ليبرمان للأسد: عندما تقع حرب جديدة لن تخسرها فقط.. بل ستخسر السلطة أنت وعائلتك

الخارجية الأميركية لـ «الشرق الأوسط»: نعمل على استئناف فوري للمفاوضات على كل المسارات.. ويجب ضبط النفس > مبعوث فرنسي: سورية تتحدث عن السلام وليس عن الحرب

دبابة مدمرة في هضبة الجولان السورية التي احتلتها إسرائيل في حرب يونيو (حزيران) عام 1967 (أ.ب)
TT

وسط تصعيد في اللهجة بين سورية وإسرائيل، حذر وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الرئيس السوري بشار الأسد من أنه «سيخسر الحرب والسلطة» إذا ما شن حربا على إسرائيل. وقال وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان إن «رسالتنا يجب أن تكون واضحة للأسد: عندما تقع حرب جديدة، لن تخسرها فقط بل ستخسر السلطة أيضا، أنت وعائلتك».

وأدت تصريحات ليبرمان إلى ردود فعل فورية، فقد رأت أوساط سياسية سورية التصعيد الإسرائيلي وتهديد ليبرمان في إطار احتمالين «إما أنها رسائل موجهة للداخل الإسرائيلي» أو «للتغطية على عدم قدرة الحكومة الإسرائيلية الحالية على الالتزام بمتطلبات عملية السلام العادل والشامل»، فيما حمل حزب كديما المعارض، بشدة على حكومة بنيامين نتنياهو، متهما إياها بأنها «تلعب بالنار». وقال بيان كديما أمس «بغياب زعامة سياسية واضحة، يتلاعب كل وزير في الحكومة بدون مسؤولية من خلال إطلاق تهديدات باندلاع حرب شاملة». بينما دعت واشنطن كافة الأطراف «إلى ضبط النفس وعدم اتخاذ أي خطوات من شأنها أن تزيد صعوبة المفاوضات». وقالت وزارة الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط» إن واشنطن «تعمل بجد لإعادة استئناف مفاوضات السلام فورا على كل المسارات» بما في ذلك المسار السوري – الإسرائيلي، مشددة على أنه «ما زالت هناك قضايا عالقة محل قلق مع السوريين وأن السفير الأميركي الجديد، روبرت فورد، سيبدأ فور أن يتم التصديق عليه من قبل مجلس الشيوخ بحث القضايا المثيرة للقلق مع السوريين». وجاءت تصريحات ليبرمان بعد يوم من تأكيد السوري بشار الأسد أن إسرائيل «غير جادة في تحقيق السلام لأن كل الوقائع تشير إلى أن إسرائيل تدفع المنطقة باتجاه الحرب وليس باتجاه السلام»، بينما قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم موجها كلامه لقادة إسرائيل «كفى لعب دور الزعران في المنطقة، مرة يهددون غزة وتارة جنوب لبنان ثم إيران والآن سورية»، محذرا تل أبيب من «اختبار عزم سورية»، ومن مغبة شن أي حرب على سورية لأنها في هذه الحالة ستتحول إلى «حرب شاملة» لن تسلم منها المدن الإسرائيلية، على حد قوله.

وأتى كلام الوزير السوري ردا على سؤال حول التصريحات التي أدلى بها وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك مساء الاثنين أمام مسؤولين عسكريين كبار. وقال باراك آنذاك بحسب مكتبه «في ظل عدم التوصل إلى اتفاق سلام مع سورية، قد نجد أنفسنا في مواجهة عسكرية يمكن أن تؤدي إلى حرب شاملة».

ورد وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان على التصريحات السورية بتصعيد أمس، قائلا إن سورية إذا دخلت حربا مع إسرائيل فإنها ستخسرها كما سيخسر الرئيس السوري السلطة هو وأسرته. وقال ليبرمان أمام منتدى رجال الأعمال في جامعة بار إيلان، «أقوال الأسد.. هي بمثابة تغيير لقواعد اللعبة بشكل دراماتيكي، وتهديد مباشر وتجاوز للحدّ.. فلا يمكن أن نمرّ مرور الكرام على ذلك لأنه هدد إسرائيل مباشرة، ومغزى كلامه أنه في حالة إقدام حزب الله على مهاجمة إسرائيل وقيام إسرائيل بالرد فإن سورية ستخوض الحرب وتهاجم إسرائيل ومدنها». وأضاف ليبرمان «يجب أن تكون الرسالة الموجهة من إسرائيل إلى الأسد واضحة: في الحرب القادمة، إنك لن تخسر الحرب فحسب بل السلطة أيضا.. أنت وعائلتك..لا أنت ولا عائلة الأسد ستبقى في السلطة». واتهم ليبرمان الأسد بأنه «لا تهمه أرواح الناس ولا القيم الإنسانية، وإنما يهتم بالسلطة فقط». ومضى يقول «رسالتنا لهم هي: حتى الآن لم يكن هناك تلازم بين خسارة الحرب وخسارة السلطة، فجمال عبد الناصر (الرئيس المصري الراحل) خسر الحرب غير أنه بقي في السلطة، وكذلك حافظ الأسد خسر الحرب وبقي في السلطة، لكن الآن يجب على بشار الأسد أن يدرك أنه إذا كان ينوي أن يستفزّ إسرائيل أو يهددها بالحرب فإن الأمر لن ينتهي بخسارة المعركة في ساحة القتال فحسب، بل بخسارة السلطة هو وعائلته». وأردف «آمل أن يتم استيعاب هذه الرسالة في دمشق جيدا». وزاد ليبرمان قائلا «من الخطأ الاعتقاد بأن تقديم تنازلات إقليمية سيؤدي إلى عزل سورية عن محور الشرّ، بل يجب إفهام الجانب السوري بأنه يتعين عليه التخلي عن المطالبة بإعادة هضبة الجولان إليه مثلما كان تخلى عن حلم سورية الكبرى». وأثارت تصريحات ليبرمان استياء في إسرائيل، فندد النائب شاؤول موفاز من حزب المعارضة الرئيسي كديما (وسط) بالتصريحات «غير المسؤولة» التي تهدد بإثارة «تصعيد كلامي، وربما أكثر». أما النائب العمالي إيتان كابيل فحث نتنياهو على إقالة وزير خارجيته الذي وصفه بأنه «مثير للحرب وبلا شرف ولا حكمة».

ووجه رسالة لنتنياهو، جاء فيها، «بدلا من تهدئة الخواطر تعمل إسرائيل الرسمية على تأجيج النار. ويجب عليك التعالي فوق مشكلاتك السياسية وإبداء المسؤولية تجاه مستقبل الدولة التي أنيطت بك مهمة الحفاظ عليها، إن إسرائيل أقوى من التفوهات الملتهبة وعديمة المسؤولية من قبل من يترأسونها». ودعا زعيم حركة «ميريتس» المعارض، النائب حييم أورون، نتنياهو إلى تنحية ليبرمان من منصبه قائلا: «يجلس في وزارة الخارجية وزير حرب حوّل الدبلوماسية الإسرائيلية إلى صناعة إثارة الفتن». أما النائب طلب الصانع فدعا إلى «لجم ليبرمان» واصفا إياه بـ«ثرثري خطر من شأنه أن يورط المنطقة في حرب شاملة».

وسعى مكتب وزير الخارجية الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد ساعات إلى تخفيف حدة النبرة فأعلن أن نتنياهو تحدث إلى ليبرمان في موضوع سورية. وأكد مكتب نتنياهو في بيان أن «الرجلين يريدان التأكيد على أن سياسة الحكومة واضحة: إسرائيل تريد السلام والتفاوض مع سورية بدون شروط مسبقة». وتابع «في الوقت نفسه، سترد إسرائيل بقوة وتصميم على أي خطر يتهددها».

وردا على التلاسن المتصاعد بين سورية وإسرائيل، قالت وزارة الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط» إن واشنطن «تعمل بجد لإعادة استئناف مفاوضات السلام فورا» على كل المسارات، وأنها «تتوقع من جميع الأطراف ضبط النفس وعدم اتخاذ أي خطوات تجعل المفاوضات أصعب». وحثت واشنطن الدول المعنية على «اتخاذ خطوات لتهيئة الظروف للاستئناف الفوري للتفاوض وإنجاحه ووضع حد للصراع». وأوضح مسؤول بالخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط» أن «قرار عودة السفير الأميركي لسورية هو مثال ملموس على التزام الإدارة الأميركية لاستخدام كافة الوسائل، بما في ذلك الحوار - لمعالجة مخاوفنا. هذا القرار يعكس أيضا اعتراف إدارة أوباما بالدور المهم الذي تلعبه سورية في المنطقة، ويحدونا الأمل في أن الحكومة السورية سوف تلعب دورا بناء في تعزيز السلام والاستقرار. كما أن قرار إعادة السفير يخدم مصالح الولايات المتحدة في أن يكون لواشنطن صوت مسموع في دمشق، ممثلا للرئيس الأميركي ووزيرة الخارجية الأميركية». وشدد المسؤول الأميركي على أن واشنطن تعمل بجد لاستئناف مفاوضات السلام على كل المسارات وفي أقرب وقت ممكن. وتابع: «الولايات المتحدة تعمل بنشاط من أجل التوصل إلى سلام شامل في الشرق الأوسط، يضم إسرائيل والفلسطينيين، وإسرائيل وسورية، وإسرائيل ولبنان من أجل إقامة علاقات طبيعية بين كل الدول في المنطقة. الولايات المتحدة تعمل جاهدة لاستئناف المفاوضات»، بدون ذكر المزيد من التفاصيل. وفيما يرفض المسؤولون بالخارجية الأميركية تأكيد الحديث عن وساطة مباشرة تقوم بها واشنطن في الملف السوري في الأشهر القليلة المقبلة، قالت مصادر أميركية مطلعة في واشنطن لـ«الشرق الأوسط» إن واشنطن تريد الانخراط المباشر في الحوار مع السوريين، وإذا انطلق مسار التفاوض بين سورية وإسرائيل، فإن واشنطن ستكون على الأرجح هي الوسيط بين الطرفين. وجدد المسؤول بالخارجية الأميركية حديث واشنطن عن «قضايا عالقة مع سورية بسبب أفعالها في المنطقة. ونتوقع من سفيرنا، فور أن يصدق عليه مجلس الشيوخ أن يعمل مع السوريين لحل تلك القضايا محل القلق». وفي دمشق قالت مصادر سورية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن التصعيد قد يكون رسائل موجهة للداخل الإسرائيلي أو للتغطية على عدم قدرة الحكومة الإسرائيلية الحالية على الالتزام بمتطلبات عملية السلام العادل والشامل، وأنه في الحالتين يؤكد أن «الحكومة الإسرائيلية الحالية غير قادرة على الإيفاء بمتطلبات السلام وفق قرارات الشرعية الدولية». لذلك رأت المصادر في التصعيد الإسرائيلي تأكيدا جديدا على أن «إسرائيل غير جادة في تحقيق السلام».

أما بالنسبة لاحتمال شن إسرائيل حربا على سورية، فقالت المصادر إن «سورية لم تستبعد يوما هكذا احتمال وإسرائيل دولة عدوة وتحتل أراضي عربية وسورية، وكانت دائما تضع عراقيل أمام تقدم عملية السلام، لذلك فإن سورية، كما تدعو لتحقيق السلام العادل والشامل، تستعد دائما للدفاع عن نفسها فهي لن تقف مكتوفة الأيدي في حال شُنت حرب عليها». غير أن محللين أشاروا إلى أن هذا التصعيد الكلامي لن يؤدي إلى نزاع مفتوح. وقال البروفسير في معهد موشيه دايان في جامعة تل أبيب، إيال زيسر، «كل هذا من قبيل إثبات مواقف وسيهدأ في يومين أو ثلاثة، فلا إسرائيل ولا سورية ترغب في اندلاع حرب». وأضاف الخبير في الشؤون السورية أن باراك «أخطأ التعبير، وأساء السوريون تفسير تصريحاته، التي كان هدفها داخليا وهو إقناع نتنياهو باستئناف المفاوضات مع سورية». كما يشار إلى شخصية وزير الخارجية الإسرائيلي المثيرة للجدل. وقال المحلل السياسي في الجامعة العبرانية في القدس، موشيه ماعوز، «إسرائيل بلد غريب يتكلم وزير خارجيته كوزير للحرب، فيما يتكلم وزير الدفاع كوزير سلام».

وتابع موعاز محذرا أن «ليبرمان تورط في استفزاز خطير فيما تحاول إسرائيل تصوير نفسها كبلد يطمح إلى السلام. ليبرمان يخرب كل شيء، وهذا كارثي، لأن تصريحاته لا يمكن إلا أن تعزز نظرية المؤامرة لدى السوريين».

من جهة اخرى أكد فيليب ماريني، مبعوث الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، في بيروت أمس أن سورية «تسعى إلى السلام وليس إلى الحرب».

وقال ماريني، عضو مجلس الشيوخ الفرنسي الذي زار دمشق وبيروت: «سمعت الجانب السوري يجدد رغبته في استئناف الوساطة التركية» بين سورية وإسرائيل.

وكلف نيكولا ساركوزي ماريني بمهمة القيام بمشاورات حول سورية، وقال ماريني للصحافيين حسب وكالة الصحافة الفرنسية: «سمعت عن السلام الثنائي مع إسرائيل أكثر منه عن الحرب»، ردا على سؤال حول التصعيد الكلامي بين سورية وإسرائيل.

والتقى ماريني هذا الأسبوع في دمشق الرئيس السوري بشار الأسد، ثم توجه إلى لبنان، حيث اجتمع بالمسؤولين اللبنانيين.

وقال ماريني: «الرئيس الأسد مثل رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، شددا على مخاطر الحرب، وعلى هشاشة الوضع وتراكم التهديدات».

ولكنه أضاف أن «الرئيس الأسد عبر عن هذه المخاوف بهدف التشديد على ضرورة القيام بمبادرات حفاظا على السلام، وهذه حجة إضافية للقول بأنه ينبغي التحرك بسرعة، وبأن الوضع القائم لا يحتمل، ومن شأنه أن يؤدي إلى دائرة من العنف».