الاربعـاء 07 ربيـع الثانـى 1431 هـ 24 مارس 2010 العدد 11439
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

رحيل المهدي بنونة أول «مندوب» غير رسمي للمغرب في الأمم المتحدة.. ومؤسس وكالة الأنباء المغربية

درس في فلسطين..وكان أول مغربي يعمل في صحافة مصر

المهدي بنونة في مكتبه بالهلال الأحمر في الرباط قبل أن يلزمه المرض منزله («الشرق الأوسط»)
الرباط: طلحة جبريل
غيب الموت، أمس، السياسي والإعلامي المغربي المهدي بنونة عن سن تناهز (91) سنة. وكان بنونة، الذي انخرط في النشاط السياسي منذ عقد الثلاثينات من القرن الماضي، أنيطت به أول مهمة سياسية عام 1947 تكمن في تمثيل «الحركة الوطنية المغربية» في نيويورك، حيث مقر الأمم المتحدة، وبموافقة من الملك الراحل محمد الخامس.

وغادر بنونة المغرب سرا في تلك السنة إلى نيويورك عبر البرتغال، وعمل هناك سنوات، وعاصر وقائع مهمة لها علاقة بالمغرب والعالم العربي، وتعرف إلى قادة وسياسيين عرب وأجانب مرموقين.

وفي نيويورك، أسس بنونة وترأس مكتب الحركات الاستقلالية لبلدان شمال أفريقيا (المغرب والجزائر وتونس)، وأصدر خلال فترة إقامته هناك كتابا بالإنجليزية يعد وثيقة تاريخية مهمة حول كفاح دول المغرب العربي لنيل الاستقلال، حمل عنوان «القصة الحقيقية لقضية عادلة».

وبعد استقلال المغرب، عمل بنونة في الديوان الملكي في عهد الملك محمد الخامس في قسم الصحافة والعلاقات العامة، ثم بادر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1958 إلى تأسيس وكالة «المغرب العربي للأنباء». وكان يطمح إلى أن تكون وكالة أنباء لدول المغرب العربي الأربع آنذاك، وهي المغرب وتونس والجزائر وليبيا، وفي الوقت نفسه وكالة أنباء لخدمة الدول الأفريقية، بيد أن فكرة وكالة تمثل المغرب العربي لم تتبلور كما يطمح بنونة، وعلى الرغم من ذلك فإنه احتفظ بالاسم الذي ظل مستمرا حتى اليوم، بيد أن الوكالة نفسها تحولت من وكالة خاصة إلى وكالة حكومية بعد تأميمها من طرف الدولة عام 1974.

وأسهم بنونة في تأسيس وكالات الأنباء التونسية، والجزائرية، والليبية. وقال في هذا الصدد إن الملك محمد الخامس كان معارضا فكرة إنشاء وكالة أنباء، على أساس أن لا سوق لها، إضافة إلى عدم وجود كوادر في المغرب أيامئذ، وأبلغ بنونة عندما أخطره بالفكرة عدم تأييده إياها، وخاطبه قائلا: «لا نريدك أن تدخل في مشروع فاشل».

وحول بدايات وكالة «المغرب العربي للأنباء»، التي أصبحت اليوم واحدة من كبريات وكالات الأنباء العربية والأفريقية، حيث تنتشر مكاتبها في جميع أنحاء العالم، يقول بنونة: «دربنا مجموعة من الشباب على العمل، وتعاقدت مع شاب فلسطيني يدعى أورهان سامي كان يعمل في الصحافة اللبنانية، الذي عمل معنا سنوات في تدريب أول طاقم على أعمال الاستقبال والإرسال، كما استقدمنا من طنجة مجموعة من الشبان المتمرسين في عمليات الإرسال والاستقبال كانوا يعملون مع شركة أميركية هي شركة «آر سي إيه».

وبشأن ظروف تأميم الوكالة، يقول بنونة: «خلال عام 1971، وقعت محاولة انقلابية في المغرب، وهي المحاولة التي عرفت بانقلاب الصخيرات، وتلتها عام 1972 محاولة أخرى كانت تهدف إلى إسقاط طائرة الملك الحسن الثاني. الحادثتان أحدثتا رجة نفسية في الوسط السياسي، ونتيجة لهذه الرجة تنبه المسؤولون في المغرب إلى الدور المهم لوسائل الإعلام، وضرورة إشراف الدولة على هذا القطاع، وبدأت تروج في مطلع عام 1973 فكرة لدى بعض المسؤولين المغاربة بضرورة تأميم وكالة (المغرب العربي للأنباء)، وسارعت وكالة (رويترز) في تلك الفترة ببث خبر مقتضب يقول: (علمنا من مصدر مسؤول في الرباط أن وكالة المغرب العربي للأنباء ستؤمم)، وجاءت ردود الفعل سريعة على بث ذلك الخبر إذ طلب عدد كبير من زبناء الوكالة إيقاف الاشتراك في خدماتها بعد أن بان في حكم المؤكد أنها ستتحول إلى وكالة حكومية. وهنا بدأت ألح على الحكومة للقيام بهذه الخطوة بعد أن تأكد لدي وجود اتجاه للتأميم، لأن الوكالة بدأت تنهار وتخسر مداخيلها، وبعد أخذ ورد أممت الحكومة المغربية الوكالة في يناير (كانون الثاني) 1974، وتلقيت تعويضا هزيلا». وقبل تأميم الوكالة، كان بنونة قد انتقل إلى الدار البيضاء، حيث أسس صحيفة «لادبيش» بالفرنسية، وذلك لمناهضة ما يعرف وقتها بصحف «إيف ماس»، وهي مجموعة صحافية كان يملكها فرنسي، ثم تحولت في وقت لاحق إلى مجموعة تعرف باسم « مجموعة لوماتان وماروك سوار»، حيث أشرف عليها الوزير الراحل مولاي أحمد العلوي.

وعقب تجربة وكالة «المغرب العربي للأنباء»، انشغل بنونة بالأعمال الخيرية، وظل يعمل في إطار منظمة الهلال الأحمر إلى أن رحل أمس.

ولد بنونة في تطوان في 22 فبراير (شباط) 1919، وهو ابن الحاج عبد السلام بنونة، رائد الحركة الوطنية في شمال المغرب، كما أن شقيقه الطيب بنونة كان كذلك من قادة الحركة المناهضة للاستعمار في المنطقة. وتزامنت فترة طفولته مع فترة صعبة في تاريخ المغرب، حيث كانت قوات الثائر المغربي عبد الكريم الخطابي، قائد الثورة التي عرفت باسم ثورة الريف، يحاصر مدينة تطوان التي احتلها الإسبان، وكانت مدافع الخطابي تقصف يوميا المراكز العسكرية الإسبانية في المدينة.

بعد دراسة المرحلة الابتدائية في المدرسة الأهلية في تطوان، كان بنونة من بين المجموعات الأولى من طلاب يتحدرون من شمال المغرب انتقلوا إلى الدراسة في فلسطين، في مدرسة النجاح، التي أصبحت في ما بعد «جامعة النجاح». وفي عام 1936، انتقل إلى القاهرة حيث درس في جامعة فؤاد الأول، وكان أول طالب مغربي يدرس الصحافة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وتخرج من هناك عام 1941. كما كان بنونة أول صحافي مغربي يعمل في الصحافة المصرية، حيث بقي في القاهرة مدة أربع سنوات. وبعد عودته إلى تطوان، تولى بنونة رئاسة تحرير صحيفتي «الحرية» و«الأمة»، اللتين كانتا تعبران عن حزب الإصلاح الوطني في شمال المغرب بقيادة عبد الخالق الطريس، وهو الحزب الذي سيندمج لاحقا في حزب الاستقلال. وعمل فترة في جدة حين تولى رئاسة وكالة «الأنباء الدولية الإسلامية» التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي. وبعد تلك الفترة، عاد إلى المغرب حيث عمل في الأعمال الخاصة، مع نشاط مستمر في منظمة الهلال الأحمر المغربي، وانتخب عام 1985 أمينا عاما لمالية الرابطة الدولية لجمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر في جنيف.

وفي السنوات الأخيرة وبسبب المرض، اعتكف بنونة في منزله في حي أكدال بالرباط، وانقطع عن الحياة العامة، وواجه بجسارة معاناته مع المرض، إلى أن توفي أمس، حيث نقل جثمانه من الرباط إلى تطوان، وتمت مواراته الثرى في المدينة، التي عرفت سنوات طفولته وشبابه.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال