الجمعـة 08 رمضـان 1428 هـ 21 سبتمبر 2007 العدد 10524
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مصر: ختان الإناث قضية ساخنة وأقوى حركة اجتماعية

رغم الحظر الرسمي من قبل وزارة الصحة والمؤسسة الدينية.. الجدل لا ينقطع

إعلانات في طنطا تدعو الى حظر عمليات الختان بلافتات تقول «بداية النهاية» «نيويورك تايمز»
كفر المانشي: ديفيد سلاكمان *
شعر الرجال بالغضب في هذه المنطقة الزراعية. فقد احضرت فتاة عمرها 13 عاما الى عيادة طبيب لإخضاعها لعملية الختان، التي ينظر اليها الناس هنا كونها ضرورية للمحافظة على العفة والشرف.

توفيت الفتاة نتيجة العملية، إلا ان ذلك لم يكن مصدر غضب سكان هذه المنطقة. فعقب حادثة وفاة الفتاة اغلقت الحكومة عيادة الطبيب، الأمر الذي أدى الى إثارة غضب الجميع هنا. صاح سعد يحيى: «إنهم لن يوقفوه....نحن نؤيد ختان البنات، وصاح فهمي عز الدين شاويش، وهو من كبار السن في القرية، قائلا: ان الدولة نفسها اذا رفضت ختان البنات، فإنهم لن يوقفوا ممارسته. الختان، كما يطلق عليه مؤيده، او «تشويه الأعضاء التناسلية للأنثى»، كما يطلق عليها معارضوه، اصبح بصورة مفاجئة قضية ساخنة في مصر خلال صيف هذا العام. فقد اصبحت الحملة الواسعة على مستوى مصر لوقف هذه الممارسة أقوى حركة اجتماعية في مصر لأول مرة خلال عقود من الزمن، إذ وحدت هذه القضية بين قوى متباينة ضمت رجال الدين، فضلا عن العناصر النشيطة في العمل وسط الجماهير. على الرغم من ان وزارة الصحة المصرية اصدرت عام 1996 قرارا بإنهاء ممارسة ختان البنات، فإنها سمحت باستثناءات في حالات طوارئ، وهذه ثغرة يصفها بعض المعارضين لممارسة هذه العادة بأنها واسعة الى درجة انها جعلت قرار الحظر غير مؤثر. إجراء إغلاق عيادة الطبيب المذكور لم تكن الخطوة الوحيدة غير المألوفة من جانب الحكومة، فقد اصدر وزير الصحة مرسوما حظر بموجبه عمال المهن الصحية، او أي شخص آخر، من الإقدام على هذه الممارسة مهما كانت الأسباب.

يضاف الى ذلك ان وزارة الشؤون الدينية اصدرت كتيبا يوضح ان الاسلام لم يناد بممارسة الختان. وأعلن مفتي الديار المصرية الشيخ علي جمعة ان ختان البنات حرام، كما ان الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الازهر، وصف عملية الختان بأنها ضارة. وبثت قنوات التلفزيون ايضا اعلانات تحث الاسر على عدم ممارسة هذه العادة، فضلا عن إقامة خط هاتفي للإجابة على كل تساؤلات الناس حولها. ولكن كما يوضح وضع الرجال في هذه القرية، فإن التغير الاجتماعي الواسع النطاق في مصر سيكون بطيئا للغاية، إذ ان مصر دولة محافظة ومتدينة تقودها التقاليد الى حد كبير، حتى عندما لا يكون لهذه التقاليد علاقة بتعاليم الدين، سواء بالنسبة للمسيحيين او المسلمين. عملية الختان تجرى للبنات بين سن 7 و13 عاما. وأشارت نتائج مسح اجرته وزارة الصحة المصرية الى ان 96 بالمائة من آلاف النساء المتزوجات والمطلقات والأرامل اللائي شملتهن الدراسة خضعن لعملية الختان، وهو رقم أثار دهشة الكثير من المصريين انفسهم. وقال خبراء انه على الرغم من ان ممارسة ختان البنات منتشرة في دول منطقة افريقيا جنوب الصحراء، فإن المنطقة الأخرى الوحيدة التي يمارس فيها ختان البنات هي منطقة جنوب اليمن.

ويلاحظ الآن ان القوى المعارضة لختان البنات في مصر قد عادت للضغط بقوة. وبعد مرور قرابة قرن من انطلاق اول جهود لمكافحة هذه الممارسة نجحت الحركة في كسر حاجز الحديث حول هذه الظاهرة علنا، ويعتبر هذا تحولا مهما تزامن مع قبول متزايد، رغم محدوديته، للحديث حول القضايا الجنسية في التلفزيون والراديو. ويقول معارضو الختان ان أخبار التلفزيون والصحف تناولت لأول مرة وبالتفاصيل عمليات ختان فاشلة. وتوفيت بسبب هذه الممارسة فتاتان صيف هذا العام، وكان ذلك خبرا على الصفحة الاولى لصحيفة «المصري اليوم» الشعبية. وسيّر الناشطون في حركة مكافحة الختان مظاهرات بسبب حادثتي الوفاة. القوة وراء هذا التعاون بين الحكومة والمنظمات غير الحكومية ورجال الدين ووسائل الإعلام اخصائية علم الانثروبولوجي ماري اسعد، 84 سنة، التي ظلت ناشطة في مكافحة ختان البنات منذ عقد الخمسينات من القرن الماضي. وقالت ماري، وهي تطالع موضوعا كتب عن الختان في صحيفة يومية واسعة الانتشار، انها لم تكن تتوقع ان تظل حية لترى هذا اليوم. وسيصبح ذلك تحديا كبيرا لإقناع الشخصيات النافذة، مثل امام جامع بسيون اسامة محمد المصيري، وهي اقرب مدينة الى المكان الذي كانت تعيش فيه الفتاة وماتت. وقال «هذه العادة انتقلت من جيل الى جيل، ولذا من الطبيعي ان يختن كل شخص ابنته. وعندما يقول علي جمعة انها حرام، هو ينتقد ممارسات ابائنا واجدادنا».

ولكن الحركة ضد ختان البنات قد تطورت وأصبحت على استعداد لهذه المناقشات. وفي البداية كانت ماري اسعد ومجموعة من المثقفين الذين شكلوا قوة عمل يتحدثون مع الجيران، ويصفون العملية بأنها وحشية.

وقالت «في البداية كانا نقدم النصائح ونقول انها خطأ. ولم تنجح. قالوا انها جرت لأمهاتنا وجداتنا، وهم في حالة جيدة».

وقال ان مظهرها ومظهر زملائها كان مثل مثقفي المدن البعيدين عن الحقيقة. ولكن مع مرور الوقت، استفادوا من مساعدات علماء المسلمين والعاملين في مجال الصحة العامة، على أمل التخلص من المفاهيم الخطأ ـ مثل فكرة ان ازالة البظر يحول دون السحاق ـ والارتباط بحياة الناس.

وقالت فيفيان فؤاد المتطوعة في خط مفتوح يرد على استفسارات المواطنين، لمواطن اتصل يسأل عما يمكنه فعله لابنته «الختان عادة قديمة وليست لديها منفعة على الاطلاق. اذا اردت حماية ابنتك، فيجب تربيتها بطريقة جيدة. تربية الطفل هو العامل الرئيسي في كل شيء، وليست تشويه ابنتك».

وتجدر الاشارة الى ان مصر مجتمع ابوي ولكن النساء يمكن ان يلعبن دورا قويا. ولذا فإن ماري اسعد ساعدت في اقناع سيدتين من مجتمع الصفوة، اللائي لم يعتقدن ان العادة منتشرة بهذه الطريقة في الانضمام اليها.

الأولى هي سوزان مبارك زوجة رئيس الجمهورية، وهي شخصية سياسية بصورة مستقلة. والثانية هي واحدة من حليفات سوزان مبارك، وهي مشيرة خطاب رئيسة المجلس الوطني للطفولة والأمومة، وهي وكالة حكومة تساعد على وضع السياسات الصحية والاجتماعية.

وعملت مشيرة خطاب على تنفيذ الاجندة. وقالت «في مجتمع ذكوري يشارك الرجال في الجوانب الدينية التي ترضيهم ويبالغون فيها. اما الجوانب المتعلقة بالمرأة في القرآن، والتي تساعدها فيتجاهلونها».

وهو هجوم على الاسلاميين الذين روجوا لهذه العادة باعتبارها تتماشى والدين، لاسيما ان الحكومة تحاول تجنب مواجهة الشخصيات الدينية المحافظة. وتحاول وضع نفسها قيما على القيم الاسلامية وتهدف الى دعم شرعيتها وتقليل الدعم للاخوان المسلمين.

الا ان المنهج الديني المتعلق بالختان تغير، وهو امر يرجع الفضل فيه الى استراتيجية ماري اسعد بالتواصل مع اشخاص مثل سوزان مبارك وبعض الشابات مثل فاطمة ابراهيم البالغة من العمر 24 سنة، التي ذكرت انها عندما كانت في الحادية عشرة من عمرها، ذكر لها ابواها انها ستذهب لإجراء اختبار دم. وخدرها الطبيب وهو قريب للاسرة وعندما استيقظت لم تتمكن من السير.

وذكرى هذا الحدث لا تزال تطاردها الى اليوم، وعلى الرغم من قولها ان والديها «سيقتلونها» اذا ما عرفوا انها تحدثت، فقد تطوعت في الحركة ضد الختان، على أمل تجنيب نساء اخريات ما تعرضت له.

اتطلع للحديث الى الصغيرات، اللائي سيصبحن امهات خلال عشر سنوات. هذا هو هدف مجموعتي. أتحدث الى الصغيرات. وعندما اتزوج، ان شاء الله، فلن اختن ابنتي».

* خدمة «نيويورك تايمز» شاركت في إعداد هذا التقرير منى النجار من القاهرة

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال