الثلاثـاء 17 ذو الحجـة 1429 هـ 16 ديسمبر 2008 العدد 10976
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

النيجر: ثروات باطن الأرض أطلقت حربا مريرة أبطالها الجدد بدو الطوارق في مواجهة الجيش

الصحارى الشمالية تحتوي على أحد أكبر مخازن اليورانيوم في العالم

جبال آير (النيجر): ليديا بولغرين*
حتى العام الماضي، لم يكن أمومون هاليل يعرف سوى استخدام آلة لحقن الحيوانات بالأمصال، ولكن في فصل الربيع استقرت على كتفه بندقية كلاشنيكوف قديمة، يرفعها بمشية مترنحة وعينين تخفيان ابتسامة وسط مقاتلين بملامح قاسية. تردد السيد هاليل، وهو بيطري يبلغ من العمر 40 عاما، في الانضمام إلى حركة تمرد نشبت في دولة تعد من أكثر دول العالم فقرا. وفي الوقت الحالي، ثمة معركة قائمة في الجبال الوعرة والكثبان التي تميز شمال النيجر بين مجموعة من بدو الطوارق، يدعون أن الثروات الموجودة في أراضي أوطانهم تستولي عليها حكومة تعطي لهم مقابلا زهيدا، وبين جيش يقول إن المقاتلين ما هم إلا مهربو مخدرات ورجال عصابات. إنها جبهة جديدة لحرب قديمة من أجل السيطرة على الثروات الكبيرة التي تحملها الاراضي الافريقية، اذ تحتوي الصحاري الشمالية في النيجر على أحد أكبر مستودعات اليورانيوم في العالم، وقد زاد الطلب بعد أن زاد الاهتمام بالطاقة النووية بسبب الاحترار العالمي. وتطوف اقتصادات نامية، مثل الصين والهند، حول العالم بحثا عن الخام الذي يعرف باسم الكعكة الصفراء. وتبني حاليا شركة تعدين فرنسية أكبر منجم يورانيوم في العالم شمال النيجر، وتقوم شركة حكومية صينية ببناء منجم آخر في الجوار. ويمكن أن يغدق اليورانيوم على النيجر أموالا تكفي لانتشالها من خضم الفقر الذي تعاني منه، والذي يتسبب في وفاة طفل من بين كل خمسة أطفال في النيجر دون الخامسة من أعمارهم. ولكن يمكن أن يفضي ذلك الأمر، على النقيض، إلى حرب كارثية تخلف وراءها بلدا أشد فقرا من أي وقت مضى. وقد تسببت الثروة المعدنية في صراعات عدة في مختلف أرجاء أفريقيا على مدى عدة عقود، وسلسلة من أعمال التمرد، الأمر الذي جعل من الكثير من الأفارقة ينظرون إلى الثروات المعدنية على أنها لعنة. وهنا، في منطقة الصحاري، جدد اليورانيوم مشاكل حول الأرض والسلطة، فعلى مدى عدة أعوام، ظل الطوارق يحاربون حكومة يحتقرونها بصورة كبيرة، ولكن هذا التمرد الجديد حمل شكاوى جديدة لأقلية إثنية تدعي أن الحكومة تبدد موارد الدولة بسبب الفساد والإهمال. وقد تمكنت الحركة من الحصول على تعاطف الغربيين، بسبب موقعها الجيد ومتحدثيها اللبقين في أوروبا والولايات المتحدة. كما جذبت الحركة تشكيلة واسعة من المقاتلين، من الرعاة الأميين والطلاب الجامعين وعمال وشخصيات كانت مسالمة في السابق، من أمثال هاليل. ويقول هاليل «هذا اليورانيوم ملك مواطنينا، إنه على أرضنا، ولا يمكن أن نسمح لأحد أن يسرق منا هذا الامتياز».

عندما كان هاليل في المدرسة الثانوية كانت هناك خريطة فرنسية قديمة معلقة على حائط فصله الدراسي، وكان يطلق على الهلال الأخضر الممتد طوال الحدود الجنوبية «النيجر النافع»، وكانت المنطقة الشاسعة ذات اللون الكئيب الممتدة في الشمال، والتي كان يسميها وطنه، يطلق عليها «النيجر الضار». كان درسا صعبا، في السياسة والجغرافيا على السواء، وكانت السلطة بالكامل في يد الحزام الزراعي الذي امتد طوال الجنوب، وكان الرعاة في الشمال بعيدين كل البعد عنها. لم يكن هذا هو الحال على الدوام، حيث صمد الطوارق أمام القمم القاحلة هنا على مدى قرون، وسيطروا على طرق القوافل التي عبرت الصحاري تحمل خيرات أفريقيا، من الملح إلى الرق، وتمكنوا باستخدام سيوفهم وهم يركبون الجمال من تحقيق الثراء عن طريق فرض الأتاوات وأعمال النهب. وفي الوقت الذي ولد فيه هاليل كانت تلك الحقبة قد ولت منذ زمن، وخلال طفولته كان يحلم أن يصبح راعيا لقطيع كبير من الجمال، وكان أبوه قد واجه موجات الجفاف الكبرى التي ضربت البلاد خلال السبعينات والتي أتت على قطيعه. وبعد تفوقه في الدراسة، ذهب هاليل إلى الجامعة في بنين، ولكنه فشل في الحصول على منحة من حكومة النيجر للالتحاق بكلية بيطرية خارج البلاد.

ويقول هاليل: «ليست لدى عائلتي أية علاقات، فإذا لم يكن لك صديق في الحكومة، ستكون فرص الحصول على منحة صفراً».

وبدلا من ذلك، أسس هاليل اتحادا للرعاة لحث هؤلاء المواطنين المشهورين بالنزعة الفردية على التجمع معا لتحقيق مصالح مشتركة. وخلال سفرياته بدأ هاليل يلاحظ توافد الجيولوجيين من فرنسا والصين وكندا وأستراليا يطوفون في أعماق أراضي الطوارق التي تستخدم لرعي الماشية. ويضيف أنه وجد الأعلام الصغيرة، التي تستخدم لتدل على مناطق محتملة للتعدين، تنتشر في كل مكان. يقول هاليل «سألت نفسي: ما الذي سنجنيه نحن الطوارق من هذا؟ فقد كنا نعاني من فقر أكثر وأكثر؟».

وقد كانت جهود هاليل جزءا من موجة من العمل المدني سادت في أفريقيا خلال الخمسة عشر عاما الماضية، حيث أخذت القارة السمراء منحى أكثر ديمقراطية، وتعاني الكثير من الحكومات الجديدة المنتخبة من مشاكل، بسبب أن عدد أكبر من السكان الشباب المرتبطين بالتقنية الحديثة ولأن المواطنين أصبحوا على قدر أكبر من الإطلاع وباتت لديهم رغبة أقل في التسامح مع الفساد الذي نال من الكثير من مقتدرات أفريقيا. وفي فبراير (شباط) 2007، قامت مجموعة من الطوارق المسلحين بشن هجوم جريء على القواعد العسكرية في جبال آير، وولد تمرد جديد. أطلقوا على أنفسهم حركة العدالة في النيجر، ورفعوا بعض المطالب، منها محاربة الفساد، واستفادة سكان كل منطقة من الثروات الموجودة فيها. وعلى عكس ما كانت تشير إليه خريطة المدرسة الثانوية التي درس فيها هاليل من أن أرض الطوارق «ضارة»، تنتج تلك الأراضي اليورانيوم الذي يمثل 70 في المائة من عائدات الصادرات في النيجر، ولكن لا يعود أي من تلك العائدات إلى هؤلاء الذين لم يعودوا يستطيعون الذهاب إلى الأراضي التي كانت تستخدم في رعي الأغنام وعانوا من العواقب البيئية للتعدين، حسب ما يقوله المتمردون. ولمحاربة التمرد، عزلت الحكومة الشمال، وقوضت من اقتصاده، وقد وثّق ناشطو حقوق الإنسان الدوليون تصرفات خطيرة ارتكبها الطرفان، حيث يستخدم المتمردون ألغاما ارضية تتسبب في مقتل جنود ومدنيين، في الوقت الذي يُتهم فيه الجيش بالقيام بعمليات قتل دون إجراء محاكمات واعتقال مواطنين بصورة عشوائية وسرقة الماشية. وبصورة مجملة، قُتل المئات من المواطنين، ورحّل الآلاف عن أراضيهم. وعلى الرغم من أن أعمال العنف والتعدين والاستكشاف ما زالت مستمرة في الأغلب دون توقف، يقول المتمردون إن المسؤولين الفاسدين يسرقون الكثير من الثروات، وقد أُجبر رئيس الوزراء في النيجر على التنحي عن منصبه إثر اتهامه بنهب 237.000 دولار، وفي الصيف الماضي قُدمت ضده لائحة اتهامات. ويقول أغالي ألمبو، رئيس حركة التمرد: «يجب استخدام هذه الثروات لمساعدة المواطنين، وليس الساسة، وإلا كان ذلك بمثابة عملية سرقة».

* خدمة «نيويورك تايمز»

التعليــقــــات
آدم صيام، «هونج كونج»، 16/12/2008
الأزمة السياسية في النيجر والفساد سببه واحد فقط هو فرنسا حيث أنها تستخرج اليورانيوم من منطقة (تاوا) وتحمله إلى باريس ولا يمر ولو بمطار نيامي لتطلع عليه الحكومة التي لم تقو على تجهيز رواتب الجنود لمدة 6 أشهر. وإذا علمنا أن وراء كل وزير نيجري وكيل وزارة فرنسي! وأن العملة تصدر من بنك فرنسا المركزي فلاعجب! النيجر من أكبر 3 دول في العالم لإنتاج اليورانيوم.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال