الاثنيـن 20 شـوال 1432 هـ 19 سبتمبر 2011 العدد 11983
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الموانئ السورية تعاني جراء الاضطرابات وطرطوس واللاذقية الأكثر تأثرا

تراجع في أحجام الشحن بمتوسط 35 إلى 40%.. والمستوردون يبحثون عن بدائل

جانب من مظاهرة مناهضة للنظام في حمص
عمان: «الشرق الأوسط»
من شرفته المطلة على كورنيش مدينة طرطوس السورية على البحر المتوسط، يتحسر وكيل ملاحي عالمي على التغير الذي حدث منذ اجتاحت انتفاضة شعبية البلاد قبل ستة أشهر، وألحقت ضررا شديدا بالاقتصاد. وفي تقرير لوكالة «رويترز» قال وكيل الشحن الذي فتح شركة في طرطوس للاستفادة من طفرة في حركة المرور بها بعدما وضعت الحرب أوزارها في العراق: «في الليل كانت أضواء السفن تصنع امتدادا لطرطوس، فتصبح كأنها مدينة في البحر، أما الآن فهي مثل قرية صغيرة. كان خط تماس الميناء مع البحر مليئا بالسفن.. أما الآن فالمراسي تكاد تكون خالية تماما».

وأدت احتجاجات الشوارع المطالبة برحيل الرئيس السوري، بشار الأسد، التي يجري قمع الكثير منها، لتراجع حركة السفن في موانئ البلاد، وأضرت بآمالها في الاستفادة من موقعها المحوري في الشرق الأوسط، لاقتناص حصة أكبر من أنشطة النقل. ولم يتضح حجم الضرر الذي لحق بالاقتصاد السوري جراء الاضطرابات، وما ترتب على قمعها من عقوبات دولية، فالبيانات الرسمية شحيحة. لكن كثيرا من المحللين يتوقعون تراجع الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، ربما بنسبة كبيرة، وقد كان صندوق النقد الدولي توقع في مطلع العام نمو الاقتصاد السوري ثلاثة في المائة. ويقول وكلاء شحن ورجال أعمال إن الصادرات تراجعت، إذ خفض الزبائن الأجانب طلبياتهم، بينما أجل المستوردون السوريون طلبياتهم بسبب حالة عدم التيقن.

وفي غضون ذلك تبحث الشركات التي كانت تعتمد على سوريا كممر للتجارة مع دول أخرى في المنطقة، عن طرق أخرى. ولحقت أضرار شديدة بميناء اللاذقية الرئيسي، حيث انتشرت قوات الجيش قبل ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى ميناء طرطوس. وقال وكيل الشحن العالمي، الذي طلب عدم نشر اسمه بسبب حساسية الموضوع: «حتى سفن الرحلات التي كانت تأتي إلى اللاذقية وطرطوس عبر البحر المتوسط، وعلى متنها مئات السياح الإيطاليين والإسبان لم تأت هذا العام».

وتقول مصادر بقطاع الشحن إن حركة سفن نقل البضائع العامة، وبضائع الصب الجافة والسائلة، والحاويات في اللاذقية وطرطوس تشهد تراجعا منذ اندلاع الانتفاضة في مارس (آذار) الماضي. وبحسب تقديراتهم تراجعت أحجام الشحن بمتوسط 35 إلى 40 في المائة في الأشهر الثمانية الأولى من 2011 عن مستواها قبل عام. وقال مسؤول بقطاع النقل السوري لـ«رويترز»، من دمشق، شريطة عدم نشر اسمه: «المستوردون والمصدرون يتوخون الحذر الشديد، وأدى ذلك لتراجع حاد في واردات المواد الخام، مع تباطؤ الإنتاج في كثير من الصناعات نتيجة الأزمة».

وقال وكلاء شحن وخبراء بالصناعة إن أحجام مناولة الحاويات التي يجري أغلبها في ميناء اللاذقية، تراجعت في يونيو (حزيران) الماضي وحده بنسبة 36 في المائة، مقارنة بمستواها قبل عام، لتصل إلى 33 ألفا و527 حاوية مكافئة. وتظهر الأرقام الرسمية لميناء اللاذقية في الفترة بين أبريل (نيسان) ويونيو انخفاضا بنسبة 16 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لكن مصادر بالقطاع قالت إن هذه البيانات ليست دقيقة، لأنها تشمل حاويات كثيرة بها مساحات فارغة.

وفي طرطوس التي تجري بها مناولة معظم شحنات بضائع الصب في سوريا، أو نحو تسعة ملايين طن سنويا في الأحوال العادية، قالت مصادر بقطاع الشحن إن بعض الشركات الأوروبية تتجنب الميناء بعدما أعلن الاتحاد الأوروبي عقوبات على صادرات النفط السورية في مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي. وأضافت المصادر أنها تتوقع انخفاضا في النشاط من الشركات العراقية والعربية الأخرى، بسبب نقاط التفتيش والحواجز المرورية المنتشرة بشكل متزايد في أنحاء كثيرة من سوريا.

وقال وكيل شحن رئيسي في طرطوس: «كنا نستقبل 25 إلى 30 سفينة يوميا.. تراجع ذلك إلى ما بين خمسة وعشرة يوميا»، في إشارة لسفن حمولتها بين ثمانية آلاف و35 ألف طن. وتقول مصادر إن خطوط الشحن الكبيرة ذات الوقوف المتكرر، مثل «ميرسك» الدنماركية، و«سي إم إيه - سي جي إم» ومقرها فرنسا، و«إم إس سي» ومقرها جنيف، و«هامبورغ سود» الألمانية، ما زالت تتوقف في الموانئ السورية بالوتيرة المعتادة إلى حد كبير، وإن كان بأحجام شحن أقل.

ويقول وكلاء ملاحيون إن الشركات تحجم عن الانسحاب من سوق للنقل تخدم المنطقة كلها، وما زالت لها فرص كبيرة على المدى البعيد بفضل موقعها. وقال طلال الحلواني من شركة «الحرية للملاحة والنقل» في عمان، وهي وكيل لشركة إيطالية رائدة: «لا تنسحب خطوط شحن كبيرة في الوقت الحالي.. لدى الانسحاب من أي خدمة سيكون من الصعب استعادتها».

وأضاف: «على الرغم من أن الشركات تعاني، لأن أحجام البضائع لم تعد كما كانت، فإنها ما زالت تعمل بالصورة المعتادة على الرغم من كل القيود. إنها عملية انتظار وترقب». لكن ثمة شركات إقليمية أخرى من غير ذات الخدمات المنتظمة، قدرتها أقل على تحمل الخسائر، وقد قلصت زياراتها للموانئ السورية، أو ألغت التوقف فيها على الإطلاق.

وقال مسؤول آخر في قطاع النقل السوري: «شركات الشحن التي كانت تتوقف بسفن حاويات أربع مرات في الشهر، تدخل الميناء الآن ثلاث مرات. بعض الشركات الإقليمية منها واحدة أو اثنتان من تركيا توقفت تماما عن التوقف بالموانئ». وتسعى بعض شركات الشحن لتعويض التراجع في تجارتها مع سوريا بتقديم أسعار أكثر تنافسية لنقل الحاويات إلى موانئ بيروت ومرسين والإسكندرية القريبة، التي تقدم الخدمة نفسها لمنطقة أوروبا والبحر المتوسط. ودفعت الاضطرابات شركات كثيرة لتعليق خطط بعضها وضع قبل خمسة أشهر فقط، لإضافة مزيد من رحلات الحاويات، أو لجلب سفن أكبر إلى الموانئ السورية، ترقبا لطلب متعلق بإعادة إعمار العراق. وخلال السنوات الخمس الماضية تمكنت الموانئ السورية من تعزيز أنشطة النقل مع العراق والأردن وشبة الجزيرة العربية، إثر تقليص الروتين والقيود الحكومية في سوريا، وهو إرث خمسة عقود من اتباع النموذج السوفياتي في الإدارة الاقتصادية.

وجرى أيضا تنشيط ميناءي اللاذقية وطرطوس، بمنح عقود إدارة محطات الحاويات بهما إلى شركات أجنبية، بالاشتراك مع مستثمرين محليين على علاقة بعائلة الأسد. وطورت الشركات الأجنبية - وهي «سي إم إيه - سي جي إم» في اللاذقية، والشركة الدولية لخدمات محطات الحاويات الفلبينية في طرطوس – المنشآت، وساعدت على رفع أحجام مناولة الحاويات في الميناءين إلى 620 ألف حاوية، مكافئة العام الماضي، من 365 ألفا في 2004.

وقال وكلاء ملاحة ومسؤولون بقطاع النقل السوري، إن نحو 40 في المائة من إجمالي الشحنات التي يستقبلها ميناء اللاذقية، تتجه إلى العراق، بينما يرتفع الرقم بالنسبة لميناء طرطوس إلى 70 في المائة. وتمتاز الموانئ السورية بالمرونة وانخفاض التكلفة، مما يمنحها ميزة تنافسية للأنشطة المتعلقة بالعراق، مقارنة بالموانئ التركية واللبنانية وميناء العقبة الأردني. كما أن تكلفة النقل البري الأقل تمنح البلاد ميزة إضافية، إلى جانب تفادي رسوم قناة السويس التي يدفعها المستوردون الذين يستخدمون الموانئ الأردنية والسعودية على البحر الأحمر.

أما الآن فيتطلع المستوردون العراقيون والأردنيون والسعوديون، الذين كانوا يستخدمون الموانئ السورية في السنوات الأخيرة لنقل بضائع الصب، مثل الخشب والرخام والصلب والحبوب، من منطقة البحر الأسود وشمال ووسط أوروبا، إلى بدائل. وقال وحيد أبو عجمية، المدير العام لشركة «سي إم إيه - سي جي إم» الأردن: «تأتينا استفسارات متزايدة من تجار محليين وعراقيين يريدون جلب بضائعهم إلى الأردن بحرا من تركيا أو أسواق أخرى.. هذا النشاط عادة ما كان يذهب للموانئ السورية. حتى البضائع التي التي عادة ما كانت تنقل برا عبر سوريا يجري شحنها الآن».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال