الاحـد 19 ربيـع الاول 1433 هـ 12 فبراير 2012 العدد 12129
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

فلسطيني وراء نجاح نظام الإسعاف الطبي في رومانيا

آلاف الرومانيين تظاهروا دعما لرائد عرفات بعدما أخطأ رئيس البلاد في حقه ثم تراجع

رائد عرفات
بوخارست: نيكولا كوليش*
عندما قدم الدكتور رائد عرفات استقالته الشهر الماضي من منصبه كوكيل لوزارة الصحة في رومانيا، خرج الآلاف إلى شوارع البلاد مطالبين بعودته. واتخذت المظاهرات منحى عنيفا عندما أضرم المحتجون النيران وألقوا بالحجارة التي اقتلعوها من الأرصفة، وردت قوات الشرطة بقنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه.

لم يكن هذا هو رد الفعل المعتاد لاستقالة أي مسؤول حكومي هنا أو في أي مكان آخر، مما يشير إلى أن رائد عرفات، الفلسطيني المولد، لا ينظر إليه كمسؤول حكومي عادي. فقد كان أحد مؤسسي نظام الإسعاف، والسبب وراء مغادرته الوزارة واضح وقبيح.

عندما ظهر عرفات، الذي لا يمت بصلة قرابة للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في أحد البرامج التلفزيونية الحوارية في يناير (كانون الثاني) لمناقشة خطط الحكومة الخاصة بإصلاح نظام الرعاية الصحية، وبّخه الرئيس تريان باسيسكو، في مداخلة تليفونية للبرنامج على الهواء مباشرة، واتهمه بالكذب عندما قال إن الحكومة تريد تقويض نظام الإسعاف الذي قضى جل سنوات عمله في تأسيسه.

وتراجع الرئيس بعد المظاهرات غير المتوقعة ووافق على عودة عرفات. وقال عرفات الذي يبلغ 47 عاما ويعيش وحيدا: «إنني متزوج بطب الإسعاف». ورغم أنه لم يمر أكثر من أسبوع على مغادرته المنصب، استمرت الاحتجاجات وازدادت قوة، تعبيرا عن سخط أكبر يشمل السخط تجاه الأجور والمعاشات وفرص العمل والفساد. وامتد السخط الأسبوع الحالي بسبب استقالة رئيس الوزراء، إيميل بوك، سعيا إلى استقرار البلاد.

بعد فترة قصيرة من انهيار الشيوعية في رومانيا عام 1990، سافر عرفات إلى ريغينسبورغ بألمانيا لشراء سيارة طوارئ مستعملة بها جهاز لإزالة الرجفان ووسائل إسعاف أولية بمساعدة أصدقاء من الصليب الأحمر الألماني. وقاد الطبيب الفلسطيني الشاب السيارة «أوبل كاديه» ذات اللون الأبيض بخطوط برتقالية وأضواء زرقاء عائدا إلى رومانيا، حيث كان يعمل في تخصصه كطبيب تخدير. كانت البداية متواضعة، لكن النتيجة ليست كذلك، حيث يعمل في خدمة الإسعاف المتنقل للإنعاش والإنقاذ 170 فريق إنقاذ أول، و12 مركز تدريب و4 مروحيات، وستنضم إليها مروحية خامسة خلال الربيع الحالي. وينظر إلى الإسعاف باعتباره الجزء الوحيد الذي يعمل بفعالية، في نظام الرعاية الصحية في رومانيا.

ويقول بيتر غوردن، طبيب الطوارئ في مركز باسيت الطبي في كوبرستاون في نيوجيرسي: «النظام على أفضل تقدير أفضل مما كان لدينا، وعلى أسوأ تقدير فهو أفضل من النظام الموجود في الكثير من المناطق في الولايات المتحدة». وعمل بيتر لنحو 10 سنوات مع عرفات في تأسيس هذا النظام. وأضاف: «موقفه هو: يمكننا أن نقدم خدمة الإسعاف على نحو أفضل من أي مكان آخر في العالم. لن نكون بكفاءة الألمان أو الفرنسيين. لكن دعنا نكن أفضل منهم».

ورغم حصول عرفات على الجنسية الرومانية عام 1998، فقد زادت حقيقة كونه مهاجرا يعمل في بلد ليس بلده الأم من شعوره بالإيثار، حيث يقول: «لا كرامة لنبي في وطنه». ويتسم عرفات، الأصلع ذو السوالف القصيرة، بالحماس والثقة بالذات دون عدوانية أو سيطرة. إنه يثير لديك انطباعا بأنه شخص تريد أن يكون في سيارة الإسعاف إذا ما أصبت بأزمة قلبية. غالبا ما يتطوع للعمل في نوبات في المروحيات التابعة لخدمة الطوارئ التي أنشأها، حيث يتعرف عليه المرضى أحيانا إذا كانوا في وعيهم، على حد قوله.

نشأ عرفات في الضفة الغربية وحفظ كتاب «الإسعافات الأولية دون ذعر» بأكمله عن ظهر قلب. ولد عرفات في دمشق بسوريا، ونشأ وقضى فترة طفولته وصباه في نابلس بالضفة الغربية، ويصف موقفه بـ«الطب بشتى الطرق». عندما بلغ الرابعة عشرة من العمر لم يشارك مع عمال الإطفاء فحسب، بل بدأ بتعليم عمال إطفاء الحريق طرقا عرفها من كتاب إرشادات الإسعافات الأولية. وعندما بلغ الخامسة عشرة من العمر، بدأ يتطوع في مستشفيات نابلس، حيث سمح له بإعطاء حقن «التيتانوس» والتقطيب تحت إشراف طبيب محترف. وكان له جار جراح ورئيس أحد المستشفيات، ولذا كان يقضي عطلاته المدرسية في تقديم يد العون خلال العمليات الجراحية. وقبل رائد الشاب في إحدى الجامعات الأميركية، لكن لولا تدخل والديه لكان مسار مستقبله تغير تماما وبدأ في بلد يمكن أن يكون قد اعتاد على المواهب، لكنه ليس بحاجة إليه مثل رومانيا. لقد خشي والداه أن يبقى من أجل مصلحته إذا درس في أميركا، فلم يخبراه بقبول الجامعة له.

سافر عرفات إلى رومانيا في عام 1981، وكان حينها في السابعة عشرة من عمره. لقد كان والداه على حق، حيث قال عرفات: «لو لم يتغير النظام، لكنت غادرت البلاد». تخصص عرفات في طب التخدير والرعاية المركزة في مدينة تارغو مورس في ترانسلفانيا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 150 ألف نسمة.

وفي خريف عام 1989، بدأت أنظمة بلدان أوروبا الشرقية تتهاوى، الواحد تلو الآخر. وكان العام التاريخي من نصيب رومانيا عندما أعدم نيكولا تشاوشيسكو وزوجته في ديسمبر (كانون الأول). بعد ذلك بفترة قصيرة، قام عرفات برحلة لشراء سيارة «أوبل كاديت» مستعملة. وقال: «لم يخطر ببالي أبدا أننا سنصل إلى ما نحن فيه الآن، فقد كانت الفكرة في البداية هي تشكيل فريق متنقل للرعاية المركزة استنادا إلى نماذج شاهدتها في فرنسا وألمانيا».

وأثناء الثورات التي شهدتها دول أوروبا الشرقية، عمل الطبيب الشاب بلا ملل لوضع نظام طبي حديث وفعال في دولة لا تعد سيارات الإسعاف أكثر من سيارة أجرة تستخدم لنقل المريض. وتوفي والده وترك له ميراثا صغيرا، أنفقه عرفات خلال السنوات الـ8 التالية منذ عام 1990 وحتى عام 1998، حيث كان يعمل كمتطوع دون أجر.

وفي الوقت الذي خصص فيه عرفات خلال العام الحالي عمليات في كل منطقة في رومانيا، أعلنت الحكومة خططا لخصخصة هذه الخدمة في إطار الإصلاح الشامل لنظام الرعاية الصحية. وبعد سنوات من تبني سياسات التقشف لتلبية شروط خطة الإنقاذ المقدمة من صندوق النقد الدولي، وضع الرومانيون حدا لمحاولات الحكومة استغلال خدمة رعاية الطوارئ التي اجتهد عرفات من أجل إنشائها. وقال غابرييل ديليو، مسؤول سابق في الجيش الروماني ويبلغ من العمر 36 عاما وشارك في الاحتجاجات التي استمرت لأيام بعد موافقة عرفات على العودة إلى منصبه: «لا يتعلق الأمر به فحسب، لكنه أيقظ الناس، وإلا سيسألون في سيارة الإسعاف عن رقم حسابهم أو بطاقتهم الائتمانية».

وعلى الجانب الآخر، قال عرفات إنه تناقش مع رئيس الوزراء والرئيس، الذي قال إنه حصل على معلومات مغلوطة حول وضع خدمة الطوارئ في نظام الرعاية الصحية قبل أن يقرر قبول العودة إلى منصبه. ويبدو أنه شعر بالارتياح بعد عودته إلى منصبه، حيث قال: «إنه أمر يثير شغفي. أحيانا لا ينبغي أن تسأل شخصا عن سبب إعجابه بشيء، مثلما لا ينبغي أن تسأل رياضيا عن سر حبه للرياضة. لا ينبغي أن يسألني أحد عن سر حبي للإسعاف الطبي».

* خدمة «نيويورك تايمز»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال