الاثنيـن 12 ذو القعـدة 1424 هـ 5 يناير 2004 العدد 9169
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

عزيز السيد جاسم المغيب يعود بعد 13 عاما برواية ضد اضطهاد السلطة للمثقفين

لندن: معد فياض بيروت: رويترز
بعد ثلاثة عشر عاماً من تغييبه في سجون المخابرات العراقية، واعدامه، يعود الكاتب العراقي عزيز السيد جاسم الى واجهة الاحداث الثقافية من خلال رواية جديدة تحمل اسم «المفتون» صدرت اخيرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.

الرواية التي يعتقد انها آخر مؤلفات السيد جاسم، وماكانت لترى النور لولا سقوط نظام صدام حسين، حمل مخطوطتها الى دار النشر الدكتور محسن الموسوي، شقيق عزيز السيد جاسم، والذي كان قد انتظر طويلا رحيل صدام حسين ونظامه ليدفع بالرواية الى النشر بالرغم من ان الموسوي الذي كان رئيسا لتحرير مجلة «آفاق عربية» ومديرا عاما لدار الثقافة والنشر الحكومية في بغداد، قد ترك العراق بعد أحداث انتفاضة عام 1991 ليعمل استاذا في جامعة صنعاء اليمنية. يعرض السيد جاسم في رواية «المفتون» قدرة سردية جذابة وبمخيلة تنسج بخيوط الواقع علاقة جدلية بين عالم النفس والعالم الخارجي. وعندما يكون العالم الخارجي عبارة عن واقع سياسي اجتماعي قاس تسيره شريعة القوى الغاشمة التي تتحكم بمصائر الناس واحلامهم يتحول عالم النفس الى مصنع لحالات واحوال بل وشخصيات تجمع بين الغريب والرهيب.

وقد تثير الرواية تساؤلا ربما يكون تقليديا، هل يخلق مجتمع الظلم والقسوة شخصيات غير سوية ام ان الشخصيات غير السوية هي التي تخلق مجتمعات من هذا النوع؟ لكن سرعان ما يكتشف القارئ ان العلاقة الجدلية التي رسمها الكاتب تصور سيفا ذا حدين وان كان هناك تشديد على ان النظام السياسي الظالم هو اكثر قدرة على خلق العديد من حالات الخلل النفسي.

الشخصيتان الرئيسيتان في الرواية هما هارون الطبيب النفسي ويوسف اليعقوبي الشاب الجذاب الذي يطل علينا في صورة مريض نفسي حينا وصورة الانسان ذي القدرة الغريبة على التحكم في من حوله. انه شخصية معذبة مليئة بالمشاعر التي تبدو متناقضة فتوحي بالثقة والطيبة حينا وبخوف بارد حاد كالسكين حينا آخر.

جاء في المقدمة التي لم يذكر اسم كاتبها، ومن المرجح ان يكون الكاتب محسن الموسوي هو من كتب المقدمة، ان الرواية «فريدة في كونها واحدة من النصوص القليلة المعنية بوضع العراق الحديث منذ سنة 1958 اي منذ العهد الملكي وصولا الى ما تلاه» لكن المدقق في الرواية يدرك انها تلم «بالبلاء الذي نكبت به البلاد منذ ان اعتلى دفة الحكم فيها نظام شعاراته تبرر له التحكم في الحياة العامة للناس» وكأنه يستأصل المثقفين بشكل خاص.

في بداية الرواية يدور حوار بين الطبيب النفسي ويوسف اليعقوبي عن السكين التي يرى اليعقوبي انها «يجب ان تكون الصديق الدائم». في نهاية ذلك يسجل الطبيب في دفتر خاص ملاحظات محيرة، فهي تكاد تكون متضاربة لكنها في الوقت نفسه منسجمة. ويجد في تآلف المتضادات نذيرا ينبئ بنوع بشري مخيف. يقول «علامات وحش في اهاب شاب جميل. علامات اكبر من الهستيريا قطعا.. ضحكة جوفاء قاتلة واصابع طويلة تصل الى طبيعتها في مداعبة الموسى الحادة. هل يمكن للبراءة ان تنزاح فجأة امام ملامح وحشية. ان وجه يوسف بريء والبراءة تتناسب مع تقاطيع الوجه تماما، اما الملامح الوحشية فهي تركيب.. غير انه تركيب غير مصطنع يأخذ طريقه فورا في التلاؤم. ان يوسف صورة المخاوف القادمة».

لكن يوسف لا يراجع العيادة بصفته مريضا بل يندفع نحو الطبيب بسرعة عجيبة جعلته يشعر «بخوف بارد». ويكتشف لاحقا ان هذا الاعجاب ناتج عن صورة في ذهن يوسف عنه وهي انه مناضل سياسي سابق وبطل لكنه انزوى في عيادته المتواضعة رافضا الظلم.

وهارون شأنه شأن يوسف وكثيرين ريفي اصلا لكنه سكن المدينة. «وعندما هاجر الكثير من ابناء العشائر من الارياف والقرى الى المدينة انتقلت التقاليد والعادات الى المدينة نفسها واصبحت المدينة منتفخة بتشويهات متداخلة شبه حضارية وقروية وبدائية وعشائرية وظهرت اجيال جديدة تحاكي من الخارج اخر تقليعة اوروبية وتحمل في الداخل تيارات همجية واصواتا بدائية لم تخمدها مؤثرات المدينة».

يقوم الطبيب بتبليغ يوسف انه جرى تعيين وزير جديد للداخلية وانه انسان حريص على القانون وانه وعد باطلاق سراح المساجين السياسيين. لكن الغد المنتظر لم يشهد الافراج عن احد من السجناء بل شهد «مركز الشرطة الكبير» منظرا رهيبا اضيف اليه احد المثقفين القلائل الباقين في المدينة.. رجل مجنون نصف عار ربط بالحديد ومن الجانب الثاني امراة تشتم زوجها الغادر الذي قتل حبيبها وفي الوسط بين الاثنين «حل هارون الطبيب النفساني محتجزا مكبل اليدين تمهيدا لنقله وابعاده الى احدى مدن الاهوار البعيدة».

وهكذا يتضح ان الكاتب عزيز السيد جاسم حاول ان يطرح معاناته كمثقف مقموع من قبل السلطة، وهذا يبين الاسباب التي منعته من نشر هذه الرواية في ظل نظام متسلط وشمولي، وكذلك الاسباب التي منعت شقيقه الدكتور محسن الموسوي من نشر هذه الرواية الى فترة ما بعد صدام حسين.

وكان الكاتب عزيز السيد جاسم قد تعرض في عهد حكم صدام حسين للاعتقال مرتين، في الاولى طلب منه النظام السابق وبأمر من صدام حسين تأليف بعض الكتب التي لا تتماشى مع افكار ومبادئ السيد جاسم، فتم اعتقاله مع شقيقه محسن الموسوي في احدى الدور التابعة للمخابرات العراقية في منطقة الكرادة خارج في جانب الرصافة من بغداد، وقد سمح له ولشقيقه خلال هذه الفترة بالتمشي خارج البيت بصحبة شقيقه وتحت انظار الحراس لساعة او ساعتين كل ليلة.

وخلال فترة اعتقاله هذه خضع السيد جاسم لارادة النظام وقام بتأليف الكتب المطلوبة فأطلق سراحه بعد فترة وليعتقل مرة ثانية بعد احداث انتفاضة مارس(آذار) 1991 اختفت أخباره حيث لم تنفع توسطات بعض الادباء العراقيين والعرب من اجل اطلاق سراحه، الا انه بقي مغيباً في سجن ابو غريب قسم الاحكام الخاصة ولم يعثر عليه او على جثمانه حتى اليوم.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال