الاحـد 23 رمضـان 1425 هـ 7 نوفمبر 2004 العدد 9476
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

كلوفيس مقصود: أبو عمار فشل في التحول إلى جمال عبد الناصر آخر وكان ينام بجواربه

مندوب الجامعة العربية السابق في الأمم المتحدة يتحدث لـ «الشرق الاوسط» عن عرفات

واشنطن: سناء الجاك
اعتبر المندوب السابق للجامعة العربية في الأمم المتحدة الدكتور كلوفيس مقصود، ان القائد الفلسطيني ياسر عرفات هو «شهيد المأزق العربي»، ليس بفعل واقعه الصحي الحالي وإنما بفعل الواقع العربي وتعامله مع القضية الفلسطينية.

واستعاد مقصود في حديث لـ«الشرق الأوسط» لحظات «عرفاتية» عرفها عن كثب بحكم صداقته مع «ابو عمار»، وأشار الى استئثار الرجل بقراراته، رافضا محاسبته على سلبياته، لأن ظروفه كفيلة بأن تؤجل أي محاسبة وتتركها الى ذمة التاريخ. وقال مقصود ان عرفات كان محبا للحياة، لكنه كان مدركا ان الموت يحدق به، لذا غالبا ما نام بملابسه، وتحديدا جواربه، حتى يستطيع التحرك بسرعة حين تستدعي الاحوال ذلك. واشار الى انه سمع بأبو عمار للمرة الاولى من الكاتب والصحافي محمد حسنين هيكل، ثم عرفه في القاهرة من خلال صداقة مقصود لكل من فاروق القدومي وأبو اياد. ولخص مشكلة عرفات بأنه كان يطمح في ان يكون القائد العربي الاوحد بعد رحيل عبد الناصر، الامر الذي لم يتحقق وترك في قلبه غصة.

وعن بروز دور عرفات مع نكسة يونيو (حزيران) 1967، قال مقصود، لا شك ان عرفات أنقذ الحالة العربية بعد 1967 وجعل روحية المقاومة مستمرة، معتبرا ان الهزيمة العسكرية يجب ان لا تؤدي الى انهزامية الشعوب. وبهذا مكن الشعب الفلسطيني من استئناف الامل، وشكل ظاهرة وجدت فيها الجماهير العربية رغبة لاحتضان المقاومة في ظل فشل الانظمة العربية.

ما دفع عرفات الى الاعتقاد ان من حقه ان يأخذ من هذه الانظمة ما يشاء وفي اي وقت كان، الأمر الذي أدى الى اصطدامه مع البعض منها في توقيت غير مناسب، كما حصل في الاردن عام 1970، وفي لبنان بعد ذلك وفي غير مكان. واستمر عرفات وسط هذه البلبلة في إدارة هذا التناقض الى ان حسم الموضوع بشكل ما في قمة فاس عام 1994، حيث اعتبرت منظمة التحرير، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

وحصلت مهادنة بينها وبين الانظمة العربية، التي تعهدت بمساعدة تتفاوت في وتيرتها بين التأييد المالي والاعلامي والدبلوماسي والاحتضان السياسي. واصبح الفلسطينيون اشبه بنظام عربي، ما قلل من البريق الثوري للقضية وطمأن الانظمة الى حد ما.

وتوقف مقصود عند عام 1974 ووجود عرفات في بيروت، مستقطبا قوى اجتماعية وسياسية داخل لبنان مكنته من الانطلاق الى الامم المتحدة، والقاء خطابه التاريخي، الذي اظهر الملامح الحيوية الفكرية للقضية الفلسطينية، لكنه اسفر ايضا عن وضع «فرامل» على القضية من خلال العمل الدبلوماسي العربي وبالتالي الدولي.

واضاف مقصود، ساهم هذا الواقع الجديد بتوليد عنصرين، الاول هو عنصر التحرك الدبلوماسي لتعبئة دولية مؤيدة وعدم اسقاط الخيار العسكري، خاصة بعد توقيع معاهدة الصلح بين مصر وإسرائيل. والثاني خروج عرفات من لبنان الى تونس عام 1982 وتحول المقاومة الى مقاومة سياسية أكثر منها عسكرية، مما فرض على عرفات التركيز على استنفار الشرعية الدولية لصالح القضية الفلسطينية».

واعتبر مقصود ان الحرب العراقية ـ الإيرانية أسفرت بشكل ما عن شل أي طاقة استراتيجية رادعة لإسرائيل، وأدت الى لجوء الفلسطينيين الى مقاومة كانت بمثابة عصيان مدني لا عنفي، مما ارجع الانتفاضة الاولى الى فاعلية التعاطف والتأييد الدولي، الذي تبلور في ذهاب عرفات الى جنيف، بعدما رفضت الادارة الاميركية اعطاءه تأشيرة دخول ليحضر الى الأمم المتحدة في نيويورك، الامر الذي شكل خرقا قانونيا فاضحا لمعاهدة المقر بين الولايات المتحدة والمنظمة الدولية. وفي جنيف استرجع عرفات بريقه وأدخل القضية الفلسطينية مرحلة الحوار مع الولايات المتحدة.

ويعتبر مقصود ان عرفات لم يستغل هذه الفرصة كما يجب، بل قدم تنازلات، بررها بحرصه على استغلال فرصة الحوار مع الاميركيين، ثم جاء غزو العراق للكويت، وأعيد النظر في الموضوع العربي برمته وحصلت عملية أدت إلى مزيد من التفكك في الحالة العربية.

وخسر عرفات في قمة القاهرة 1990 من خلال موقفه الحيادي، واصراره على وجوب السعي الى حل عربي لهذه المسألة.

وقال مقصود «ان اللاوعي العربي عامة والفلسطيني تحديدا بعد غزو العراق للكويت، دفع بعرفات الى الاتكال على المسارات السلمية، لا سيما بعد تفكيك الحالة العربية وانهيار الاتحاد السوفياتي. واسفر عن هذه المسارات خطأ أدى الى اعادة تركيب ذهنية مشابهة لاتفاقية اسرائيل ومصر، وفيما كان حيدر عبد الشافي يتابع المفاوضات في واشنطن فوجئ باتفاقية اوسلو، وترك وحيدا. واعتبر عرفات ان هذه الاتفاقية هي ضرب ذكاء، أما الناس فقد اعتبرتها استئثارا بالقرار والتفافا على الانتفاضة الاولى».

ويلوم مقصود عرفات على اعترافه باسرائيل من دون ان يأخذ بالمقابل اقرارا من اسرائيل بأنها دولة محتلة، وانتهز وجوده مقبولا في البيت الابيض، وفقد بريق المقاومة.

لكنه يستدرك قائلا «ان عرفات كان يتوقف خلال مسيرة المحادثات عندما يمس البحث صميم القضية، سواء لجهة حق العودة او مصير القدس، حينها كان يتخلى عن مرونته. وكان الاميركيون والاسرائيليون يتخذون من هذه المواقف ذريعة لمزيد من التحيز».

ويعتبر مقصود ان عودة عرفات الى مناطق الحكم الذاتي في فلسطين رغم ايجابية وجوده الى جانب شعبه لها سلبيات كثيرة، لأن السلطة الفلسطينية قلصت الوضع المقاوم ولم تستطع إنشاء مؤسسات وأعطت آمالا مغلوطة واظهرت عجزا في ادارة الدبلوماسية الفلسطينية.

وقال مقصود: «بعد 11 سبتمبر (ايلول) حوّل شارون عرفات الى ارهابي، وشاركته الادارة الاميركية ذلك. لكن صموده في المقاطعة وتضحياته وبعده من عائلته واصراره على البقاء هناك رغم تزايد المرض، كل هذا أعاد إليه الهالة التي ميزته بشكل متقطع طيلة هذه الفترة، وكرسته مرة ثانية رمزا لوحدة الشعب الفلسطيني وأبا له».

ويتوقف مقصود عند هذه الابوة التي كانت تقرب عرفات من شعبه، وتسمح له ان يقول لأحد مرافقيه مثلا: انت ارتكبت خطأ. فاسجن نفسك. ويمتثل المرافق فيسجن نفسه.

ويضيف مقصود: «بعد غياب عرفات لن يجد الاسرائيليون والاميركيون من يشخصنون ضده عداءهم ويصبونه عليه. والمطلوب اليوم اعادة تفعيل المؤسسات في مناطق السلطة الفلسطينية واعادة الربط العضوي بين صانعي القرار في فلسطين وصانعي الرأي».

ويأخذ على عرفات «عدم ثقته بالمفكرين الفلسطينيين امثال ادوار سعيد او السياسيين امثال حيدر عبد الشافي وحنان عشراوي، فهو يعتبر ان من يعمل على الارض يفهم الامور اكثر من المنظرين».

وقال مقصود: «اتصلت بعرفات للمرة الاخيرة قبل حوالي الشهرين. كان قادرا على الكلام، وحديثنا كان عاديا، لم أكن أشعر كصديق قديم له، بأن لي الحق بمساءلته. فأنا لم أعطه شيئا. كذلك الانظمة العربية، وشعرت بالعيب والعار، لاننا اضطررنا ان نطلب من شارون السماح له بالمغادرة حتى يتعالج، وان يسوق شارون قبوله الامر وكأنه انجاز للتطبيع».

ويضيف مقصود: «عرفات كان يرفض الاقرار بأن العرب ضاقوا ذرعا به، وكان يصر على الابتسام وتقبيل من يلتقي بهم من زعماء العرب، وكأنه يؤكد تفاؤله ويطمئنهم بأنه لن يلحق ضررا بأي منهم عندما كان يستطيع ذلك. عائلته تشكلت من المحيطين به وعندما تزوج، لم يسمح له الظرف بحياة أسرية معقولة».

وعن اكثر اللحظات حرجا لعرفات، قال مقصود: «شاهدت عرفات حزينا جدا وغير متماسك لفرط حزنه عندما اختلف مع الزعيم اللبناني كمال جنبلاط وعندما مات جمال عبد الناصر».

أما لحظة غضبه القصوى، «فكانت عندما اغتيل كمال ناصر. فقد اتصل أبو عمار بي وسألني: أين الضمير، وأبلغني باغتيال كمال ناصر».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال