الاربعـاء 21 ذو القعـدة 1424 هـ 14 يناير 2004 العدد 9178
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

شيوخ العنف كثيرون.. ويبقى أبو محمد المقدسي الأهم

تقرير: مشاري الذايدي
في المقتطفات المطولة التي بثها التلفزيون السعودي اول من امس لبعض المتورطين في أعمال الارهاب في السعودية، ترددت كثيرا أسماء من تأثر بهم هؤلاء الأشخاص، أبرزهما: ابو محمد المقدسي، وابو قتادة الفلسطيني، وعبد المنعم حليمة. غير أن أهم هؤلاء على الإطلاق هو المقدسي. ولا زلت أذكره في المرة الوحيدة التي رأيته فيها قبل حوالي 15 سنة وتحديدا في رمضان 1409 في الحرم المكي وحوله ثلة من الشباب، وقال لي من معي حينها: هذا ابو محمد المقدسي صاحب كتاب «ملة ابراهيم». كان شخصا جادا ومستعجلا، كما يوحي بذلك مظهره وتصرفه. في أعقاب حرب الخليج الثانية، توجه أبو محمد المقدسي إلى أفغانستان، هاربا من الكويت، وهو الشخصية المهمة التي ستلعب دورا خطيرا في التكوين الفكري والآيديولوجي للجهاديين السعوديين. أبو محمد المقدسي، أو عصام برقاوي كما هو اسمه الحقيقي، أردني من أصل فلسطيني، أقام في الكويت فترة معينة، وانخرط في تيار أهل الحديث الثوريين، ورثة تيار جماعة «جهيمان العتيبي» التي احتلت الحرم المكي عام 1979، وكانت هذه الجماعة ناشطة في الكويت، وكان المقدسي ناشطا ضمنها في فترة الثمانينات إلا أنه اختلف مع بعض رموزها خصوصا حينما بالغ في مسألة التكفير، وقد ألف عدة مؤلفات في هذه الفترة، أهمها، في فترته الأخيرة، كتاب «ملة إبراهيم» وهو يشبه كتاب «معالم في الطريق» في درجة تأثيره وصياغته لآيديولوجيا «الجهادية السلفية». يقوم كتيب «ملة إبراهيم» على فكرة بسيطة مفادها الأخذ بملة النبي إبراهيم الذي أمرنا الله بالاقتداء به كما في نص الآية الكريمة: «قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده».

هذا الأخذ و«التأسي» يتمثل بالكفر «بالطاغوت» والبراءة منه. الطاغوت الذي يعتبر الكفر به عروة الايمان الوثقى. هذا الكفر يتجلى في صور كثيرة، أهمها من لم يحكم بما أنزل الله، كما قالت الآية القرآنية: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون». وبما أن «جميع» الحكومات العربية لا تحكم بما أنزل الله، حسبما يقرر المقدسي، فهي إذن طاغوت من الطواغيت التي أمرنا بالكفر بها والبراءة منها، أسوة بإبراهيم النبي، ومن هنا جاء اسم الكتاب. المثير أن المقدسي لا يكتفي بمجرد الإعلان اللفظي للكفر بالطاغوت، بل يتدخل في تحديد أشكال هذا الكفر، إذ لا يجوز أن ينخرط المسلم في وظائف الطاغوت وخصوصا في السلك العسكري، ولاحقا أفتى المقدسي بكفر القوات الأمنية العربية كما كان اتباعه يؤكدون.

بعد ان توجه المقدسي الى بيشاور في باكستان عقب غزو العراق للكويت، جاء إلى السعودية لفترة محدودة، وتعرف على من تعرف هناك ثم عاد إلى الأردن، وفي الاعترافات التي أدلى بها منفذو تفجيرات الرياض في نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، قال هؤلاء انهم «كانوا يجلبون أدبيات المقدسي من الاردن مهربة». وقبل ذلك أقام المقدسي في باكستان مدة، قدرها بعض المتابعين بستة اشهر، طبع خلالها كتابه التكفيري الذي هاجم فيه السعودية وتم تهريبه بكثافة الى داخل المملكة.

وهذا الكتاب يعد من أخطر الأدبيات التي صاغت التيار الجهادي السعودي، ولا أدل على ذلك الاهتمام من الاختصار والتهذيب الذي كتبه شخص يدعى صالح الحسن عبر مواقع تيار «القاعدة» على الانترنت مؤخرا. ويعتبر «منبر التوحيد والجهاد» على الانترنت من اشهر المنابر والمنصات التي تنطلق منها كتابات المقدسي.

وللتدليل على مدى التغلغل الذي حققه المقدسي داخل العقل الأصولي السعودي، والجهادي منه على وجه الخصوص، نتذكر ماقاله علي الخضير احد شيوخ التيار الجهادي المتراجعين، في احدى فتاواه قبل التراجع جوابا على هذا السؤال: «ما الذي ترونه في هؤلاء الشيوخ: عبد المنعم مصطفى حليمة، الملقب بأبي بصير، عصام محمد البرقاوي المشهور بأبي محمد المقدسي، وعمر بن محمود الملقب بأبي قتادة الفلسطيني؟» فاجاب الخضير: «هؤلاء من علماء أهل السنة والتوحيد والعقيدة، ومن أهل الجهاد والتأليف والتعليم، ولا نعلم عنهم إلا خيرا، وقد قرأت لهم كتبا كثيرة، وما يُفترى عليهم من الكذب والزور في مسائل التكفير فهو محض افتراء ومن صنع المرجئة، وهم أهل سنة في باب التكفير والإيمان، وكان شيخنا العلامة حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله يثني عليهم خيرا ويمدحهم ويذب عنهم، ويراسلهم ويراسلونه».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال