الاحـد 26 ذو القعـدة 1422 هـ 10 فبراير 2002 العدد 8475
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

اغتيال عنتر الزوابري زعيم «الجماعة الإسلامية المسلحة» في الجزائر في مسقط رأسه بعد 6 سنوات من الملاحقة وسقوط المئات من الضحايا

مسؤول جزائري: القضاء على «أبو طلحة» يعني سقوط رمز للهمجية وعدد عناصر التنظيم لا يتعدى الآن 40 عضوا

لندن: نادية محديد الجزائر: خضير بوقايلة
استطاعت قوات الامن الجزائرية الخاصة اول من امس القضاء على عنتر الزوابري قائد «الجماعة الاسلامية المسلحة» اشد التنظيمات الاصولية المسلحة في البلاد تطرفا بعد ملاحقة دامت سنوات نسبت اليه خلالها افظع المجازر في البلاد. وأكد مصدر أمني مطلع في اتصال هاتفي لـ«الشرق الأوسط» من لندن القضاء على الزوابري الملقب «ابو طلحة» قبل يومين في بلدية بوفاريك على بعد 25 كيلومترا من العاصمة مع اثنين من رجاله. وعند سؤاله عن سبب ثقة السلطات بأن من قضت عليه هو فعلا الزوابري وليس شخصا آخر، اذ سبق ان صرحت جهات أمنية في يوليو (تموز) 1997 بأنها قضت عليه في عملية مشابهة في حطاطبة (قرب العاصمة)، قال «لقد كنا نلاحقه ولم نعلن عن خبر وفاته حتى تم التأكد فعلا من ذلك»، مضيفا «هذه المرة، ليس هناك ادنى شك في اننا قضينا عليه». وقال المتحدث انه كان بحوزة القتلى وثائق وخرائط مهمة. واراد المصدر ان يصحح ما نقلته وكالة الانباء الجزائرية وما تناقلته عنها الوكالات الدولية، من ان عملية اغتيال الزوابري في بوفاريك لم تكن من باب الصدفة، بل خضعت الى تحقيق ومتابعة سرية ضيقة لتحركاته خلال الايام الماضية، الى ان حان وقت مداهمته في بيت كان يلجأ اليه مع مقربين منه. وللعلم فان اختيار الزوابري الاستقرار خلال الايام الماضية في بوفاريك عن غيرها، املاه الموقع الاستراتيجي للمدينة الذي سمح «لأمير» الجماعة الاصولية، التي ورد اسمها في كافة قوائم التنظيمات الارهابية الملاحقة والمحظورة في العالم، خصوصا بعد احداث سبتمبر (ايلول) الماضي في الولايات المتحدة، باستخدامها كمركز وصل بين مراكز نشاطه في ولايات ما اصبح يعرف خلال حقبة التسعينات بـ«مثلث الموت» ـ الاربعاء والمدية والبليدة ـ وسعيه للانتشار مجددا في احياء العاصمة التي عاد هاجس القنابل اليدوية والمتفجرات يخيم عليها ويزعزع استقرارها، بعد ان كانت قوات الامن قد نظفت احياءها بحلول عام 1997 من كافة خلايا «الموت» التابعة للتنظيم. ويبدو، حسب مصادر صحافية في عين المكان، ان البيت الذي لجأ اليه الزوابري يملكه المدعو بومدين سين باد، وهو الاخ الصغير لأحد «امراء» الجماعة سابقا، فضلا عن كونه هو شخصيا أحد المستفيدين قبل سنتين من قانون الوئام المدني. وتهافت العشرات من الصحافيين منذ صباح امس على مختلف مراكز الامن في بوفاريك والبليدة لرؤية جثة هذا «الشيخ الذي قتل اكثر من مرة». وحرصت قيادة الجيش على ان يأتي تأكيد خبر مقتل الزوابري على لسان قائد الناحية العسكرية الاولى الجنرال ابراهيم فضيل الشريف، الذي كان في استقبال الصحافيين ليقدم لهم بعض تفاصيل وظروف العملية قبل ان يرافقهم الى مصلحة حفظ الجثث بمقر قيادة الناحية العسكرية الاولى، وكان اول كلام قاله الجنرال: «اننا نعلن لكم رسميا عن سقوط المجرم الكبير عنتر الزوابري. لقد تمكنا بعد تحريات شاقة بمساعدة بعض المواطنين من وضع حد للاعمال الاجرامية لهذا الانسان، بل هذا الحيوان». ويضيف الضابط السامي، الذي كان قبل سنوات قد كلف ملف مكافحة الارهاب على مستوى وزارة الدفاع، ان قوات الامن تلقت «معلومات تفيد انه موجود في مدينة بوفاريك، وقد قمنا بعملية سريعة جدا اسفرت عن مقتله مع اثنين من رجاله». ويعتبر الزوابري «الامير» السابع في ترتيب «الامراء» الذين تعاقبوا على قيادة التنظيم المسلح، الذي يختلف الكثيرون في تحديد تاريخ تأسيسه. اذ هناك من الباحثين من يعزو تأسيس «الجماعة الاسلامية المسلحة» الى الفترة ما بين يونيو (حزيران) 1991 و1992 بعد توحيد المجموعات التي كانت تعمل تحت قيادة المدعو منصور ملياني (أحمد الواد) والعناصر الافغانية وجماعة «التكفير والهجرة» وعناصر جماعة محمد علال وعبد الحق لعيادة (ابو عبد الحق)، الذي سلمته السلطات المغربية للجزائر عام 1993. أما آخرون فيعيدون تاريخ تأسيسها الى مطلع الثمانينات، اي الى فترة نشاط الجماعة التي كان يقودها المدعو مصطفى بويعلي، اذ سجل عندها الهجوم على مدرسة الشرطة بالصومعة والاستيلاء على الاسلحة في 27 اغسطس (آب) عام 1985 وغيرها من العمليات المسلحة ضد مراكز مدنية واخرى عسكرية. وهكذا، تنتهي «الامارة» الدموية للزاوبري والتي بدأت عام 1996 خلفا لجمال زيتوني (ابو عبد الرحمن الامين) الذي تولاها من سبتمبر (ايلول) 1994 الى يوليو (تموز) 1996 وكان يلقب بالسفاح، نظرا لابتكاره استراتيجية التصعيد الامني بالسيارات الملغومة والانفجارات التي شهدتها العاصمة الفرنسية واختطاف الطائرة الفرنسية، تلك الحادثة، التي ادت الى «مقاطعة» العديد من شركات الطيران العالمية للجزائر الى يومنا هذا، بما فيها الخطوط الجوية الفرنسية. وتعد عملية اغتيال الزوابري ضربة اساسية للتنظيم الاصولي المتشدد في الجزائر، وقد تؤدي بحسب مصادر مطلعة الى امر من اثنين «اما حدوث زعزعة ما تبقى من هياكله ومن ثم تلاشيه واضمحلاله بعد وقت قصير واما ان يمر تحت «امارة» جديدة الى استراتيجية ارهابية، ربما ستختلف عن الجاري العمل بها». وزارت «الشرق الأوسط» صباح امس مكان وقوع الاشتباك وكانت رائحة الدخان وآثار الرصاص على جدار ونوافذ البيت ظاهرة، وتلاميذ المدارس كانوا مجتمعين هناك يبحثون عن طلقات فارغة للرصاص المستعمل في العملية وبعض رجال الشرطة يحرسون المكان عن قرب، لكن كل من سئلوا هناك كانوا يجهلون ان واحدا من الذين قتلوا هو الزوابري بعينه». وكانت علامات الدهشة بادية على وجوه المارة اذ علق احد الجيران «هذا على الاقل نبأ مفرح، ألا تعلمون انه بمثابة اسامة بن لادن في الجزائر». وتصادف توقيت الهجوم مع توجه شباب المدينة الى ملعب مجاور ليتابعوا مباراة في كرة القدم لفريقهم المحلي. غير ان طلقات النار التي تبادلها الطرفان، لمدة ساعات دفعت جمهور الملعب الى الفرار من المدرجات، واضطر حكم المباراة الى وقفها. واعرب مسؤول جزائري بارز لـ«الشرق الأوسط» عن ارتياحه لسماعه خبر القضاء على الزوابري قائلا «لقد سقط رمز للهمجية، وسقوطه ستكون له حتما انعكاسات ايجابية على الكثير من الناس، على الاقل على معنوياتهم، واقصد خصوصا عائلات ضحايا المجازر التي استهدفتهم فأصيبوا في ذويهم واقاربهم واجسادهم». وتوقع المصدر ان يكون الرجلان الآخران اللذان قتلا ايضا في العملية مقربين جدا من الزوابري «فعندها تكون قوات الامن لم تقض على الزوابري فقط بل على عضوين اساسيين في تنظيمه». ورغم ان هذا المسؤول لم يتوقع ان تتوقف العمليات الاجرامية في حق المدنيين، مباشرة بعد مقتل الزوابري الا انه اكد ان عدد عناصر «الجماعة الاسلامية المسلحة» لا يتعدى حاليا في اكثر تقدير 40 عنصرا. وقال «ان مغادرة الزوابري للجبال ولجوءه للاختباء في المدينة، علامة اساسية على اضمحلال خلاياه، وهذه اشارات معروفة في عمل مثل هذه التنظيمات». وكشف المسؤول انه منذ ان تمكنت قوات الامن من اصابة الزوابري بجروح خطيرة في هجوم شنته ضد معاقله قبل 3 سنوات، استطاعت ان تحطم مركزين للاتصال عبر الاقمار الصناعية، كان يجري مع عناصر تابعة للجماعة في العاصمة البريطانية، وأضاف المسؤول عندها «بدأت نهايتها». واشار خبير بريطاني في مكافحة الارهاب قبل ايام في تصريح لـ«الشرق الأوسط» الى ان الدراسات اثبتت ان متوسط حياة التنظيمات المتطرفة لا يتجاوز 13 عاما، الامر الذي دفع المصدر الجزائري الى التفاؤل بقرب نهاية الهجمات التي يتعرض لها الجزائريون في الارياف. ويرى هذا الخبير أن الخلايا التابعة لتنظيم أسامة بن لادن «القاعدة» والناشطة دوليا لا تعترف باسلوب الجماعة الاسلامية المسلحة، ومن ثم لا يتوقع ان تلقى اي نوع من التحالف او المساعدة على عكس «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» التي ستتحول الى هاجس السلطات الجزائرية نظرا لاتصالاتها وعلاقتها الوطيدة منذ سنوات مع بن لادن. وفي حين نفى المسؤول الجزائري وجود تعاون اميركي جزائري للقضاء على «امراء» الجماعات المتطرفة في البلاد، فان مصادر اخرى تشير الى وجود هذا النوع من التعاون، خصوصا في مجال استخدام الجزائر للمعلومات المستقاة من عمليات التنصت بواسطة الاقمار الصناعية (الاميركية). وقال المسؤول، «بأن الخطأ القاتل الذي وقع فيه الزوابري هو لجوؤه مجددا الى العاصمة التي حاول ان يزرع فيها القنابل، الامر الذي سهل مهمة تعقب خطواته وتحركات عناصره ومن ثم التوصل للقضاء عليه.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال