الجمعـة 03 شـوال 1424 هـ 28 نوفمبر 2003 العدد 9131
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

وفاة خلخالي صاحب قرارات الإعدام ورئيس أول محكمة للثورة الايرانية

اعترف بأنه أعدم أكثر من ألفي شخص قد يكون بينهم أبرياء سيحصلون على «غرفة أكبر في الجنة»

لندن: علي نوري زاده
توفي فجر أمس (الخميس) آية الله الشيخ صادق خلخالي أول حاكم شرع ورئيس محكمة الثورة بعد سيطرة رجال الدين على السلطة بإيران في فبراير (شباط) 1979، اثر تدهور حالته في الأشهر الأخيرة بسبب إصابته بمرض «الزايمر» وفقد التوازن وانهيار الأعصاب.

واستنادا إلى حجة الإسلام رضا عليوندي الذي زار خلخالي في أحد مستشفيات طهران قبل وفاته بيومين حيث خضع خلخالي لعملية جراحية في القلب والنخاع، فإن الرجل الذي كان يعتز بأنه أصدر أحكام الإعدام بحق 1700 من كبار المسؤولين وجنرالات الجيش في العهد في العهد الملكي، كان يشبه طفلا عاجزا عن تحريك أصابعه. وكثيرا ما كان يبكي في صمته معلنا ندمه على ما فعله بأمر زعيمه آية الله الخميني.

ولد صادق غيوي الملقب بـ«خلخالي» بقرية «غيو» القريبة من مدينة خلخال بولاية اذربيجان قبل 78 عاماً في بيت مزارع فقير أرسل ابنه بعد بلوغه 18 عاماً إلى مدينة «زنجان» ومن ثم «قم» لينضم إلى الحوزة الدينية.

وبدأ خلخالي عمله السياسي بعد بضع سنين من دخوله المدرسة الدينية بمدينة قم حيث دخل المعترك بانضمامه إلى تنظيم فدائيي الإسلام الذي كان يتزعمه رجل دين ثوري متطرف باسم «نواب صفوي» ورغم أن خلخالي لم يشارك بنفسه في حمل الاغتيالات التي شنها التنظيم ضد عدد من المسؤولين الكبار، غير أنه كشف في ما بعد محاولته إحراق جثة رضا شاه والد الشاه الراحل، حين عودة الجثة إلى إيران من مصر. وقال خلخالي في مقابلة مع صحيفة إطلاعات، انه اشترى ظرفا كبيرا كان يحتوي على البنزين، وتوجه إلى شارع ري حيث كان يمر موكب جنازة رضا شاه، غير أن رجال الشرطة أبعدوه عن الجنازة وتمكنوا من إحباط خطته.

وتعرف خلخالي على آية الله الخميني في بداية الخمسينات وفي القرن العشرين بحيث أصبح في عداد تلامذة الخميني ومن حاشيته وقد سجن مرتين كما جرى نفيه إلى مدينة سفر في كردستان بسبب أنشطته المعارضة للنظام الملكي.

ونال خلخالي شهرة عالمية بعد أن عينه آية الله الخميني في العاشر من فبراير (شباط) عام 1979 أي بعد يوم واحد من سقوط النظام الملكي قاضيا شرعيا بمحكمة الثورة التي تم تشكيلها على وجه السرعة لإجراء محاكمات صورية بعضها خلال دقائق لتصفية القادة السياسيين والعسكريين لنظام الشاه».

وذات مرة سألة أحد الجنرالات الشاه عند محاكمته رئيس المحكمة خلخالي، ألم يقل الإمام الخميني أن كل من ينضم إلى صفوف الثورة فإنه سيكون في عداد الأحرار وسينعم بحرية وأمان؟ فقد رد عليه خلخالي ضاحكا: إن الإمام ربما غفر عنكم غير أن خلخالي مكلف من عند الله بأن ينزل على رؤوسكم العقاب. وبعد دقائق معدودة تم إعدام الجنرال. وخلال محاكمة أمير عباس هوفيدا الذي تولى رئاسة الحكومة في إيران لأكثر من 13 عاما. بذل المهندس مهدي بازركان رئيس وزراء الخميني كل ما بوسعه لمنع إعدام الرجل الذي سبق أن ساند بازركان ورفاقه كثيرا حينما كان هؤلاء بالسجن، كما أن هوفيدا منح أحمد الخميني ووالدته، جواز سفر كي يلتحقا بالإمام الخميني في النجف مما كان يتوقع بالا تجري معاملته بالسوء.

لقد توجه بازركان ووزير عدله أسد الله مبشري إلى قم حيث كان الخميني يقيم منذ تشكيل حكومة بازركان، بعد أن وصلته معلومات بأن خلخالي بصدد إعدام هوفيدا في ذلك اليوم. وعاد بازركان من قم والفرحة ظاهرة على وجهه. وتبين أنه قد حصل على رسالة من الخميني موجهة إلى صادق خلخالي ومضمونها، يجب تسليم هوفيدا إلى الحكومة فورا ووزير العدل سيقوم بنفسه باستجواب هوفيدا حول قضايا مهمة تخص ثروات البلاد والمشاريع الاقتصادية والصناعية الكبرى. وأرسل بازركان مستشاره المهندس أبو الفضل وهو ابن شقيقه إلى سجن «قصر» حيث كانت تجري محاكمة هوفيدا، لتسليم خلخالي، رسالة الخميني. وصل أبو الفضل بازركان إلى بوابة سجن قصر في السادسة مساء وفوجئ باجتماع العشرات من الصحافيين أمام البوابة المغلقة. ولما سأل الصحافيين عن سبب تجمعهم أمام السجن، قيل له إن خلخالي طالبهم بمغادرة السجن بعد انتهاء الجلسة الصباحية لمحاكمة هوفيدا، دق أبو الفضل بازركان الباب المركزي للسجن ولكنه لم يفتح الباب حراس السجن من الداخل وكرر مستشار رئيس الوزراء عمله مرات ومرات إلى أن سمع دوي رصاصات من داخل السجن، وبعد دقائق فتح خلخالي الباب والابتسامة على وجهه، متسائلا أبو الفضل بازركان ما إذا كان لديه أمر ما يريد بحثه وحينما سلمه بازركان رسالته الإمام الخميني. وقال إنه قد جاء لنقل هوفيدا إلى معتقل وزارة العدل، قال خلخالي: لقد جئت متأخرا بحيث سبق أن أرسلنا هوفيدا إلى معتقل وزارة العدل في الجحيم.

دخل أبو الفضل بازركان ومعه العشرات من الصحافيين السجن حيث رأوا أمير عباس هوفيدا على الأرض ودماؤه تسيل في حديقة السجن.

وبعد وفاة الخميني عندما تعرض خلخالي لانتقاد بازركان ورفاقه بسبب جريمته بقتل هوفيدا، أصدر خلخالي بيانا أكد فيه أن الإمام الخميني نفسه أبلغه هاتفيا بأنه اضطر إلى كتابة رسالة إليه لتسليم هوفيدا إلى الحكومة بسبب إلحاح بازركان، وأن عليه أن يعدم هوفيدا قبل وصول بازركان إلى طهران من قم.

وفي البيان نفسه أشار خلخالي إلى أنه أعدم ما يقارب ألفي شخص ومن المحتمل أن يكون بين هؤلاء بعض الأبرياء ممن سيكافئهم الله بمنحهم غرفة أكثر سعة من الغرف العادية في الجنة وحوريات أكثر جمالا من حوريات الجنة.

وقد أثار نشر خبر وفاة خلخالي موجة من الفرحة والحيرة في آن في طهران والمدن التي زارها خلخالي حينما كان قاضيا متجولا فقد كان دخوله إلى تلك المدن يثير جوا من الخوف والذعر لا سيما بين السجناء نظرا إلى أن خلخالي كان يعتاد على أن يصدر أحكام الإعدام في كل مدينة يزورها. وذات مرة زار مدينة الأهواز بمحافظة خورستان دخل أحد السجون وأمر بإخلاء الزنزانات ونقل السجناء إلى حديقة السجن. ومن ثم نظر إلى السجناء الواحد تلو الآخر واختار منهم خمسة وأمر بإعدامهم فورا دون أن يسأن عن ذنبهم. وأطلق صراح خمسة آخرين من السجناء أيضا من دون أن ينظر إلى ملفهم. ولما سئل عن حكمة قراره بإعدام الخمسة وإطلاق صراح الخمسة الآخرين، قال إنه قد اكتشف في عيون الخمسة الأولى شعلة الخبث والخيانة فيما عيون الخمسة المفرجن عنهم كانت بريئة كعيون الأطفال.

وفي طهران وقم وأصفهان استقبل الأهالي خبر وفاة الرجل الذي أطلق المواطنون عليه لقب جزار الثورة بفرحة وقام البعض بتوزيع الحلويات، فيما اعتبر الآخرون العذاب الذي تحمله خلخالي لأكثر من عشر سنوات وهو في فراش الموت عقابا من عند الله لجرائم رجل لم يتلذذ في حياته طعم الرأفة والعفو......................

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال