الثلاثـاء 16 رجـب 1423 هـ 24 سبتمبر 2002 العدد 8701
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

أحمد بن جلون المدعو «عبد المؤمن».. معارض بلا هوادة

بقلم طلحة جبريل

في صيف عام 1942، وفي خضم معمعة الحرب العالمية الثانية وقعقعة السلاح تتحكم في مسار الأحداث، سيرزق محمد بن جلون، حارس مولد الكهرباء في قرية «عين بني مطهر» جنوب وجدة وزوجته للا امينة الازرق بولد اختارا له اسم «احمد».

كان «احمد» هو آخر العنقود لهذه الاسرة المتواضعة حيث سبقه «الزبير» ثم «عمر» وبنت هي «زبيدة» ثم «العباس».

طفل «عين بني مطهر» سيسلك مساراً متعرجاً يجعله في نهاية المطاف واحداً من السياسيين المغاربة الذين يرفضون حتى الآن القبول «بقواعد اللعبة الديمقراطية» كما ارتضاها كثيرون في المغرب.

سيستمر احمد بن جلون معارضاً بلا هوادة. معارض يقود حزباً ظل يرفض منذ منتصف الثمانينات المشاركة في أية الانتخابات.

ظل أعضاء حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي يطالبون بـ«تعديلات دستورية» حتى يمكنهم قبول المشاركة في الانتخابات. هذه التعديلات لم تأت بعد من وجهة نظرهم، وبالتالي لم يتغير موقف الحزب الذي اصبح احمد بن جلون امينه العام في المؤتمر الخامس وكان قد عقد في الرباط في ابريل (نيسان) الماضي.

بعد انتخابه اميناً عاماً لحزب «الطليعة» أرسل شاب متعاطف لاحمد بن جلون بطاقة بريدية تضمن مقولة لجيفارا «الثوري لا يستقيل ابداً».

جميع الاحزاب منخرطة حالياً في حملات انتخابية لكن حزب الطليعة انخرط في حملة مضادة. حملة تحث الناخبين على عدم المشاركة في الانتخابات.

في آخر انتخابات جرت عام 1997، شن الحزب حملة قوية للمقاطعة الى حد أن صندوقاً في أحد مراكز الاقتراع في مدينة مراكش امتلأ عن آخره بمنشورات حزب الطليعة، وضعها ناخبون ناقمون بداخل الصندوق، تعبيراً عن حالة استياء.

غادر احمد بن جلون المغرب بعد حصوله على البكالوريا (الثانوية العامة) عام 1964 الى الجزائر للدراسة، بدأ بدراسة الطب لكنه لم يستمر إلا شهراً واحداً، وتحول نحو الحقوق لأنها تتيح له وقتاً كافياً للعمل السياسي. سينخرط الشاب الذي يتدفق حماساً في «النضال»، من الكلية الى معسكرات التدريب ومن الجزائر الى فرنسا ثم الى سورية لمواصلة التدريب العسكري.

كانت شعارات الثورة الصينية تطن وترن في جميع ارجاء العالم. وبدا ارنستو شي غيفارا، الطبيب الارجنتيني الذي سقط ممسكاً برشاشه وهو يقاتل «الامبريالية» في أحراش بوليفيا مثل نجم في السماء يهتدي به الثوار.

انتقل بن جلون من الجزائر الى باريس لمواصلة دراسة الحقوق لكنه كان قد تشبع تماماً بفكرة «الثورة»، لذلك سيترك «عاصمة النور» بل سيترك الدراسة برمتها الى معسكر «الزبداني» في ضواحي دمشق ثم الى مدريد تمهيداً «للدخول» الى المغرب.

ما بين معسكرات التدريب سيحمل الشاب الفارع الطول صاحب النظرات الحادة اسماً حركياً هو «عبد المؤمن». اسم سيكلف صاحبه الكثير. أشهر طويلة من التعذيب ليقول إنه «عبد المؤمن» لكنه بين كل حصة تعذيب واخرى وحين يطرح عليه السؤال هل انت عبد المؤمن؟ يجيب: لا انا احمد بن جلون. تجربة «النضال» ليست بالضبط تجربة وديعة. لم يكن المحقق خاطئاً في سؤاله ولم يكن أحمد مخطئاً في جوابه، وتلك كانت هي المفارقة.

في يناير (كانون الثاني) عام 1970 سيختطف رجال الجنرال محمد أوفقير احمد بن جلون من مدريد وينقل بعد بضعة ايام بطائرة عسكرية مع سعيد بونعيلات الى «الجحيم» كما سماه.

سيتعرض بن جلون في «دار المقري» وهو معتقل سري سيئ السمعة يوجد في أطراف الرباط، الى تعذيب بشع. تعذيب يفوق كل وصف. تعذيب ليس بمقدور أية لغة أن تنقل تفاصيله. تكبد احمد بن جلون قدراً هائلاً من المعاناة.

حتى الآن يحمل جسد احمد بن جلون آثار التعذيب. طبعه هادئ لكن فترة التعذيب تجعله احياناً مهولاً عنيفاً عصبي المزاج قليل الصبر. تلك الفترة أيضاً جعلته يدخن حتى اليوم بشراهة ويأكل قليلاً. لفافة تلو اللفافة. قدم بن جلون مع آخرين للمحكمة التي عرفت باسم «محاكمة مراكش الكبرى» في يونيو (حزيران) .1971 سيفلت بن جلون من موت محقق لأن القرار باعدامه كان جاهزاً لولا أن وقعت محاولة الانقلاب في الصخيرات في يوليو (تموز) من تلك السنة. فصدر ضده حكم بعشر سنوات سجناً.

بعد ذلك سيصبح اعتقال بن جلون والإفراج عنه أمراً روتينيا. يدخل السجن، يخرج من السجن ثم يستعد للدخول اليه من جديد. واستمر الوضع على هذا المنوال حتى بدأت تتوارى «سنوات الرصاص» في ظلال الذاكرة المغربية. يمارس بن جلون حالياً المحاماة بعد ان درس الحقوق دراسة متعثرة في كل من الجزائر وباريس والرباط. لكن مجايليه يقولون إنه كان شديد الذكاء في الدرس والتحصيل. يتعاطى السياسة اكثر من المحاماة في مكتبه في شارع محمد الخامس في الرباط. كان شقيقه عمر بن جلون أحد ابرز قادة الاتحاد الاشتراكي خلال فترة السبعينات يتمنى ان يدرس أحمد الطب لكنه اتجه الى القانون. وظل يتابع من طرف السلطات المغربية ولسنوات كرجل «خارج القانون». حتى حين انشق هو ومجموعة قيادية من الاتحاد الاشتراكي في الثامن من مايو (ايار) 1983 تمت متابعته رغم أن المسألة لا تعدو أن تكون خلافا حزبياً داخلياً.

يكتب بن جلون باللغتين الفرنسية والعربية التي أتقنها في السجن، يبدو كأنه كاتب أو اديب ضل طريقه من الأدب الى ردهات المحاكم إما «متهماً» بتعاطي السياسة في أغلب الاحيان أو مدافعاً عن سياسيين متهمين في بعض الأحيان. رغم سنوات السجون وأيام الاغتراب وليالي التعذيب احتفظ بن جلون بأناقته. عينان صغيرتان تتألقان ذكاء وحزماً. نظراته متوقدة. يمشي متمهلاً ومتمايلاً كأنه يتدحرج. شعره لا يزال يحتفظ بسواده مع خصلة بيضاء قرب جبينه.. بنية قوية.

ظل بن جلون وفياً لمبادئه. يساري في زمن اليمين. لا يتراجع عن مواقفه حتى إن بدا موقفه ضعيفاً ولا يتساهل عندما يكون موقفه قوياً. يدافع عن مواقفه بشراسة، لكنه رجل حوار. يملك تهذيب الأقوياء. ساخر حتى في المواقف الحرجة. مرة قال له احد الجلادين و كان يتولى تعذيبه، بعد ان تقيحت رجله وخرجت منها الديدان: لن نتركك حتى نخرج الجراد من رجليك، ورغم الألم الذي كان يعتصره انفجر أحمد ضاحكاً. لا يزال حين يتذكر الواقعة ينفجر ضاحكاً، ويقول لا أعرف كيف سيخرجون الجراد من قدمي؟ بن جلون رجل يسهل على الذين يعرفونه عن قرب أن يحبوه لمزاياه الشخصية. روح دعابة دائمة وشهامة تجهد نفسها لإرضاء الجميع وابتسامة حلوة غير متطفلة حاضرة معظم الوقت. حين يعود بن جلون الى الماضي يقول لسان حاله ذلك كان زماناً نحبه عدلاً أو ظلماً.

يوم سمع بوفاة الملك الحسن الثاني قال «لقد شعرت بالذهول... لم أصدق ما سمعت».

بن جلون المدعو «عبد المؤمن» رجل مبادئ وأخلاق.

عندما يتذكر شقيقه عمر الذي اغتيل عام 1975 وكان سنه حين اغتيل 39 عاماً يردد بتنهيدة والدموع متحجرة في مآقيه ما قاله الكاتب الفرنسي البير كامو عندما وقف قرب قبر أبيه في الجزائر «لقد اكتشفت انني أكبر سناً من أبي»، إذ توفي والد البير كامو وتركه صغيراً وعاش مدة اطول منه. أحمد حالياً أكبر سناً من شقيقه الأكبر عمر. تلك أيضاً واحدة من مفارقات حياة صاخبة، لاحمد بن جلون المدعو «عبد المؤمن»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال