السبـت 06 ذو القعـدة 1428 هـ 17 نوفمبر 2007 العدد 10581
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

وفاة وزير العدل المغربي السابق محمد بوزوبع

ترك حقيبة العدل وهو ليس راضيا تمام الرضى عن التجربة

محمد بوزوبع
الرباط: محمد بوخزار
غيب الموت محمد بوزوبع، وزير العدل المغربي السابق، بعد مضي أقل من شهر على تسليمه الحقيبة التي تولاها لمدة خمس سنوات، إلى رفيقه في الحزب وصديقه في معترك الحياة السياسية العامة، عبد الواحد الراضي، رئيس مجلس النواب السابق، تاركا له منصبا ثقيلا ومثقلا بالمشاكل والصعاب من كل صنف.

فقد أصبح معتادا في الداخل والخارج وصف العدالة المغربية بأنها مريضة بالبيروقراطية البطيئة والمحسوبية وعدم تمتع الجهاز القضائي باستقلال تام عن السلطة السياسية، التي تكيف أحكامه في بعض الأحيان لأغراضها أو لمصالح الدولة العليا، ما يحول من وجهة نظر المنتقدين، دون تدفق الاستثمارات على البلاد، وفرار رجال الأعمال من العراقيل والاجراءات الإدارية العبثية.

لم تكن أمراض العدالة المغربية، على ما في ذلك التوصيف من مبالغة أحيانا، خافية على الوزير بوزوبع، وهو المناضل الحقوقي والسياسي والمحامي المرافع في القضايا والمدافع عن المتقاضين لما يقرب من خمسة عقود. وقبل أن يتحمل أعباء المنصب الذي يصنف في المغرب ضمن وزراء السيادة، كان الوزير يعلم حق العلم، أنه سيمر فوق حقول ألغام، فالوزراء الذين سبقوه، لم ينجحوا تماما، مثلما تمنوا، في تحقيق الإصلاح والتغيير الذي آمنوا به أو اعتقدوا على الأقل، أنه بمقدورهم الوصول إليه. ويمكن القول إن الراحل، غادر المنصب وهو ليس راضياً تمام الرضى عن نفسه، متألما مما لحقه من تجريح لا حدود له، على الرغم من الجهود الإدارية والقانونية المضنية التي بذلها لتأهيل القطاع والرقي بالعدالة في بلاده.

ومن مفارقات السياسة في المغرب، أن تطالب الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والهيئات الحقوقية، بإلغاء ما يسمى مناصب السيادة من الهرم الحكومي، وإسنادها إلى الأحزاب السياسية التي تتشكل منها الحكومات، لكن حينما يتحقق المطلب ويتنازل الحكم، كما كان الحال مع بوزوبع، عضو اللجنة المركزية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فإن هذا الأخير، سرعان ما يتلقى ضربات النقد من جهات كان يفترض أن تسانده، لدرجة أنه عجز حتى عن إقناع رفاقه في حزبه بطريقة تعاطيه مع ملف اختطاف الزعيم اليساري المهدي بن بركة، حيث وجد بوزوبع نفسه مجبرا على التمييز بين انتمائه لحزب كان بن بركة أحد مؤسسيه الأساسيين، وبين التعبير عن الموقف الرسمي لبلاده ما أدى به إلى انتقاد الأسلوب الذي اتبعه القاضي الفرنسي باتريك رماييل، الذي أراد أن يتبع أسلوبا فريدا في تطبيق اجراءات الإنابة القضائية، حينما دخل المغرب بهوية مستعارة للاستماع إلى مسؤولين مغاربة كانوا على صلة ما بأجهزة الاستخبارات التي تحوم حولها الشكوك بالتورط في اختطاف بن بركة.

لم يكن المجتمع السياسي والحقوقي، رحيما بالوزير بوزوبع، الذي من سوء حظه أن كثرت في عهده ملفات الإرهاب التي نظرت فيها عدد من المحاكم المغربية، وأصدرت أحكاما متفاوتة بناء على ما احتوته الملفات من حجج وأدلة، فضلا عن قضايا أخرى تتعلق بحرية الرأي، توبعت فيها صحف ومطبوعات مغربية على خلفية تجاوزات اعتبرتها السلطات الرسمية متعارضة مع مبدأ الحرية، ماسة بمصالح البلاد العليا وأمنها.

وعلى الرغم من أن القضاة هم الذين يصدرون الأحكام، فإن اللوم كان يوجه لبوزوبع وحده، وكأن صفة رئيس النيابة العامة المخولة لأي وزير عدل، كانت تبيح له إطلاق يده في القضاء والتحكم فيه، وبالتالي تحمل أشكال النقد والهجوم.

اتهمت بعض الأحزاب المشاركة في الحكومة الوزير بوزوبع، بالانحياز والكيل بمكيالين، وهو ما خلف في نفسه أشد الألم، الذي كان أرحم من متاعب الداء الذي كان يمزق جسمه وقد اكتشفه قبل سنوات.

سيذكر في سجل بوزوبع أنه المدافع عن القناعات التي آمن بها. لم يصرفه نجاحه في مهنة المحاماة التي التحق بها عام 1962، عن الانخراط الموصول بعمق في معترك النضال الحزبي في أشد الفترات، مؤثرا أداء دوره من خلال مواقع عادية، مثل مجالس البلديات. ولم يعرف عنه أنه طمع بقوة في تبوأ الصدارة من خلال عضوية المكتب السياسي على الرغم من مؤهلاته.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال