنها نجحت؟

- لا أحد على الإطلاق يمكنه أن يتوقع ما الذي سيحدث في مصر، مزحة كبيرة أن يخبرك أحد أنه يعلم ما الذي سيحدث في مصر، ولكن الشيء الوحيد المؤكدة بالنسبة لي هو أنني سأكمل رسوماتي عن مصر.

> هل رسوماتك عن مصر أو غيرها تكون مقابل أجر لإحدى المؤسسات الصحافية؟

- أبدا، أنا لا أتلقى أي أموال نظير رسوماتي عن مصر، فهي رسومات أقوم بها بصورة غير احترافية.

> وكيف تفسر اتهامات البعض بكونك متواطئا ضد مصر وتسعى لإشعال الموقف داخليا؟

- هذا محض هراء، فهو نفس التكتيك الذي لعبه نظام مبارك بتوجيه الاتهام لكل من ينتقد النظام والحكام.. وها هي نفس اللعبة تلعب الآن بشكل مختلف، فهم يقولون إن الثوار يتلقون أموالا من الخارج وكارلوس لطوف جزء من المؤامرة، ولكنني لست جاسوسا برازيليا بطبيعة الحال، ولا أنوي احتلال مصر. أدرك تماما أن البعض يتهمني أنني أقف في صف واحد مع الثوار بطريقة غير موضوعية، ولكن أنا مؤمن أنني في صف الناس في مصر، في صف الناس الذين كافحوا من أجل بلدهم ومن أجل كرامتهم.. لا أهدف إلى إرضاء أي طرف، ولكن كل ما يعنيني أن أنقل ما يشعر به الناس الذين يكافحون من أجل تحقيق التطور الديمقراطي في بلادهم.

> وهل تضايقك تلك الاتهامات؟

- لا، على الإطلاق، فبعض تلك الاتهامات غير موضوعية بالمرة وتهدف أساسا إلى إهانتي.. وكما لا يمكنني القول إن «تويتر» يمثل مصر كلها، فإن تلك الاتهامات لا تمثل مصر كلها أيضا.

> وما رؤيتك للوضع الآن في مصر؟

- لدي قناعة كبيرة أن مبارك سقط، ولكنه ما زال يتلقى الدعم من آخرين.. والمصريون قطعوا رأس النظام ولم يقطعوا الجسم الذي لا يزال يتحرك، وعليهم بذل مزيد من الجهد والصبر حتى يتخلصوا من رواسب عهد مبارك ورجاله.

> وما الرسالة التي تود إرسالها للمصريين؟

- أقول لهم: أحيانا أشعر أن بعض الناس محبطون من الوضع الآن في مصر لأنهم لا يعتقدون أن البلاد تحسنت كثيرا، ولكن رسالتي لهم: لقد تمكنتم من إزاحة وخلع 30 عاما من الحكم الديكتاتوري لمبارك، فعليكم الآن أن تثقوا في أنفسكم أكثر.. فبلادكم الآن مثال يحتذى به في العالم عن كيف يمكن للناس أن يكافحوا من أجل حريتهم.. ولكن الثورة لم تنتهِ، إنها مجرد البداية، وعليكم الآن أن تعرفوا من هو صديقكم ومن هو عدوكم.. لا تفقدوا إيمانكم في أنفسكم فأنتم صنعتم فارقا كبيرا في العالم، وأقول لكم إني أشارككم التضامن عبر الاستمرار في رسومي، وأتمنى لو كنت بينكم لأنقل كل ما يمكنني نقله عنكم.

> إلى أي مدى يلعب الكاريكاتير دورا في توعية الناس بوجهة نظرك؟

- نعيش في عالم مرئي ونتأثر بالصور طوال الوقت، والفكرة أن الكاريكاتير يمكنه أن يلخص قضايا كبيرة ومعقدة للغاية في خطوط بسيطة وأفكار سهلة دون استخدام كلمات طويلة أو جملة معقدة، وهي لا تلهم الناس فقط، ولكنها أيضا تخبرهم بأشياء وقضايا قد لا يعرفون عنها شيئا.

> هل تتابع الكاريكاتير العربي، برأيك ما الذي يميزه وما الذي ينقصه؟

- أتابع رسومات جنزير وبعض الآخرين أيضا، منهم الفنان أحمد نادي الذي أخاف عليه من غياب الحرية.. وأعتقد أن ما ينقصهم هو مساحة الحرية المتروكة لهم، فرسام الكاريكاتير يحتاج إلى الحرية الكاملة للتعبير عما بداخله وتوضيح مشاعره وأفكاره.

> وهل مساحة الحرية المتاحة في الإعلام المصري الآن تساعد رسامي الكاريكاتير على الإبداع؟

- أعتقد أن الفرصة الآن مواتية لرسامي الكاريكاتير المبدعين للظهور، ولكنني أعتقد أن هناك خوفا من الاعتقال يسيطر على الفنانين.. فالإعلام في مصر ينقسم إلى قسمين، قسم يخاف من الانتقاد خوفا من الاعتقال أو ما شابه، وقسم آخر لا يتكلم لأنهم يساندون النظام القديم أو المجلس العسكري.

> كيف بدأت حياتك المهنية في مجال رسومات الكاريكاتير؟

- في عام 1990 بدأت العمل في جريدة تابعة لاتحاد العمال البرازيلي في ريو دي جانيرو، وحتى الآن أعمل لهم، وهو مصدر رزقي.

> ما الخطوط الحمراء التي لم تتعدَّها في أعمالك؟

- لم أخُض يوما في أي رسومات ضد الأديان، ولم ألبِّ أي دعوات في معارض تهين الأديان. وحتى عندما انتقدت إسرائيل كنت أنتقد الدولة والسياسات وليست اليهودية نفسها.

> هل هناك استعدادات خاصة لكي ترسم؟

- ليس لدي استعدادات خاصة للرسم، ولكن كل ما أحتاج إليه هو التأكد أكثر من المعلومات الواردة إلى حول الموضوع الذي سأرسمه.. لكني أحرص على تناول كوب من اللبن والقهوة مع الكعك، ويستهويني جدا أن أخلطهم جميعا في الكوب.

> هل لك مكان محدد ترسم فيه؟ وما خطواتك في الرسم؟

- الإبداع يأتي إلى في أي مكان، ولكن عادة ما أرسم في حجرتي، وأستخدم الورق وقلمي الرصاص، ولا أستخدم أي وسائل إلكترونية في الرسم.. حيث أرسم على ورقة ثم أضعها على «Scanner» ثم ألونها.

> وكم تستغرق رسوماتك عادة؟

- ساعة واحدة فقط، ولا يوجد هناك أي كاريكاتير عن مصر استغرق مني أكثر من ساعة.

> حدثنا عن جذورك العربية، وهل تعتقد أنها لعبت دورا في اهتمامك بمصر؟

- أولا أنا ليس لدي أي علاقة مباشرة بالعالم العربي، والحقيقة أنني لا أساند القضايا العربية بسبب جدي نجيب لطوف، وهو والد أمي، الذي لم ينقل إلينا أي شيء يتعلق بهويته العربية.. ولكنها جزء من تضامني مع قضية أؤمن بها بشكل شخصي، فأنا أعتقد أن المعاناة والدماء واحدة في كل مكان، وهو ما يدفعني للتضامن مع المعاناة عبر العالم وليس فقط في بلادي. والحقيقة أن خبرتي مع الفلسطينيين والمصريين هي الخبرة الأكثر تأثيرا في حياتي.

> مواقفك الواضحة تجاه القضية الفلسطينية وزيارتك لها عام 1999، ألا تخشى مصيرا مشابها لما حدث للفنان ناجي العلي؟

- (يضحك بقوة) أنت تقارنني بناجي العلي، الأسطورة؟ أنا لا يمكن أن أُقارَن بناجي العلي الذي كان يعتبر جيفارا الفن، فناجي العلي كان يخصص قلمه لقضيته ويؤمن بها بقوة وينغمس فيها، لذا فأنا لا أُقارَن به على الإطلاق.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال