الاربعـاء 22 جمـادى الثانى 1427 هـ 19 يوليو 2006 العدد 10095
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

اللبنانيون النازحون يتدفقون إلى المدارس والنوادي والمساجد والكنائس

تقديرات بوجود 60 ألف نازح حتى الآن.. والجميع يشترك في المساعدة رغم الاختلافات

بيروت: انتوني شديد
بدأت الاسر في الوصول الى مدرسة شكيب ارسلان الثانوية قبل عدة ايام بالسيارات والباصات، من الاحياء التي تعرضت للقصف في بيروت وجنوب لبنان. وكان عددهم محدودا في البداية، ليس معهم الا الملابس التي يرتدونها. وبحلول يوم الاثنين بلغ عددهم الف شخص. ويحملون معهم ملاءات ومراتب يضعونها على البلاط المترب، لتصبح قطعة الارض الصغيرة في حوش المدرسة ملجأ لهم.

وقال حسن عبد الله «ليس من طريقة بالنسبة لأي منا لمعرفة أي شيء». واضاف الشاب البالغ من العمر 24 سنة، الذي حوصرت امه وشقيقاه في الجنوب «لا اعرف أي شيء عنهم».

وفي 6 ايام من الغارات الاسرائيلية، التي اعقبت احتجاز حزب الله لجنديين اسرائيليين في غارة عبر الحدود، نزح اكثر من 60 الف لبناني من مساكنهم، وهو تقدير يعترف المسؤولون بأنه محافظ. وقد اثرت تلك الهجرات على البنية التحتية اللبنانية الضعيفة اساسا. فقد تدفق المهاجرون على المدارس والنوادي والمساجد والكنائس في العاصمة وفي المناطق الجبلية. وفي حرب يعتقد العديد من اللبنانيين انها ستستمر لاسابيع او شهور، وربما لفترة اطول، فإن المجهول هو الذي يثير اكثر المخاوف.

وقال عبد الله، الذي كان في المدرسة مع شقيقه، في اشارة الى اسرته «ندعو الله ان يحفظهم». واضاف صديقه ايمن غنام «ربنا يحميهم».

وقد ادى النزوح، الى تعميق الانقسامات الطائفية المتعددة: ففي المدرسة الثانوية تشاجرت اسرة سنية مع اخرى شيعية حول رأيهما في حزب الله والنزاع. ولكن في حملة تبلورت قبل يوم، اجتمعت الاحزاب التقليدية معا ـ الدروز والمسيحيون والسنة ـ لتقديم الطعام والملاذ والاغطية والملابس. ووجهت محطات الاذاعة نداءات لتقديم المساعدات للاجئين، بينما بثت محطات التلفزيون اشرطة (مثل التي تذيع الاخبار) تطالب بالتبرعات. وفي الوقت نفسه بعث الناشطون للاصدقاء برسائل نصية عبر الهاتف الجوال يطالبونهم بالمساعدة.

وذكر ربعي بشور، الذي يساهم في تنسيق الجهود مع عدد من اصدقائه في مدرستين في بيروت يقيم فيهما 750 شخصا «لقد كانوا يتشاجرون واصبحوا الان ينسقون جهودهم. هذا هو جوهر القضية. في لبنان، تتبلور الوحدة عندما لا يتعلق الامر بالسياسة. وما يحدث لا يدور حول السياسة، بل هو حول دولة تمر بمثل ما نمر به الآن».

وقد تمكن بشور مع عدد من الاشخاص، بعضهم يعمل في منظمات العمل الاجتماعي من المساهمة في توزيع اكثر من 400 علبة تحتوي على خبز وجبن وتونة ولحوم معبأة وحليب الى الاسر النازحة، مثل اسرة عبد الله. وقد اعتمدوا على التبرعات: فقد اتصل صديق وقال انه في طريقه ويحمل 200 رغيف في سيارته. وبالنسبة للاطفال فقد احضروا لهم حفاظات وطعاما وحليب اطفال. وقدم مستشفى متنقل تابع للجامعة الاميركية في بيروت الخدمات الطبية.

وخلال عملهم تبث محطات التلفزيون التقارير عن وقوع المزيد من الضحايا: ففي هذا اليوم قتل 10 مدنيين، عندما قصفت دبابة اسرائيلية سيارتين خلال عبورهما لاحد الجسور.

وفي الوقت الذي اختلفت فيه الاحزاب اللبنانية اختلافا كبيرا حول الحرب نفسها، فإنهم اجتمعوا معا لمساعدة النازحين، وهم اساسا من الشيعة الفقراء، قاعدة حزب الله. فقد كان انصار ميشيل عون الزعيم المسيحي، الذي دخل في تحالف تكتيكي مع حزب الله، هم اكثر المتطوعين نشاطا. ولكن حتى الاحزاب المختلفة اختلافا كبيرا مع حزب الله، مثل الدروز الذين يتزعمهم وليد جنبلاط ـ قدموا مساعدات في تجمعاتهم في المناطق الجبلية في الشمال.

وقال غسان محمود، وهو من انصار حزب الله في باروك في الشوف، حيث لجأ اكثر من 800 شخص الى 40 مدرسة في المنطقة، «عند الشدائد يتضامن الناس».

وكان حسين يمان قد غادر قريته بالقرب من صور يوم الخميس، بعدما سقط صاروخ على بعد 50 ياردة من منزله. وقال يمان «ربما لا يزال ربنا يتولانا برعايته». وكان حسن قد توجه اولا الى بيروت الغربية ولكنه شعر بأنها قريبة للغاية من القصف، وكان اولاده يسمعون ازيز الطائرات. وبعد يوم انتقل وولداه وهما في الثالثة والسادسة من عمريهما الى شرق بيروت. وشعر مرة اخرى بأنهم قريبون من القصف. ومن هناك ذهب الى جبيل، وهي مدينة مسيحية ساحلية شمال بيروت، حيث انضم الى 180 شخصا في المدرسة الاعدادية في المدينة. وقال حسين «كنا محظوظين لعدم اصابتنا».

وكانت زجاجات المياه موضوعة امام الباب، بالاضافة الى عبوات مياه احضرتها البلديات المحلية. وقد مدت المراتب الاسفنجية على الارض في الفصول الدراسية، حيث تشارك فيها احيانا ثلاث او اربع، بل وخمس اسر. وتعلق المناشف على النوافذ. وكان يمان غاضبا بسبب نزوحه في رحلة ليست من اختياره. وكان اكثر غضبا من خسائر الحرب.

وقال «يمكننا التعمير مرة اخرى. هذه ليست المشكلة. المشكلة هي الاطفال، فكلما تسمع ابنتي اصوات طائرة تبدأ في البكاء. ما ذنبها؟ ما الخطأ الذي يرتكبه الاطفال والاخرون؟». وخلال حديثه كان يزداد غضبا وبدأ جسده في الارتجاف. واضاف «متى تعتقد ان هذه الحرب ستنتهي؟ متى ستتوقف؟ هذا هو السؤال».

وفكر في شقيقه عبد الله الذي لا يزال في القرية القريبة من صور. «ربما مات لا ادري».

ومخاوف النازحين ناجمة عن ذكريات حادثتين. الاولى هي قانا، البلدة التي لقى فيها 100 مدني مصرعهم، عندما قصفت القوات الاسرائيلية موقعا لحفظ السلام تابعا للامم المتحدة في 18 ابريل (نيسان) 1996، خلال معركة بين حزب الله واسرائيل. والحادثة الثانية كانت مرواحين حيث قتل 16 مدنيا على الاقل في الاسبوع الماضي، عندما هاجمت القوات الاسرائيلية سيارتين خارج القرية. وهذه الذكريات تبرر الهرب، وهو ما يخلق احساسا بالذنب في التخلي عن مساكنهم واضطرارهم للبحث عن ملجأ. وقال يمان «يمكن ان نتعرض لمرواحين اخرى».

وفي حي شكيب ارسلان قدم الناشطون اكثر من الف علبة تحتوي على ارز وحساء ودواجن وخبز وجبن الى النازحين، كلهم تقريبا من الاحياء الشيعية في الجنوب. التي تعرضت لمعظم القصف الاسرائيلي في بيروت. ووصف محمد غالي وهو واحد من الناشطين الامر بقوله «فوضى!». وفي ركن من الغرفة نصبت خيمة صغيرة حيث كان يعد الشاي. وعند أحد الجدران جلست امرأة عجوز وهي تقرب الراديو من أذنها، بينما ملامح التوتر والألم على محياها، لتستمع الى أخبار الوطن.

وقال غنام وهو يؤشر الى الأرضية «نحن ننام هنا على الأرض».

وقال عبد الله «هذا ما جلبته معي»، ساحبا بنطلون الجينز وقميصا برتقالي اللون مطرزا بكلمات، مشيرا الى أنه يغسلهما كل مساء ويعلقهما ليجفا فيرتديهما في اليوم التالي. ثم ادار وجهه.

قال «انظر الى الأطفال» بينما كانت طفلة تغسل الأرضية بالماء والصابون ومكنسة مهترئة.

وكانت أم عبد الله واثنان من اشقائه قد غادروا حي بيروت في بير حسن لزيارة مرواحين الأسبوع الماضي. كانت رحلة غالبا ما يقوم بها اللبنانيون لقضاء جزء من الصيف في قريتهم الأصلية. وكان عبد الله قد سمع بأنباء مقتل 16 شخصا، بينما كانوا يحاولون الفرار. ونقل وآخرون القصص حول 100 من القرويين الذين كانوا يبحثون عن مأوى لهم قريب من مخفر للأمم المتحدة، ولكنهم ردوا على أعقابهم. وانتشرت الاشاعات التي تقول ان جامع القرية دمر والبيوت تحولت الى ركام ولم يبق الا الرعاة بعد ان أمرت اسرائيل باجلاء المدينة.

وقالت رباب حمادي (27 عاما)، التي كان جداها محمد وحسنة الحاج، وكلاهما في الثمانين من عمره، في قرية أخرى قريبة من مرواحين، قالت «أتمنى لو أنني أستطيع الذهاب بطائرة هليكوبتر أو اية وسيلة اخرى لجلبهم الى البيت. ولكنني أعرف ان ليس بوسعي القيام بذلك».

وحاولت الوصول اليهم بالهاتف الجوال، ولكن بسبب انقطاع الكهرباء في اجزاء من الجنوب لم يكن بوسعهم اعادة شحن البطاريات. كما ان الخطوط الأرضية كانت معطلة. وتعاني جدتها من ارتفاع في ضغط الدم، وتخشى ان أن يشح دواؤها.

وقالت بصوت حزين «أريد أن أعرف ما اذا كانا على قيد الحياة أم لا. أليس ذلك من حقي؟».

وبينما كانت تتحدث حدث اضطراب في الزاوية وأصوات ألم وغضب. فقد اندفع اصدقاء نحو عبد الله وشقيقه علي، وقد تحرك كلاهما بعفوية. وامسكهما الأصدقاء ثانية وحاولا اجلاسهما.

وقال عبد الله «لماذا؟» وصرخ شقيقه «يا الهي».

فقد جرت قبل قليل قراءة اسماء الضحايا من مرواحين، واحدا بعد الآخر، في جهاز تلفزيون موجود في الملجأ. وكانت أم عبد الله واثنان من أشقائه من بين الضحايا. وابتعد صديقه غنام وهو يهز رأسه.

وقال «لا نستطيع ابلاغ شقيقتيه. لا نريدهما ان تعرفا».

عاد غنام بنظره الى صديقه وكان ما يزال يبكي، وقال «ما من سبيل للعودة الى البيت».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال