ثقافة «رفع الستار» بين الصحافة العربية والغربية

تعني النشر أو البث مع بداية النشاط وليس استباقا له

TT

تناول ملحق الإعلام في «الشرق الأوسط» مؤخرا التحليل الاستباقي أو المقالة الاستباقية.

نشر مقالات أو بث فقرات تحليلية الطابع ثرية بالمعلومات ممارسة معتادة من أهم ركائز الصحافة والشبكات الغربية ويعرف بمشهد رفع الستار «curtain - raiser».

قبل اختراع الكهرباء ومؤثرات التكنولوجيا كان مشهد «رفع الستار» مقدمة لإعداد ذهن المتفرج لتفهم الرواية، خاصة إذا كانت تدور في أعماق بحر أو مكان تخيلي.

الترجمة الحرفية «رفع الستار» في رأيي الخاص أكثر دقة من «الاستباقية» أو «التمهيدية» فكلاهما يشير للمستقبل زمنيا.

أما «رفع الستار» فيعني النشر أو البث مع بداية النشاط (وبدء التغطية الحية/البث المباشر) وليس استباقا له، أو بعد وقوعه كحال تقرير نشرة المساء.

فمثلا curtain raiser «رفع الستار» عن مؤتمر حلف شمال الأطلسي في بروكسل في الأسبوع قبل الماضي، نشر في المطبوعة صحيفة الثلاثاء (يوم الافتتاح)، وفي حالة التغطية التلفزيونية افتتاح البث الحي.

يشترك في إعداد رفع الستار فريق كامل: المكتبة/أرشيف المعلومات لإعداد الخلفية التاريخية والأرقام، ومحررون حسب التخصصات من ديسكات الخارجي أو الرياضة، أو المال والأعمال، فأحداث كالقمم الأوروبية تشمل أجندات متشعبة وغالبا عدة فقرات/مقالات رفع ستار.

أيضا ديسك الغرافيكس (الرسوم التوضيحية) وديسك الصور لا غنى عنهما، فالفقرات تتطلب تحليلات بخرائط ورسومات توضيحية وصور شخصيات تاريخية كان لماضيها دور في تشكيل الحاضر. ومحررين من المكاتب الخارجية ومراسلين في البلد المضيف أو البلدان المؤثرة.

وغالبا ما يعد ديسك «المخبرين» investigative أو التحقيقات الخاصة خطة مسبقة لمعرفة معلومات دقيقة وخاصة عن المشاركين ليكون للصحيفة أو المحطة سبق (exclusive).

قبل الحدث أو النشاط بفترة يتم البحث لإعداد خلفية كاملة من المعلومات والتاريخ، مما يفيد القارئ والمشاهد، بجانب تقصي المراسلين على الأرض لمعرفة فقرات جدول الأعمال إذا كان اجتماعا، أو جوانب وخلفية التفاصيل إذا كان قضية كبيرة، أو نشاطا رياضيا.

بالنسبة للإذاعة أو التلفزيون وبث الإنترنت podcast فيشترك قسم gust booking الضيوف، بالاتفاق المسبق مع معلقين، وأكاديميين، كل في تخصصه، للتعليق في الفيديو المعد مسبقا، أو لاستضافتهم في الاستوديو أثناء البث على الهواء. والضيوف أيضا من سفراء أو مسؤولي دول مشاركة أو قضاة أو ضباط متقاعدين، أي من يضيفون معلومات جديدة، شريطة اللباقة وروح الدعابة وسرعة البديهة.

وتوضيحا للقارئ أسوق أمثلة مما يتعرض له المستهلك الإعلامي العربي في زمن سيطرة التلفزيون كوسيلة خبرية أولى للتغطية المباشرة.

مؤتمرات القمة (عربية، أو خليجية، أو أفريقية)؛ وباستثناءات نادرة، ستلاحظ أن تغطيتها تلفزيونيا وبأحدث التكنولوجيا لا تزال بأسلوب ومفهوم خمسينيات القرن الماضي. الخط الإرشادي الدعائي للدولة المركزية المتسلطة. مرجعية صحافية أرساها تلفزيون القاهرة، «كمصلحة» تابعة لوزارة الإرشاد القومي (الإعلام لاحقا) كجهاز بروباغندا لديكتاتورية 23 يوليو العسكرية.

المفارقة أن تلفزيونات بلدان ملكية استهدفها نظام 23 يوليو بعداوته، لا تزال تدار بعقلية تلفزيون القاهرة. وبدلا من صحافيين تدربوا «كصبيان» في ورشة الصحافة، تجد خريجي الإعلام «موظفين» على درجات. ورئيس تحريرهم «الدولة» أو من يمثلها في الوزارة.

تبدأ التغطية بموسيقى وأناشيد وطنية وصور استعراضات عسكرية، أو تلاميذ وتلميذات المدارس ينشدون الحب للوطن والزعيم. أوج التغطية الحية مطاردة الكاميرات لموكب رئيس الدولة وحاشيته إلى المطار. التنوع هو في زوايا الكاميرات أو مزج اللقطات أو تقسيم الشاشة. النص المصاحب للصورة narration تكرار سمعي لما تراه العين وليس إضافة لها «يتوجه الآن إلى أرض المطار، وبصحبته فخامة رئيس الوزراء الدكتور.....، ووزير الخارجية معالي....، ووزير الإعلام البروفيسور.. الخ الخ» ثم يقطع محرر غرفة البث المباشر gallery (لاحظ الانجليزية كلمة واحدة مقابل ثلاث بالعربية) إلى كاميرا أخرى مصوبة على طائرة تصل برئيس بلد آخر وحاشيته.

يستطرد المذيع بوصف لفظي لما يدركه فورا طفل في الخامسة يراقب الشاشة، بتقدم وفد الاستقبال، نزول الضيوف الدرج، وتفقد حرس الشرف: بلا معلومات جديدة.. وهنا تجد قيمة فقرة «رفع الستار».

قارن ذلك بتغطيات في «بي بي سي» و«سكاي» أو «اي تي إن»، خطة تغطية معدة مسبقا فقرات قصيرة مسجلة TV بنوعية «رفع الستار» ورسوم توضيحية graphics وخرائط وصور من الأرشيف، ومعلق أو أكثر بجانب المذيع في الاستوديو أو من مكان مرتبط بستالايت.

رئيس الدولة المضيفة في المطار لاستقبال نظيره وحاشيته (ولنفترض من زامبيا مثلا). لا تسمع تكرارا مملا لوصف ما تراه على الشاشة، لكن تصغر لقطة المطار إلى ربع حجم الشاشة والباقي يعرض «رفع ستار» بمعلومات تاريخية عن زامبيا، عدد السكان، تاريخ الاستقلال، حجم التبادل التجاري مع البلد المضيف (أو بلد محطة التلفزيون) وعدد جالية كل بلد بالتبادل. إذا انتهت الفقرة المسجلة وتأخر نزول وفد زامبيا يأتي دور الرسومات التوضيحية و«الدردشة» مع ضيوف الاستوديو، أو المراسل في لوساكا. والرسوم وخرائط تطور تاريخ زامبيا، ويمكن للمذيع في الاستوديو مناقشة صحافي من زامبيا، أو بروفيسور أفريقي في الجامعة المحلية حول الوضع السياسي في زامبيا أو العلاقات بين البلدين، وماذا يطمح إليه رئيس زامبيا ووفدها من مؤتمر القمة، وهل كان لديهم اعتراضات على الأجندة؟ وكيف تم تجاوزها؟. وما هي طبيعة العلاقات الثنائية، وربما يشارك مراسل المحطة في لوساكا في التغطية.

فقرات رفع الستار هنا كنز ثمين من الناحية الصحافية، لتقديم معلومات جديدة (بتكلفة اقتصادية بسيطة مقارنة بالتكلفة الباهظة لتغطية أحداث غير مخطط لها). وغالبا لا توجد أحداث تبرر تغطية بلد لا تستحوذ أخباره على اهتمام الناس، لكن للبلد قيمة تجارية كبيرة.. القمة أو الحدث يتيح فرصة لرفع وعي المتفرج بأهمية البلد. كما أن ذلك يملأ وقت البث، بشكل مفيد، وفيه تسلية وإثارة لانتباه المستهلك الإعلامي. فكعب أخيل تغطية مؤتمرات القمة في التلفزيونات العربية هو تغافلها أهم البديهيات: التلفزيون وسيلة ترفيه في الأصل والأخبار الجامدة ركاب يحملهم قطار التسلية. ومهما كانت جدية الخبر وحب الوطن، فتغطية «ثقيلة الدم» ستدفع أصابع الملل بالريموت كونترول للانتقال إلى محطة منافسة.

إلى جانب الفائدة الاقتصادية بوجود مادة مهمة في الأرشيف تبث فور وقوع حدث في البلدان التي شاركت في القمة يمكن أيضا بيع حقوق إعادة بثها لتلفزيونات أخرى برسوم معتبرة في هذه الحالة.

مادة «رفع الستار» لا تزال منطقة لم تستكمل الصحافة العربية (خاصة التلفزيونية) استكشافها وحان الوقت لأن تنتقل إلى المجرى الرئيسي لمسارها.