الثلاثـاء 08 جمـادى الثانى 1422 هـ 28 اغسطس 2001 العدد 8309
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

عرفات يفتقر إلى الاستراتيجية ويعتمد على مجموعة محدودة من المستشارين العائدين من تونس

واشنطن: يزيد صايغ*
رغم بقاء المحددات الاساسية للعلاقات السياسية الفلسطينية ـ الاسرائيلية على حالها، فان بروز ديناميكيات سياسية جديدة على الطرفين يكاد يجعل التوصل الى حل دبلوماسي متين على المدى المتوسط، سنتين الى اربع، امرا مستحيلا. وعلى الاغلب سيتواصل وضع النزاع الراهن من مواجهات منخفضة الحدة على طول بقية العام الحالي، وعلى كل الاحتمالات لعام آخر بعده على الاقل.

ويتحمل ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية القسط الاكبر من المسؤولية على هذه الحالة المتردية، ولو لأسباب اخرى غير التي اشارت اليها المصادر الاسرائيلية الرسمية. وعلى النقيض من وجهة النظر الاسرائيلية، فان تصرفات عرفات منذ بدء الانتفاضة لا توحي بوجود استراتيجية مسبقة تنطلق من اللجوء الى استخدام القوة، بل انها تعكس غياب اي استراتيجية. اذ عكست ادارته السياسية درجة عالية من الارتجال والتقلب السريع في المواقف، وهذا ما يؤكد غياب اي استراتيجية اصيلة او هدف مسبق واضح او خلاف ذلك. كما انجلت الاحداث ايضا عن حد ادنى من الاستيعاب الفلسطيني لكيفية ما قد تحققه طرق سياسية وعسكرية بعينها من نتائج نهائية محددة.

سمحت بداية الانتفاضة لعرفات اللجوء الى تكتيك معروف، بلوره على مر اضطلاعه الطويل بالسياسة، وهو الهروب الى الامام. ولانه ليس بصاحب مبادرة او بالمخطط، التفت عرفات عوضا عن ذلك الى التشبث بالانفجار العرضي لأزمة كبرى او بحدث دراماتيكي للتعمية على والهروب من مأزق استراتيجي، وبعد ذلك يسعى الى تشديد واطالة امد ذلك الحادث كوسيلة لقطف ثمارها لصالحه.

ووفر اندلاع الانتفاضة في خريف عام 2000 مثل هذه الفرصة لعرفات، اذ بدى قتل المتظاهرين الفلسطينيين العزل، وبينهم اطفال، بالنيران الاسرائيلية، فرصة لتقوية وضعه الدولي وبعث الحياة في التأييد العربي. وكان رد فعل عرفات الغريزي هو اطالة امد هذه الفرصة التي كان معناها بلغة صريحة سقوط عدد يومي من الضحايا. وهذا لا يعني انه كان وراء لجوء الفلسطينيين لاول مرة الى اطلاق نيرانهم على القوات الاسرائيلية في الضفة الغربية وغزة، قبل 3 ايام من الانتفاضة، ولكنه يعني انه لحظة استيلاء قلة من النشطاء في بعض المدن الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية على زمام المبادرة فان عرفات لم يقدم على اكثر من اقرار ذلك بالإحجام عن اصدار اوامر داخلية تقضي بوقف اطلاق النار.

ان عرفات يعتمد على الاستشارات السياسية التي تقدمها له دائرة ضيقة من كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية الذين يتفاوتون في جدارتهم، وكلهم تقريبا من «العائدين» من المنفى في تونس. واكثر هؤلاء نفوذا مساعدوه الشخصيون و«حجاب بابه» الذين يسيطرون ليس فقط على مجرد الوصول الى الرئيس، ولكن الحصول ايضا على المعلومات. ولهذا آثار متناقضة، فهو من جهة يفرض على وزراء السلطة وكبار المسؤولين المتمتعين بحرية الوصول الى عرفات تعلم فن «مراقبة عرفات» واستخلاص التوجهات السياسية من سلوكه ونبرة صوته وضبط حدة او اعتدال لهجة تصريحاته العلنية، ومن جهة ثانية فان هؤلاء ينتقدون على نحو متعاظم وفي الخفاء نمط قيادته وقراراته السياسية. ورغم تمتع عرفات باستحقاق انتخابه النزيه كرئيس للسلطة الفلسطينية، فان افتقاده الى الاتصال المباشر مع ابناء شعبه العاديين اضعف قيادته.

وكان لهذا الامر تأثير مباشر على مسار الانتفاضة، ولا يقل اهمية عن ذلك عدم الاهتمام الواضح الذي يبديه عرفات ازاء المسألة الاساسية الاهم التي كانت وراء اندلاع الانتفاضتين عام 1987 وعام 2000 والمتمثلة بالنشاطات الاستيطانية الاسرائيلية. فلم يقتصر الامر على مجرد الاكتفاء بالاشارة الى هذه المسألة باشارات حذرة ومقتضبة خلال التفاوض على الاتفاقيات المختلفة التي جرى التوصل اليها ضمن اطار اتفاق اوسلو، بل ان السلطة الفلسطينية وعلى مر 6 اعوام تركت هذه المسألة، التي تمثل واحدة من اهم الاخطار الحقيقية على الميراث الوطني الذي تسعى الى الحفاظ عليه، الى المصادر الهزيلة للجنة برلمانية وعدد من المنظمات غير الحكومية المحلية. ومن دون مواربة فان المستوطنات كانت بالنسبة لعرفات «بعيدة عن بصره وبعيدة عن عقله».

على نحو مشابه، فشلت السلطة الفلسطينية في التحضير لمعركتها مع اسرائيل والمتمثلة في تأكيد حقها في القدس الشرقية، والتي دائما ما كانت تعرف انها ستحل في يوم ما. وعوضا عن تحشيد وتنظيم سكان مدينة القدس من الفلسطينيين استعدادا لحملة مرتقبة من التظاهر السلمي او العصيان المدني، اختار عرفات العمل على التقليل من مكانة شخصيتهم الاكثر شهرة، فيصل الحسيني، الذي ناضل من اجل الحفاظ على قدر ولو قليل من القيادة والابنية المؤسساتية المتواضعة حتى يوم وفاته في يونيو (حزيران).

وبمقدار ما عكس اللجوء الضار الى السلاح من جانب فتح، الفصيل الاساسي في منظمة التحرير الفلسطينية التي يقودها عرفات، خلال الانتفاضة وجود اتجاهات مرضية في المنظمة السياسية الفلسطينية، فانه عكس ايضا الغضب تجاه اسرائيل. كما انه لا يشبه العمليات العسكرية التي نفذها «حزب الله» اللبناني الذي ادار حملته العسكرية بهدف ارغام اسرائيل على الانسحاب من الجنوب اللبناني وفق مسار سياسي محدد، وتطبيق منضبط للهدف، وتماسك منظماتي واندماج وثيق مع المدنيين والنشاطات الاعلامية. اما الغرض السياسي فمختلف بوضوح في الحالة الفلسطينية، فالأساليب العسكرية هنا موظفة لخدمة هدف عرفات من «ادامة الازمة» ولي الذراع، اكثر منها لطرد الاسرائيليين حرفيا، وهو الامر الذي يفهمه النشطاء الميدانيون.

وربما كان اشد اخطاء القيادة غياب اي جهد متواصل في توجيه رسائل سياسية محددة الى اسرائيل. ولذلك بات الجمهور الاسرائيلي عاجزا عن اجراء جردة حساب ومقارنة الربح والخسارة جراء اعتماد رد فعل من آخر تجاه الفلسطينيين (بما يتباين مع تجربة حزب الله). وتراجع هؤلاء نحو افتراض الاسوء حيال النيات الفلسطينية، مما دفع بالميدان السياسي الاسرائيلي الى اقصى اليمين. ولم يفض ذلك الى مجرد تصلب مواقف الاطراف السياسية الاسرائيلية المختلفة ازاء شروط السلام المهمة، خاصة في ما يتعلق بعودة ولو عدد محدود من اللاجئين، بل باتت الحقوق السياسية ووجود المواطنين العرب الاسرائيليين نفسه موضع تساؤل.

ويتمثل الوجه الآخر للمشكلة في فشل القيادة الفلسطينية في الحديث مع من تقودهم. فحتى الآن لم يفصح عرفات لشعبه مباشرة عن الاهداف الاستراتيجية والتكتيكية للانتفاضة، وهو لم يفعل ذلك حتى مع السلطة الفلسطينية وصفوف «فتح». وهذا يتوازى مع تردد قيادة السلطة عبر المفاوضات في الانخراط بالحوار، سواءا داخليا او علنيا، حيال ما يمكن ان يمثل صفقة مقبولة. ولهذا فان اسلوب عرفات في ادارة العملية السلمية وهو مطبق الشفتين مع تناقض الآراء التي يطلقها كبار المفاوضين الفلسطينيين تركت الرأي العام الفلسطيني غير مستعد لقبول التنازلات الضرورية.

* خدمة «واشنطن بوست» ـ خاص بـ «الشرق الأوسط»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال