الاربعـاء 16 شعبـان 1426 هـ 21 سبتمبر 2005 العدد 9794
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مركبات فضائية لدراسة أعماق الكون وتحديد مواقع هبوط البشر على المريخ

"الشرق الأوسط" تحاور البروفسور الأميركي اللبناني شارل العشي رئيس مركز الدفع النفاث لـ«ناسا»

أتلانتا (ولاية جورجيا الأميركية) : صفات أمين سلامة*
عندما هبطت المركبتان الروبوتيتان «سبيريت» و«أبورتيونيتي» بنجاح على سطح كوكب المريخ في يناير (كانون الثانى) 2004 ، في المكان والموعد المحددين لهما، شاهد العالم العلماء والمهندسين في مختبر الدفع النفاث Jet Propulsion Laboratory (JPL) في باسادينا بولاية كاليفورنيا، التابع لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، وهم يهللون ويعانقون بعضهم فرحا بهذا الانجاز التاريخي، ويلتفون حول رئيس المختبر الذي لا يعرف الكثيرون في عالمنا العربي عنه الشيء الكثير. أنه العالم الأميركي، اللبناني الأصل، البروفيسور شارل العشي الذي يقف وراء هذا الانجاز والنجاح التاريخي الباهر، وغيره من الانجازات الأخرى الهائلة في مجال استكشاف وأبحاث الفضاء، والتي منها تطوير أنظمة رادارية تستخدم في مركبات الفضاء التي تمكن العلماء من الرؤية خلال السحب، والتي ساعدت المركبات في الهبوط في المواقع المختارة لها، مثل الرادار المتطور الذي تحمله مركبة الفضاء الأميركية «كاسيني» Cassini التي تقوم حاليا باستكشاف كوكب زحل وأكبر أقماره (تيتان). ويشرف البروفسور العشي على العديد من المشاريع الفضائية للبحث والكشف عن الحياة على كواكب المجموعة الشمسية وبخاصة كوكب المريخ. وتقديرا لجهوده في مجال أبحاث واستكشاف الفضاء، وبخاصة مساهماته في استكشاف النظام الشمسي، فقد نال العديد من الجوائز العلمية العالمية، وكرم عام 1989 باطلاق اسمه على أحد الكويكبات 4116 Elachi . ويعد مختبر الدفع النفاث أهم مؤسسة فضائية في العالم مسؤولة عن جميع مركبات الفضاء الآلية في الولايات المتحدة، وهو يضم أكثر من ثمانية آلاف عالم. وحول مختبر الدفع النفاث ومهامه وبحوث استكشاف الفضاء الحالية، وبخاصة التطورات المذهلة والمهام الناجحة للمركبتين «سبيريت» و«أبورتيونيتي» لاستكشاف كوكب المريخ والمشاريع المستقبلية لدراسة كوكب المريخ، كان لـ«الشرق الأوسط» هذا الحوار العلمي مع البروفسور شارل العشي. في البداية سألنا البروفسور شارل العشي عن مهام مختبر الدفع النفاث وأهم انجازاته، فأجاب بالقول إن مختبر الدفع النفاث يعد أحد المراكز المهمة التابعة لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، ويقوم باستكشاف الكون وبخاصة النظام الشمسي، وذلك باستخدام مركبات فضائية روبوتية للحصول على معلومات عن أصل الكون وتطور الحياة على الكواكب البعيدة بغرض الاستفادة منها لتوفير حياة أفضل على كوكب الأرض. وتم انشاء المختبر في أواخر الثلاثينات على يد مجموعة من أساتذة وطلاب معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتيك) Caltech، الذي يعتبر أحد المعاهد الفنية والعلمية الرائدة في الولايات المتحدة والعالم. ومنذ انشائه تتولى ادارتة اسرة معهد «كالتيك» من أساتذة وكبار الباحثين المتميزين.

وعن انجازات المختبر قال البروفسور العشي إن مختبر الدفع النفاث قام عام 1959 بتصميم وبناء واطلاق Explorer- 1 ، أول قمر صناعي في تاريخ الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين قام المعمل بارسال العديد من البعثات لزيارة واستكشاف جميع كواكب المجموعة الشمسية ما عدا كوكب بلوتو Pluto . وفي الوقت الحالي تجوب فضاء المجموعة الشمسية 17 مركبة فضائية تابعة للمختبر، والتي ترسل لنا كل يوم بالكثير من المعلومات عن العالم الذي يحيط بنا.

وفي أوائل عام 2004 هبطت على سطح المريخ المركبتان الروبوتيتان الجوالتان «سبيريت» و«اوبورتيونتي»، وهما من أفكار وتصميم علماء المختبر الذين يشرفون الآن بالتحكم بهما وتشغيلهما عن بعد. وما زالت المركبتان تعملان وتمداننا بالعديد من البيانات والمعلومات والصور عن جيولوجيا سطح كوكب المريخ، والتي مكنت العلماء من الاستدلال على وجود مياه في حالة سائلة تغطي مساحات كبيرة من سطحه منذ زمن بعيد. ولهذا فالسؤال الذي يطرح نفسه هو هل نشأت حياة في تلك المحيط أو البحيرة ؟ فاذا كانت الاجابة بالنفي، لماذا لا نعتبر أن مثل هذه الحياة قد تطورت في بيئة مماثلة على كوكب الأرض. ونتيجة لذلك لا بد من ارسال العديد من البعثات المزودة بأحدث التقنيات لاجراء المزيد من الدراسات والأبحاث لاستكشاف كوكب المريخ. وعن الجديد في التاريخ القصير الحافل بالتطورات والنجاحات المذهلة لمركبتي الفضاء الجوالتين «سبيريت» و«أبورتيونيتي» فقد وصلت المركبة «سبيريت» الى مرحلة مهمة للغاية في رحلة اكتشاف المريخ ، اذ تقوم الآن من فوق تلال المريخ، التي أطلق عليها العلماء تلال كولومبيا Columbia Hills تخليدا لذكرى رواد مكوك الفضاء كولومبيا وعلى رأسهم ريك هزباند Rick Husband ، وبالتحديد من فوق «تل هزباند» Husband Hill ، بارسال العديد من الصور المبهرة عن طبيعة جيولوجيا كوكب المريخ ، اذ يستدل العلماء من هذه الصور على أن التغيرات والتحولات الواضحة في شكل وتركيبة الصخور المختلفة جاءت بفعل وجود بيئة مائية. وفي الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر (ايلول) الحالي قامت «سبيريت» باجراء اختبارين للتحقق من امكانية ارسال أوامر اليها عبر مركبة الفضاء «مارس أوديسي أوربيتر»، باستخدام موجات الراديو فائقة التردد. أما عن الجوالة «أبورتيونيتي» ففي 31 أغسطس 2005 قامت بعمليات رصد وملاحظة ناجحة باستخدام الكاميرا البانورامية والكاميرا الملاحية وجهاز قياس الطيف الحراري وقطعت مسافة مقدارها 21 قدما (6.5 متر) .

وعند سؤال البروفسور العشي عن امكانية ارسال بشر الى كوكب المريخ، قال: السفر الى المريخ ممكن بالفعل كل 26 شهرا ، ذلك بسبب التوازي الكوني لكوكب الأرض، فقد أطلقنا في الثاني عشر من أغسطس (اب) 2005 مركبة استكشاف المريخ المدارية «مارس ريكونيسانس أوربيتر» (Mars Reconnaissance Orbiter (MRO التي يبلغ وزنها طنين وتعد أكبر مركبة فضائية على الاطلاق يتم ارسالها الى المريخ . والمركبة مزودة بأحدث التقنيات والآليات اللازمة للقيام بتصوير دقيق ومسح شامل لسطح المريخ، والتي ستحاول معرفة المدة التي وجد فيها الماء في المريخ، وما اذا كانت به حياة يوما ما، وما اذا كان يمكن اقامة موقع بشري على سطحه، وتستطيع أجهزة الكاميرا التي تحملها المركبة نقل صور فائقة الوضوح ست مرات أعلى من الصور السابقة المرسلة من كوكب المريخ. وعن هذه الخطط المستقبلية التي يجري الاعداد لها استطرد البروفسور العشي قائلا: بحلول العام 2007 ، نخطط لهبوط «مارس فينيكس لاندر» Phoenix Lander بالقرب من القطب الشمالي للمريخ لدراسة تركيبه ومحتوى القشرة الثلجية له. وأيضا سوف نطلق عام 2009 المختبر العلمي لكوكب المريخ(MSL) Mars Science Laboratory وهو عبارة عن مركبة روبوتية جوالة على درجة عالية من التقنية والكفاءة وتقوم بعمل عالم الكيمياء وسيكون بمقدورها التجول على مساحات أكبر من سطح المريخ. وعند سؤال البروفسور العشي عما تقوم به المركبة الفضائية «كاسيني» أجاب بأنها تدور الآن في مدار حول كوكب زحل للقيام بعمل مسح مفصل وشامل لحلقاته وغلافه الجوي وأقماره وبصفة خاصة قمر «تيتان» Titan الذي يتمتع بغلاف جوي كثيف يحتوي على هيدروكربون مثل غاز الميثان . وفي يناير (كانون الثاني) عام 2005، قامت كاسيني بحمل واطلاق المسبار الأوروبي «هويغنز» Huygens الذي قام بدوره بإمدادنا بصوره مفصلة لسطح تيتان تبدو فيها خصائص مورفولوجية (ظاهرية) مثل قنوات نهرية تكونت في الغالب بفعل الهيدروكربونات المتدفقة. وحديثا في يوليو (تموز) 2005، اصطدمت سفينة الفضاء «ديب امباكت» Deep Impact بالمذنب «تمبل ـ 1» Temple 1، فاحدثت فيه حفرة ، الأمر الذي ساعدنا على الحصول على معلومات عن التركيب الداخلي لمركز المذنب وهو ما سيساعدنا في اكتشاف أسرار المجموعة الشمسية وأصول نشوئها. وباعتباري رئيسا لمختبر الدفع النفاث أشعر بالعزة والفخر لما قدمه المختبر من انجازات بالتعاون مع وكالة «ناسا» والجامعات على مستوى العالم وقطاع الصناعة، بهدف تزويدنا بالمعرفة.

* باحثة مصرية متخصصة في الخيال العلمي بجامعة جورجيا الأميركية

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال