أسانج حر ويتعهد بتبرئة اسمه.. ويكسب الجولة الأولى من معركة مستمرة

العام المقبل يبدأ بمواجهة تسليمه إلى السويد.. والادعاء الأميركي يحضر ملفا ضده

جوليان أسانج بعد الافراج عنه بقرار من المحكمة العليا في لندن أمس (رويترز)
TT

كسب جوليان أسانج أمس الجولة الأولى من معركة يخوضها ضد السلطات السويدية، وقد تنضم إليها الولايات المتحدة، حيث ينكب المدعون العامون على البحث عن أدلة لمحاكمة مؤسس «ويكيليكس» بـ«التآمر» لتسريب وثائق سرية. ولكن مع استعادة أسانج لحريته أمس، بعد عشر ليال قضاها في السجن في زنزانة انفرادية، بدأ التحضير للمعركة الثانية: تسليمه للسويد، حيث يطلبه الادعاء بتهم اغتصاب.

وخرج أسانج ليل أمس حرا طليقا من المحكمة، بعد أن ثبت قاضي غرفة المحكمة العليا دانكن أوزلي قرار إطلاق سراحه بكفالة مالية بلغت قيمتها 200 ألف جنيه إسترليني، دفعت نقدا إلى المحكمة. وتوجه أسانج في كلمات مقتضبة إلى جموع الصحافيين ومناصريه الذين انتظروه خارج قاعة المحكمة، وغادر من دون أن يرد على الأسئلة. وشكر العدالة في بريطانيا بعد أن عبر عن سروره «لاشتمام الهواء النقي في لندن من جديد»، وقال: «إذا لم تكن العدالة هي دائما النتيجة، ولكنها على الأقل لم تمت بعد».

وتعهد بأن يتابع عمله، ويكمل إثبات براءته من التهم الموجهة إليه، والتي قال إنه لم يطلع عليها بعد. وأضاف أنه خلال الأيام التي قضاها مسجونا في زنزانة انفرادية، كان يفكر في أوضاع المساجين في العالم الذين يعيشون في ظروف أصعب «من التي عشت فيها». ودعا إلى دعم هؤلاء والتفكير بهم. واتجه أسانج فور إطلاقه إلى منطقة نورفولك شرقي العاصمة لندن، ليمكث في قصر فون سميث، الصحافي مالك نادي فرونتلاين في لندن، الذي تبرع بإيوائه. وسيكون على أسانج أن يخضع لحظر تجول بين الساعة العاشرة صباحا والثانية بعد الظهر، وبين العاشرة مساء والثانية صباحا. كما سيعلق برجله سوارا إلكترونيا لتعقبه، وسيكون عليه أن يسجل لدى أقرب قسم للشرطة كل مساء في الساعة السادسة. وكان طلب منه أن يسلم جواز سفره للتأكد من أنه لن يهرب.

وخلال الأسابيع المقبلة، سيتعين على أسانج وفريق محاميه، أن يحضروا لبناء قضية ضد تسليمه إلى السويد التي يتهمها بأنها تنفذ رغبات أميركية، وأن هدفها سياسي لا قضائي. ومن المتوقع أن تعقد جلسة في منتصف يناير (كانون الثاني) المقبل، لسماع حجج أسانج التي يستند إليها لطلب عدم تسليمه. ولم يتردد أمس محاميه مارك ستيفنز، بالقول إن موكله هو «ضحية ثأر مستمر من السويد»، ولكنه نفى في الوقت نفسه أن يكون قد تبلغ عن أي محاولة لتسليمه إلى الولايات المتحدة.

ويقول خبراء قانونيون إنه سيكون على أسانج أن يبرهن بالأدلة، أي بالوثائق والشهود، أن السويد تحاول جلبه لأسباب سياسية، وإلا فسيكون من الصعب مقاومة مذكرة التوقيف الأوروبية التي أصدرتها بحقه. ويشير الخبراء إلى أن حجة عدم وجود قضية متينة ضده في السويد، لا يمكن الاستناد إليها، لأن القضاء السويدي سيكون عليه أن يقرر ذلك، لا البريطاني.

وقد تستغرق عملية النقاش داخل أروقة المحاكم حول تسليمه إلى السويد، نحو عام تقريبا، علما أن الادعاء السويدي يطلبه فقط لاستجوابه، ولم يوجه إليه بعد اتهامات رسمية. ولكن مذكرة التوقيف الأوروبية التي أدخلها الاتحاد الأوروبي إلى نظامه بعد أحداث 11 سبتمبر وتنامي الخطر الإرهابي في أوروبا لتسهيل التعاون الأمني بين بلدانه، تمكن للبلدان أن تطلب تسليم متهم قبل أن توجه إليه اتهامات رسمية. ويتخوف أسانج من أن تسليمه إلى السويد قد يكون مقدمة لتسليمه إلى الولايات المتحدة، ويعتقد أن القانون البريطاني يمكن أن يؤمن له حماية أكبر في هذا الإطار. وقد عبرت والدته كريستين التي كانت في المحكمة أمس، عن ثقتها بالقانون البريطاني. وقالت للصحافيين خارج قاعة المحكمة، بعد تثبيت قرار إطلاق سراح ابنها: «أنا سعيدة جدا بالقرار وكنت أؤمن أن القضاء البريطاني سيتخذ القرار الصحيح». ولكن يجادل البعض بأن اتفاقيات تسليم المتهمين بين الولايات المتحدة والسويد أصعب وأكثر تعقيدا من تلك الموقعة بين بريطانيا والولايات المتحدة.

وفي هذه الأثناء، يبدو أن النيابة العامة الفيدرالية في واشنطن تبذل جهودا كبيرة لبناء قضية ضد أسانج عبر البحث عن أدلة قد تثبت أنه حرض أو شجع جنديا أميركيا على تسريب معلومات سرية من البنتاغون، بحسب ما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أمس.

وكانت السلطات الأميركية قد ألقت القبض في مايو (أيار) الماضي على الجندي برادلي مانينغ، الذي كان يعمل في تحليل المعلومات، بتهم تسريب وثائق سرية إلى «ويكيليكس». وأشار تقرير الصحيفة إلى أن الأدلة لن تكون كافية، إذا لم يشهد مانينغ ضد أسانج، بينما يقول المحققون إن الجندي الأميركي لا يتعاون معهم. وقالت الصحيفة إن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية يحاولون الكشف عما إذا كان أسانج قد ساعد أو شجع مانينغ على سحب المعلومات العسكرية والدبلوماسية السرية، من جهاز كومبيوتر حكومي. وفي حال تمكن الادعاء الأميركي من إثبات تورط أسانج بذلك، يعتقدون أن بإمكانهم اتهامه بالتآمر في التسريبات، ولم يكن بالتالي مجرد متلق. وأشار التقرير إلى أن المدعين العامين يستندون في بحثهم عن الأدلة، على حديث على الإنترنت دار بين الجندي مانينغ وقرصان سابق يدعي أندريان ليمو، أطلعه مانينغ على خططه تسريب وثائق سرية. وليمو هو الذي أبلغ السلطات الأميركية عن مانينغ، ما أدى إلى اعتقاله. ويبدو أن الجندي الأميركي ذكر في المحادثات، أنه كان على اتصال مباشر بأسانج، وأن الأخير سمح له بتحميل معلومات مباشرة على موقع «ويكيليكس»، عوضا عن إرسالها إليه قبل نشرها. ولا يعترف أسانج بأن مانينغ هو من سرب الوثائق إلى موقعه، ولكنه يقول إنه سيقدم مساعدة مادية للمساهمة في دفع أتعاب محاميه، لأن الرجل متورط بقضية متعلقة بـ«ويكيليكس».

ويحاول المدعون العامون في واشنطن جاهدين البحث عن طريقة لتوجيه اتهامات لأسانج، لا تتعارض مع البند الأول من الدستور الأميركي المتعلق بحق الجميع بحرية التعبير وحرية الصحافة. وعلى الرغم من أن أسانج يصر على أنه صحافي، وأن «ويكيليكس» هي وسيلة إعلامية، لكي يضمن حصانة تحت البند الأول من الدستور، فإن الادعاء الأميركي يرفض تصنيفها على هذا النحو. وأشارت «نيويورك تايمز» إلى أن موقع «ويكيليكس» يبدو أنه بدأ يدخل تعديلات في خانة «التعريف عن نفسه» لكي يعطيها طابع المؤسسة الصحافية. ولكن مع ذلك، فإن محاكمة أسانج بسبب نشر المعلومات سيكون تحديا كبيرا لبلد يرفض إغلاق مواقع على الإنترنت لمتطرفين إسلاميين تحولت وسائل إلى وسائل للتجنيد، بسبب حرية التعبير التي يضمنها الدستور. وكان جورج سالم، مستشار الحريات المدنية في وزارة الأمن الوطني الأميركي، قال في حديث لـ«الشرق الأوسط» قبل بضعة أسابيع، إن «حرية التعبير في الولايات المتحدة هي واحدة من أهم أجزاء ديمقراطيتها. دستورنا يصون حرية التعبير لكل مواطنينا، وهذا واحد من الأمور التي يأتي لأجلها المهاجرون وطالبو اللجوء». وكان بريطانيا قد طلبت إلى الولايات المتحدة إغلاق مواقع لإسلاميين بعد أن تبين أن عددا من المسلمين في لندن يتأثرون بالأفكار التي تروجها المواقع المستقرة في الولايات المتحدة.

ومن بين الخيوط التي يحاول المدعون العامون في واشنطن إمساكها، ما يتعلق بقانون التجسس وقانون الاحتيال وإساءة استعمال الكومبيوتر. وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن الولايات المتحدة تحاكم المسربين وقراصنة الكومبيوتر تحت هذين البندين، ولكن لم تنجح في السابق في محاكمة الذين يتلقون تلك المعلومات المسربة، استنادا إلى القانونين، بسبب قوة البند الأول من الدستور.

وقالت الصحيفة إن النيابة العامة الفيدرالية يبدو أنها منجذبة لفكرة محاكمة أسانج على أساس أنه «متآمر» في التسريبات، «لأنها تتعرض لضغوط كبيرة لكي تجعل منه مثلا يردع أي تسريبات في المستقبل». ولكن الصحيفة أضافت أن هذا سيضع الحكومة في موقف صعب لتبرير لماذا لا تحاكم أيضا المحققين الصحافيين والصحف التي تنشر معلومات تقول الحكومة إنها سرية.