الاثنيـن 16 جمـادى الثانى 1431 هـ 31 مايو 2010 العدد 11507
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

العلاقات السعودية ـ الألمانية.. تغيرت القوى ولم تتغير السياسات

الملك عبد العزيز رفض استخدام السعودية قاعدة للخطط الألمانية المناوئة للحلفاء

الملك عبد العزيز
صورة غلاف الدراسة للدكتور السماري
الرياض: بدر الخريف
جاءت زيارة الأمير سلمان بن عبد العزيز، أمير منطقة الرياض، إلى ألمانيا لتعيد موضوع العلاقات السعودية - الألمانية خلال فترة ذات شأن في تاريخ العالم، وخصوصا ما بين الحربين العالميتين، إلى الواجهة مجددا.

وتناول الدكتور فهد بن عبد الله السماري، الأمين العام لدارة الملك عبد العزيز، تطور العلاقة السعودية - الألمانية خلال الفترة من عام 1926 إلى 1939، وذلك للكشف عن المزيد من جوانب تلك العلاقات في عهد الملك المؤسس عبد العزيز، بوصفه جزءا من تطور العلاقات الدولية للسعودية عموما، كما تتناول الدراسة، التي عنونها بـ«الملك عبد العزيز وألمانيا.. دراسة تاريخية للعلاقات السعودية - الألمانية 1344 - 1358هـ (1926 - 1939م)»، سياسة الملك عبد العزيز الخارجية التي أثبتت ارتباطها بقواعد محددة نتج عنها تدعيم تأسيس المملكة العربية السعودية على أنها دولة ذات كيان سياسي مؤثر قائم على مبادئ ثابتة ومستقلة، والمصدر الأساسي لهذه الدراسة هو الوثائق الرسمية في كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية والسعودية.

وحاولت الدراسة الإجابة عن أسئلة تتعلق بأسباب اتصال السعودية بألمانيا وكيف تمت هذه الاتصالات، وكيف استجابت ألمانيا للاتصالات السعودية خلال حكومة الفايمر والرايخ الثالث (جمهورية الفايمر هي الحكومة التي تأسست في ألمانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في عام 1918م بتأثير من الحلفاء واستمرت حتى عام 1933م، ولقد أخذت الاسم من مدينة فايمر التي تقع على نهر ألبا. والرايخ الثالث هو الحكومة التي أسسها أدولف هتلر زعيم حزب الاشتراكيين الوطني الذي يعرف بـ«الحزب النازي»، وامتدت فترة هذه الحكومة من عام 1933م إلى عام 1945م).

بدأت الدراسة بالحديث عن الملك عبد العزيز وسياسته الخارجية التي ركزت على تحقيق عدد من الأهداف من أهمها: الاستقرار والاستقلال الكامل للأراضي السعودية الموحدة، وتحسين الموارد الاقتصادية للدولة السعودية الناشئة، وزيادة القوة العسكرية وتطويرها بما يمكنها من الدفاع عن البلاد، وخدمة الأماكن المقدسة والحجاج وتحسين مرافق الحج وتطويرها، وتحديث البلاد في سائر الجوانب بما يتفق وتقاليد البلاد وسكانها، والحصول على الاعتراف الدولي بالدولة السعودية الجديدة. وعرجت الدراسة على نظام السياسة الخارجية الألمانية، حيث ظهر النظام السياسي لألمانيا مع توحيد بروسيا وبعض الولايات الألمانية في عام 1871م، متناولة جميع المؤسسات التي تتنافس من أجل الحصول على نصيب في صياغة السياسة الخارجية الألمانية، وخصوصا أن ألمانيا ظهرت كدولة قوية بثورتها الصناعية ووحدتها السياسية التي بهرت العالم في نهاية القرن التاسع عشر، وتطلعها تجاه الشرق والغرب بنظرة جديدة بقيادة بسمارك، ونهجها الجديد القائم على الاستعمار من خلال المسالمة، وكان المشرق العربي هدفا حيث امتدت نفوذ ألمانيا إلى الدولة العثمانية.

وفيما يتعلق بالسعودية فقد ارتأى الملك عبد العزيز أن ألمانيا هي من الدول التي من الممكن أن تكون لها اهتمامات بمشاريعه التنموية، كما كانت بلاده تمثل بالنسبة لألمانيا سوقا مناسبة، لذلك بدأ الألمان بالاهتمام عن كثب بالوضع الاقتصادي والسياسي للجزيرة العربية، وتابع الألمان أنباء التطورات السياسية التي حدثت في الحجاز من خلال ممثلها في القاهرة ل. س. فون شتورر الذي كتب عام 1926م تقريرا ضمنه أن الملك عبد العزيز شخصية قوية ومؤثرة، ورغم أسلوب حياته الذي يبدو فيه قدر كبير من التدين، فإنه بالتأكيد شخصية متفتحة للأفكار الحديثة والمشاريع التنموية وكان ذلك مما شجع الألمان على التفكير في التعامل مع الملك عبد العزيز الحاكم الجديد لجزء من الجزيرة العربية.

وبعد اتصالات متعددة ونشاطات للشركات الألمانية لدخول سوق الدولة الناشئة وممارسة هذه الشركات الضغط على الحكومة الألمانية في برلين من أجل الاعتراف رسميا بالسعودية، فقد أدرك الألمان أهمية هذه الدولة للتجارة الألمانية وللمجالات الاقتصادية، واتجهت سياستهم نحو تحقيق ذلك وأعلموا ممثلهم في القاهرة برغبتهم في التفاوض مع الملك عبد العزيز، علما بأن الملك المؤسس سبق وأن تقدم إلى الألمان في عام 1926م ضمن اتصالاته الواسعة بالدول المعتبرة سياسيا للاعتراف بالدولة السعودية الجديدة، وجدد الملك عبد العزيز الطلب ذاته عام 1928م عندما أرسل فؤاد حمزة خطابا رسميا إلى وزير الخارجية الألماني عبر فيه عن الرغبة في الحصول على الاعتراف الرسمي وبدء المفاوضات لتطوير العلاقات التجارية بين البلدين. وأرفق حمزة بالخطاب عرضا موجزا يصف فيه بالتفصيل الوضع السياسي والفرص التجارية مع بعض المعلومات الجغرافية والثقافية الأخرى عن الدولة السعودية الجديدة «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها»، كما كانت تعرف آنذاك، وكان من بين المشاريع الاقتصادية والتجارية التي اعتقدت الحكومة السعودية أن الألمان قد يهتمون بها مشاريع نقل الحجاج، ومد السكك الحديدية والكثير من المشاريع الخاصة بتنمية المدن.

وأرست معاهدة الصداقة بين ألمانيا والسعودية التي وقعت في 26 أبريل (نيسان) عام 1929م، وتم التصديق عليها في 7 يونيو (حزيران) من العام ذاته، الأساس لقيام العلاقات التجارية والسياسية بين البلدين، كما جاءت بمثابة اعتراف سياسي بالدولة السعودية.

نتائج وقيود لم تكن نتائج العلاقات السعودية - الألمانية هي ما كان يتوقعه الطرفان، فقد كانت المملكة العربية السعودية تحاول الحصول على الأسلحة التي تم شراؤها بقرض ائتماني قدمته الحكومة الألمانية، ولم تتحول الصفقة إلى واقع مادي وبقيت المتطلبات السعودية كما كانت من قبل. وواجهت ألمانيا التي كانت قد قامت بتطوير مصالحها السياسية في المملكة العربية السعودية قبيل الحرب معارضة شديدة من الملك عبد العزيز الذي رفض كل المطالب والمقترحات الألمانية لاستعمال المملكة قاعدة لخططها المناوئة لدول الحلفاء ولنشاطاتها الدعائية.

ورغم ذلك، فقد نشأت عن العلاقات السعودية - الألمانية نتائج عدة استفاد منها كل من الطرفين، فقد نجح الملك عبد العزيز في التوصل إلى التعاون الاقتصادي مع ألمانيا، وشارك الكثير من الشركات الألمانية في أسواق المملكة العربية السعودية، مما أسهم في تحسين كل من الاقتصاد السعودي والأسواق التجارية، وكان عقد اتفاقية بين البلدين في عام 1348هـ (1929م) أوج ذلك النجاح، هذا إلى جانب أن إقامة التمثيل الدبلوماسي الألماني في عام 1358هـ (1939م) كان هو الآخر نجاحا سياسيا إضافيا للمملكة العربية السعودية.

كما زادت العلاقات السعودية - الألمانية من النفوذ السياسي للمملكة في المنطقة، فمن خلال الاتصال بالألمان قامت المملكة بتوسيع اتصالاتها بالقوى الأوروبية الأخرى، وكان هذا مما أتاح لها قنوات أكثر للاتصال بل والمزيد من الخيارات في السياسة الخارجية، وفضلا عن ذلك فإن المفاوضات السعودية مع الألمان شحذت عقول السياسيين السعوديين في ميدان السياسة الخارجية والسياسات الدولية.

والنتيجة الأخرى المهمة للعلاقات السعودية - الألمانية هي أن ألمانيا في الثلاثينات الميلادية قد اتجهت إلى المسائل السياسية الخاصة بالمشرق العربي التي اتخذت توجهات جديدة نتيجة للمفاوضات السعودية، وخصوصا فيما يتصل بعلاقات ألمانيا بإيطاليا وبريطانيا.

ومن جهة أخرى فإن العلاقات السعودية - الألمانية كانت تمثل، حينها، عدم نجاح لكل من الجانبين، فقد كانت هناك قيود كثيرة أدت إلى تلك النتيجة:

وأول تلك القيود، التحول في السياسة الخارجية الألمانية تجاه المملكة العربية السعودية من كونها علاقات تجارية، خلال فترة جمهورية الفايمر، إلى كونها علاقات سياسية خلال فترة الرايخ الثالث، وقد توجه الملك عبد العزيز إلى ألمانيا وهو يعتقد أنها ليس لها أي أطماع سياسية في بلده ولا حتى استخدام أراضيه لأغراض أخرى مثل الدعاية، ورغم ذلك فإنه بسبب خطط الحزب النازي الخاصة بالحرب العالمية قد غير الألمان نظرتهم إلى المملكة، غير أن الملك عبد العزيز لم يقبل بذلك، وقد شرح خالد الهود ذلك القيد في تقريره إلى الملك بتاريخ 3 جمادى الأولى 1358هـ/ 20 يوليو (تموز) 1939م، حيث ذكر أن: «الموقف الدولي القلق والعداء بين الأمم والأشكال المختلفة للدعاية التي يقوم بها كل طرف ضد الآخر هي التي جعلت رحلتي صعبة».

كان ذلك الجو من الدعاية والمؤامرات ضد بريطانيا وفرنسا، بالإضافة إلى الصراع الداخلي بين المؤسسات السياسية الألمانية الكبرى هو التغير الجديد الذي شهدته ألمانيا في نهاية الثلاثينات الميلادية، وكان هذا التغيير - كما سبق أن عرضنا لذلك من قبل - سببا رئيسيا دفع الملك عبد العزيز لسحب طلبه للمساعدة الألمانية.

كانت سياسة ألمانيا تجاه الشرق التي كانت تقوم على مناصرة العروبة والقومية العربية في العالم العربي لمزاحمة البريطانيين تسيطر على العلاقات السعودية - الألمانية من الجانب الألماني، وكان المسؤولون الألمان مشغولين بفكرة مناصرة العروبة، وكانوا يتعاملون مع المطالب السعودية في ذلك الإطار معظم الوقت، وكان هذا واضحا في محادثات غروبا مع يوسف ياسين في 29 ذي الحجة 1357هـ/ 8 فبراير (شباط) 1939م، فقد أخبر غروبا ياسين بأن المسؤولين بحاجة إلى إيضاحات أكثر حول حدود الأراضي السعودية وحول ما إذا كانت المطالب السعودية تشمل مساعدة العالم العربي بأسره أم لا؟ كان غروبا على علم بالموقف وكان يريد من المسؤولين السعوديين أن يلقوا بعض الضوء حوله.

وكان معظم المسؤولين الألمان في وزارة الخارجية يريدون صياغة الموقف في العالم العربي ليلائم الأهداف السياسية الألمانية من خلال استغلال القومية العربية ومناصرة العروبة لصالحهم بوصفها سلاحا لتدمير البريطانيين تماما كما استعملها البريطانيون ضد الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، بل لقد ذهبوا إلى حد المدى البعيد لاستغلال شخصية الملك عبد العزيز في السياسة الألمانية الإعلامية مستفيدين بذلك من حاجته إلى المساعدة الألمانية، لكن الملك عبد العزيز لم يقبل بهذه السياسة ورفضها لأنها كانت غير مقبولة وتتعارض مع مبادئه وأهدافه، فضلا عن أنها لم تكن ضمن أسباب اتصاله بألمانيا.

لقد فشل الألمان في فهم سياسات الملك عبد العزيز، ويفسر ذلك جزئيا بأنهم ركزوا على تأييدهم شعارات القومية العربية، كما أنهم بالغوا في تقدير الحركة القومية العربية ومناصرة العروبة وميول تلك الحركات المناوئة لبريطانيا، ولقد كان هذا النمط من السياسة يعمل بوصفه قيدا على العلاقات السعودية - الألمانية.

كما أن المسؤولين في وزارة الخارجية لم يكونوا ليتقبلوا تدخل مكتب الشؤون الخارجية للحزب في قضايا السياسة الخارجية الألمانية، وقد وقعت العلاقات السعودية - الألمانية ضحية لذلك الصراع والمنافسة.

وهكذا، فإن الأمر لم يكن كما وصفه ميشال ولفزون من أن الملك عبد العزيز لم يسلك الطريق الصحيح في اتصالاته، وإنما كان السبب وجود نظام ازدواجي في صناعة السياسة الخارجة الألمانية، فقد حاول الملك عبد العزيز التعامل مع كلا الجانبين وانتقل إلى الأقوى منهما لكي ينهي صفقة الأسلحة، لكنه لم ينج من الصراع والمنافسة بين وزارة الخارجية ومكتب الشؤون الخارجية للحزب.

وإلى جانب وجود النظام الازدواجي في صناعة السياسة الخارجية الألمانية كان هناك تقليد آخر مارسه المسؤولون الألمان في مجال السياسة الخارجية كان له تأثيره على معالجتهم للموضوع، ذلك أنهم كانوا يعتمدون فقط على آراء وأفكار الموظفين المسؤولين ولا يلجأون إلى استشارة من هم خارج نطاق الوظيفة الرسمية، وقد ظهر هذا التقليد بشكل واضح خلال فترة الرايخ الثالث، وبخاصة فيما يخص منطقة العالم العربي، على حين أنه خلال فترة جمهورية الفايمر، يمكن للمرء أن يلاحظ الاستفادة من خدمات أفراد آخرين من المعنيين في بعض القضايا المعنية، وهذا مما جعل هانز ستيفن، وهو عقيد متقاعد من الجيش وأحد المشتغلين بتجارة السلاح، ينتقد السياسة الخارجية الألمانية لتجاهلها آراء الآخرين وأفكارهم، فقد أوضح ستيفن في عام 1357هـ (1938م) وهو يتعرض لمناقشة العلاقات الألمانية مع المملكة العربية السعودية، أن النظام الألماني لم يحاول على الإطلاق أن يستشير أو يطلب الرأي من أولئك الخبراء في بعض المجالات المعنية في ميدان السياسة الخارجية ممن هم خارج نطاق وزارة الخارجية ولهم اتصال بالمناطق التي تهتم بها، واستشهد بنفسه كمثال لأحد الخبراء في شؤون المشرق العربي بصفة عامة وفي شؤون المملكة العربية السعودية بشكل خاص، حيث لم يعط فرصة للمشاركة بتقديم أفكاره ومعلوماته حول موضوع العلاقات مع المملكة، وأكد ستيفن أنه لم يكن ينبغي أن يحدث تجاهل للانطباعات الحية للرجال الذين هم دون سوء الظن بل وربما لديهم موهبة الفهم السياسي والعسكري.

وما من شك في أن ذلك العجب بالوظيفة الرسمية والصراع من أجل التسلط داخل بنية نظام السياسة الخارجية الألمانية قد مارس بالفعل دورا في فشل الاتصالات السعودية بألمانيا.

أما عن القيد الرابع على العلاقات السعودية - الألمانية فكان هذا هو العامل البريطاني، وكان كل من الجانبين يضع لبريطانيا الاعتبار في حساباته السياسية، فبالنسبة لألمانيا كانت سياسات الحزب الاشتراكي الوطني التوسعية تعد أحد أهدافها الرئيسية القضاء على المصالح البريطانية في المنطقة، وهكذا عانت العلاقات السعودية - الألمانية من أزمة كبيرة عندما حاول الألمان استغلال اسم الملك عبد العزيز لإزعاج النفوذ البريطاني في المنطقة، فبعد أن خسرت ألمانيا كلا من تركيا ومصر والعراق رأت أن تنقل خططها السياسية المناوئة لبريطانيا إلى المملكة العربية السعودية، ورفض الملك عبد العزيز الذي كان يريد أن يحمي بلاده من الوقوع في مثل هذا الصراع، وكانت هذه السيطرة للعامل البريطاني على سياسة ألمانيا في المشرق العربي هي التي أدت من بين عوامل أخرى إلى عدم نجاح الاتصالات السعودية بألمانيا، كما تعرضنا لذلك من قبل.

لم تكن السياسة إزاء بريطانيا هي التي أدت إلى فشل العلاقات السعودية – الألمانية، كما يرى بعض الباحثين، فطبقا لما يراه فرانسيس نيكوسيا، فإن سياسة هتلر إزاء بريطانيا في الثلاثينات الميلادية هي العامل الوحيد الأكثر أهمية الذي أثر على موقف وسياسة ألمانيا تجاه العالم العربي، والسياسة إزاء بريطانيا هنا تعني أن ألمانيا كانت تعد بريطانيا صديقة، ولم تكن تحاول تعكير تلك الصداقة حتى بالنسبة للمشرق العربي، وبوسع المرء أن يرى بوضوح من مسار العلاقات السعودية - الألمانية أن العكس كان هو الصحيح، فمن الدعاية الألمانية المكثفة المناوئة لبريطانيا منذ عام 1937م، ومن المحاولات لإقناع الملك عبد العزيز بأن يتخذ موقفا مناوئا لبريطانيا نرى بوضوح أن السياسة الألمانية كانت تنتهج خطا مناوئا لبريطانيا.

وبوسعي، كما يقول الكاتب، أن أذهب إلى الاتفاق مع جوهارد واينبورغ، وأندرياس هيلغروبر في أن سوء الفهم للعلاقات الألمانية الخارجية ينشأ عندما يضع المرء في حسابه فقط بعض الأحداث في تصرفات ألمانيا إزاء بريطانيا في الوقت الذي يتم فيه تجاهل بعض التصرفات والسياسات الأخرى، فلقد أثبتت الحوادث خلال الفترة من 1356 - 1358هـ (1937 - 1939م) أن ألمانيا واصلت سياستها التوسعية على أراضي القارة الأوروبية دون أي حساب لبريطانيا.

وأما بالنسبة للمملكة العربية السعودية فإن العامل الإنجليزي كان يعني أيضا شيئا آخر. ولم تكن السياسة إزاء بريطانيا هي التي جعلت الملك عبد العزيز ينهي اتصالاته مع الألمان في نهاية عام 1358هـ (1935م).

وكان من جوانب منهج سياسة الملك عبد العزيز الخارجية الاتصال بالقوى الأخرى، ومن بينها بريطانيا، للتشاور فيما يتصل بألمانيا وبالحرب، وكما ذكر الملك عبد العزيز، فإن تلك الدول كانت في حوزتها معلومات كاملة كان من الممكن أن تكون شيئا ثمينا للحكومة السعودية.

ولم يكن الملك عبد العزيز يأخذ برؤى تلك الدول إذا ما عارضت مبادئه الرئيسية في السياسة الخارجية. ولقد أوضح أن الرؤى الخاصة بالحكومة البريطانية وغيرها قد تكون أحيانا دون فائدة عملية للمملكة العربية السعودية.

وأخيرا، فإن العلاقات السعودية - الألمانية عانت من كل القيود، بل ومن غيرها، وكان موقف الملك عبد العزيز من ألمانيا متسقا مع المبدأ الأساسي في سياسته الخارجية وهو أن يقبل المساعدة من أي دولة، ولكن ليس على حساب استقلال بلده وأمنها، ولقد لاحظ أندرو ريان الممثل البريطاني في جدة ذلك في عام (1934م) عندما ذكر أنه: «رغم تقديري وإعجابي بالملك عبد العزيز فإنه ما زال علي أن أكتشف أنه في تعاملاته مع القوى الأجنبية أو المصالح التجارية، فإنه لا يقدم الكثير في مقابل ما يحصل عليه، ولم يسبق لي على الإطلاق أن ظننت، ولو للحظة، أن قوة تقوم بتقديم قوة جوية يمكنها أن تتطلع إلى ما يصل إلى بوصة من أجواء المملكة العربية السعودية».

ويخلص الدكتور السماري إلى القول: كانت نهاية العلاقات السعودية الألمانية تعني نهاية فترة الاتصالات المكثفة والمفاوضات للحصول على المساعدات التي تحتاجها المملكة العربية السعودية، ومن أبرزها الأسلحة، وجاء قرار الملك عبد العزيز بسحب طلبه تأمين صفقة الأسلحة من ألمانيا في وقت مناسب جدا، وأعلن الملك عبد العزيز سياسته في الحياد ليتجنب من بين أسباب أخرى الضغط الألماني من أجل استعمال بلاده للعمليات الحربية المحتملة، وفضلا عن ذلك فقد تحاشى الملك عبد العزيز أن تجر بلاده إلى تلك النازية، كما حدث بالنسبة لقادة عرب آخرين، وعندما نجح الملك عبد العزيز في سحب نفسه من ميدان الصراع الألماني في الوقت المناسب بدأ بعض القادة العرب الآخرين يمارسون دورهم خلال تلك المرحلة الحاسمة الدقيقة، وكان مفتي القدس محمد أمين الحسيني (1313 - 1394هـ)، وهو أكثر قادة الحركة الوطنية الفلسطينية نشاطا، أحد أولئك القادة الذين بدأوا الاتصال والعمل مع الألمان خلال الحرب، وعندما ينظر المرء إلى نتائج مثل تلك الصور من التعاون مع الألمان، فإنه سوف يلاحظ أن الملك عبد العزيز قد استطاع الابتعاد عن الألمان في اللحظة التي أدرك فيها نوايا الحزب الوطني الاشتراكي بقيادة هتلر وأبعد بلاده عن الدخول في دوامة ذلك الصراع السياسي والعسكري، وتعكس لنا هذه الدراسة مدى قوة شخصية الملك عبد العزيز وحنكته الدبلوماسية التي ظهرت في قراره السياسي الذكي فيما يتعلق بعلاقاته الدولية، فلقد تمكن الملك عبد العزيز من الدخول في اتصالات سياسية مع الكثير من الدول الأوروبية دون توريط بلاده في خضم سياسات وأهداف تلك الدول، كما تمكن من الانسحاب من تلك الاتصالات في اللحظة التي يشعر فيها بخطورتها عليه وعلى بلاده، وهكذا فإن تطور العلاقات السعودية - الألمانية يقدم لنا نموذجا واضحا لسياسة الملك عبد العزيز الخارجية ولقدراته الدبلوماسية المتميزة.

وإذا نظرنا نظرة عامة إلى أحداث العلاقات السعودية - الألمانية في هذه الدراسة، فإن المرء يلاحظ أنه في نهاية الثلاثينات الميلادية كانت بداية التغيير (أو ما نسميه هنا بالانقطاع) في السياسة الألمانية تجاه المملكة العربية السعودية قد بدأت في الظهور، على أنه نتيجة لخطط ألمانيا الخاصة بالحرب ضد بريطانيا فقد أصبح الشرق العربي والمملكة العربية السعودية مناطق مناسبة يمكن لألمانيا من وجهة نظرها أن تستخدمها لتلك الأغراض.

وكان ذلك مما أدى إلى قيام الجانب الألماني بتنمية اهتمامات جديدة في المنطقة، وأسهم ذلك في إنهاء العلاقات السعودية - الألمانية، وزاد ذلك الانقطاع في السياسة الألمانية خلال الأربعينات الميلادية عندما أخذ الألمان يهتمون على نطاق كبير بالشؤون العربية، وهكذا فإن العلاقات السعودية - الألمانية شهدت بداية ذلك التغيير - أو الانقطاع - في سياسة ألمانيا الخارجية في المشرق العربي.

وفيما يتصل بالسياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية، فإن تلك العلاقات تعكس استمرارا واضحا دون انقطاع، فقد كان الملك عبد العزيز يدير سياسته الخارجية على أساس من المبادئ نفسها السابقة التي كان قد وطدها من قبل، وقد رفض الحيد عن تلك الخطوط، وهكذا قرر الانتقال من إحدى القوى إلى قوة أخرى لتحقيق أهدافه، فالسياسة الخارجية للدولة السعودية في القرن العشرين لا يظهر فيها أي انقطاع مع الأنماط السابقة للدولتين السعوديتين، الأولى والثانية، في رأي جاكوب غولدبورغ، ولقد أثبتت العلاقات السعودية - الألمانية أن الملك عبد العزيز كان يريد أن يكون جيشا قويا ليدافع عن أراضي الدولة السعودية داخل شبه الجزيرة العربية، وبلغة أخرى يمكن القول إن الأساس للاستمرار في سياسة الملك عبد العزيز الخارجية يكمن في لجوئه إلى تغيير القوى التي يتعامل معها دون تغيير السياسات.

ومن جانب آخر، فإن الملك عبد العزيز سخر أدوات سياسته الخارجية لخدمة القضايا العربية ودعمها معنويا وماديا، وليس غريبا أن تقوم الحكومة السعودية بشراء صفقات أسلحة كثيرة وتقديم الكثير منها، رغم صعوبة الحصول عليها، للحركات العربية المناوئة للاستعمار، فقد قدمت الحكومة السعودية الأسلحة للثوار السوريين العرب من أجل دعم مطالبتهم بالاستقلال وطرد المستعمرين، كما قدمت المملكة العربية السعودية الكثير من الدعم السياحي والعسكري للقضية الفلسطينية، ومن المؤكد أن الملك عبد العزيز كان ينوي تسليم الثوار الفلسطينيين أسلحة عند وصول ما قام بطلبه من ألمانيا.

ويختتم المؤلف بالقول إنه إذا كانت هذه الدراسة تتوقف عند عام 1939م، فإن ذلك لا يعني أن العلاقات السعودية - الألمانية قد انتهت في تلك السنة، إذ إن تلك العلاقات خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها تعد على درجة كبيرة من الأهمية وتحتاج إلى تتبع تطوراتها في بحوث مستقبلية.

التعليــقــــات
بندر الحوطي، «المملكة العربية السعودية»، 31/05/2010
لا يوجد شي اسمه صداقة بين الدول، و إنما هي علاقات مصالح مشتركة.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال