الثلاثـاء 21 ربيـع الاول 1433 هـ 14 فبراير 2012 العدد 12131
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

محند العنصر: التنسيق الأمني مع الجزائر موجود وفعال ويمكن أن يتحسن ويصبح أكثر فعالية

وزير داخلية المغرب الجديد في حوار شامل مع «الشرق الأوسط»: ما وقع من أحداث في تازة كان طبيعيا في بدايته وتغيرت طبيعته فيما بعد

حاتم البطيوي
قال محند العنصر، وزير الداخلية المغربي، والأمين العام لحزب الحركة الشعبية، إن التنسيق الأمني بين المغرب والجزائر موجود وفعال ويمكن أن يتحسن ويصبح أكثر فعالية. مشيرا إلى أن مسألة الأمن في الظروف الراهنة، وفي سياق مواجهة الإرهاب، وتهريب المخدرات، وكل ما يهدد المنطقة، هي أقوى وأكبر من العلاقات الظرفية التي يمكن أن تتغير وتتحسن، وهذا ما يجعل هناك وعيا لدى الجانبين بما هو أساسي وما هو حيوي بالنسبة لمنطقة شمال أفريقيا.

وأوضح العنصر، في حديث شامل خص به «الشرق الأوسط»، هو الأول من نوعه منذ تعيينه وزيرا للداخلية، أن المغرب كان دائما يتطلع إلى تقوية التعاون الأمني ليس فحسب مع الجزائر ولكن مع كامل دول المنطقة كلها.

إلى ذلك، كشف العنصر أن حزبه طالب بوزارة الداخلية منذ اللقاء الأول مع السيد رئيس الحكومة، عبد الإله ابن كيران «لأننا أردنا فعلا أن نساهم كحزب سياسي كذلك في التوجه الجديد الذي يروم جعل جل قطاعات الحكومة بين يدي الأحزاب السياسية».

وأشار العنصر إلى أن أطرافا داخل الأغلبية الحكومية كان لها رأي آخر يطالب بأن تستمر وزارة الداخلية ووزارة الخارجية تحت إشراف شخصيات من خارج الأحزاب السياسية على الأقل لمدة خمس سنوات أخرى. وبشأن موعد الانتخابات البلدية والقروية، قال العنصر: «ليس هناك موعد محدد لها.. ويمكن أن تكون مبرمجة ما بين نهاية يونيو وسبتمبر».

من جهة أخرى، قال وزير داخلية المغرب إن ما وقع من أحداث في تازة (شرق البلاد) في الآونة الأخيرة «يمكن القول إنها كانت طبيعية في بدايتها وتغيرت طبيعتها فيما بعد». وأشار العنصر إلى أن المغرب يعاني من عدد من المشكلات الاجتماعية وعلى رأسها البطالة ولكن الحل لا يكمن في إحراق الذات ولا في الترامي على ملك الغير ولا في القيام بأعمال تخريبية. وشدد العنصر على القول: «يجب أن تقال الحقيقة للمغاربة هناك ما هو ممكن، ويمكن أن لا تكون جميع الحلول في يد الحكومة، وأن هذه الحلول واقتراحاتها يمكن أن تأتي حتى من المواطن العادي». وفيما يلي نص الحوار:

وزاد قائلا: «يجب على المغاربة أن يعرفوا أنه ليس بإمكان الدولة أن تشغل جميع المتخرجين من الجامعات وخاصة عندما يكون المطلب هو التوظيف دون امتحان.. وأن يكون في القطاع العام وليس الخاص».

* ما الانطباع الذي انتابك عند أول لحظة دخلت فيها إلى مكتب وزير الداخلية، خاصة أنه مر عليه صقور وحمائم. فما هي الحكمة التي وضعتها نصب عينيك وأنت تلجه لأول مرة متحملا مسؤولية وزارة الداخلية لقيادتها نحو مرحلة جديدة بصفتك وزيرا متحزبا؟

- أولا، وزارة الداخلية لها خصوصيتها، ومن حسن الحظ أنني شاركت في الحكومة لمدة طويلة، ولكنني لا أقول إنني أعرف وزارة الداخلية بيد أنه يمكنني القول إنني تعرفت على بعض الوجوه البارزة العاملة فيها. وفي الواقع فإن أول انطباع انتابني عقب تعييني وزيرا للداخلية هو أنني دخلت إلى قطاع كبير ومتشعب وله اختصاصات متعددة، ويمكن القول إنه قطاع يوجد في ملتقى عدد من التقاطعات سواء تعلق الأمر باختصاصات الداخلية أو بالتنسيق مع عدد من القطاعات الوزارية، لكن أمام هذا الحجم الكبير من المسؤولية كان عندي أيضا انطباع تكون وأنا خارج الوزارة، والذي تأكد مع تعييني على رأسها مفاده أن هذه الوزارة تحتوي على كنز من الموارد البشرية المؤهلة التي لها تجربة كبيرة، وتشتغل بتفان في أداء مهامها. وبالطبع، يبقى الهاجس هو أن تكون الاستجابة فورية لعدد من متطلبات هذه الوزارة لأن هناك أشياء لا تنتظر عندما يتعلق الأمر باستقرار الوطن وأمن المواطن. فعدد من الأشياء المرتبطة بالحاجيات اليومية للمواطن لا يمكن أن تنتظر، وهذه خصوصية وزارة الداخلية.

* هل وضعت خارطة طريق محددة لمسار عملك في وزارة الداخلية خاصة أنك أول سياسي حزبي يديرها بعد أن ظلت لعقود طويلة تحت إشراف أمنيين وتكنوقراط؟

- لا أقول خارطة الطريق بقدر ما أقول إنه كان هناك نوع من التحدي يتمثل في كيف يمكن أن نظهر للمواطن المغربي أن وزارة الداخلية، مع جسامة مهامها، هي قطاع حكومي مثل جميع القطاعات بمعنى كيف يمكن أن نزيل عن هذا القطاع الحكومي تلك الصورة النمطية التي ترسخت في مخيلة المواطن، وجعلت هذا القطاع بمعزل عن باقي القطاعات الحكومية. طبعا، هذه عملية ليست سهلة لان هناك فعلا أشياء مرتبطة بالمهام الموكولة للوزارة لكن هناك جزء كبير جدا يجب أن يفهم المواطن أنه جزء من الحكامة العادية عندما يتعلق الأمر بالجماعات المحلية (البلديات)، وعندما يتعلق الأمر حتى بالاختصاصات الأمنية إذا ما استثنينا ما هو مرتبط بقضايا حساسة. فالتدابير الأمنية يبقى هدفها هو طمأنينة المواطن وحمايته فهذه كلها اختصاصات يمكن أن نجدها في وزارة الداخلية أو في وزارة العدل أو أي وزارة أخرى، طبعا لا يمكن أن أقول هناك قرارات ستتخذ في غضون شهر لكن أقول إن التحدي الذي يجب أن يرفع هو أن يعلم المواطن المغربي أن وزارة الداخلية هي مثلها مثل باقي الوزارات الأخرى، وهذا ما سيسهل ولوج السياسيين والمتحزبين في المستقبل إلى هذا القطاع.

* هل كانت وزارة الداخلية مطلبكم خلال مشاورات تشكيل الحكومة أم أنها اقترحت عليكم مقابل تنازلكم عن حقائب وزارية أخرى؟

- أبدا، نحن طالبنا بوزارة الداخلية منذ اللقاء الأول مع السيد رئيس الحكومة لأننا أردنا فعلا أن نساهم كحزب سياسي كذلك في التوجه الجديد الذي يروم جعل جل قطاعات الحكومة بين يدي الأحزاب السياسية. وبطبيعة الحال كانت أطراف داخل الأغلبية الحكومية لها رأي آخر يطالب بأن تستمر وزارة الداخلية ووزارة الخارجية تحت إشراف شخصيات من خارج الأحزاب السياسية على الأقل لمدة خمس سنوات أخرى. لكن نحن طالبنا منذ البداية بهذه الوزارة علما أنها كانت رغبة عبرنا عنها ولكننا كنا ننتظر المفاوضات لأنه كان ممكنا أن تتغير الأمور.

* قلتم إن هدفكم الأساسي الآن هو جعل نظرة المواطن المغربي إلى وزارة الداخلية مثل نظرته إلى باقي القطاعات الحكومية الأخرى. لكن وزارة الداخلية كانت في نظر الناس تقوم دائما على السلطة والشدة. وبصفتكم أمينا عاما لحزب سياسي كيف ستوفقون في هذه المرحلة الانتقالية التي تمر منها الوزارة بين الوجهين: الفاعل السلطوي والفاعل السياسي الحزبي؟

- سأحاول التوفيق بين هذين الجانبين باحترام القانون والخضوع له. إن ما كان يعاب على ما تقوم به وزارة الداخلية، أعتقد أنه في بعض الأحيان كان يتم عن جهل، لكن التصور في مخيلة المواطن بصفة عامة هو أن وزارة الداخلية هي فوق القانون، وتشتغل خارج القانون، وهذا بطبيعة الحال لا أعتقد أنه صحيح مائة في المائة لكن للتوافق بين الجوانب التي أشرت إليها ليس هناك خيار إلا تطبيق الدستور والقانون، فهو يمثل الحماية الكبرى لا أمام القطاعات الأخرى ولا أمام المواطن.

* من بين الملفات الكبرى المعروضة عليكم الآن هناك الانتخابات البلدية والقروية. سلفكم السابق الطيب الشرقاوي نال شهادة حسن السلوك في الانتخابات التشريعية ليوم 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. فكيف ستضمنون أنتم نزاهة أكبر في الانتخابات المقبلة وفوزا متميزا لحزبكم؟

- لا أعتقد أن مسألة الحزب تدخل كعنصر في هذه المعادلة لأنه عندما يصل المسؤول إلى موقع الإشراف على الانتخابات لا يمكنه أن يتحدث كمشرف على الانتخابات عن حزبه والآخرين. فهو مشرف على الانتخابات التي تشارك فيها جميع الأحزاب السياسية وربما هذا هو السبب الأساسي الذي جعلني أفوض اختصاصات التدبير اليومي للحركة الشعبية للأخ سعيد امسكان، عضو المكتب السياسي للحزب. كيف يمكن التعامل مع هذه الانتخابات؟ أعتقد أن سلفي مولاي الطيب الشرقاوي سلك مسلكا محمودا هو تطبيق القانون وإشراك القضاء في عملية الإشراف على الانتخابات، وإعطاء تعليمات صارمة لممثلي الوزارة في الأقاليم لاتخاذ موقف الحياد الإيجابي بطبيعة الحال. لأن الحياد هنا يعني السهر ومراقبة ما يجري، وأعتقد أن القوانين المغربية أصبحت قوانين في مستوى جيد، وراكمت عددا من المكاسب والتجارب التي جعلتها قوانين لها إلمام بجميع جوانب العملية الانتخابية، فإذا ما سهرنا على تطبيق هذه القوانين وعلى روح الدستور الجديد فأعتقد أن الانتخابات الجماعية (البلدية) ستكون لها مصداقية والجميع سيقر بنتائجها.

* متى تتوقعون إجراء الانتخابات البلدية والقروية. هناك توقعات بإجرائها في يونيو (حزيران) المقبل وهناك حديث عن إرجائها إلى سبتمبر (أيلول) المقبل. فهل من تاريخ محدد؟

- ليس هناك موعد محدد. فتحديد التاريخ يحكمه الدخول البرلماني في الجمعة الثانية من شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2012، فمعروف أن هذا هو أقصى تاريخ. والمتبقي هو كيف ستكون الجدولة من فبراير (شباط) إلى أكتوبر، وهذا مرتبط بعدد من الإجراءات الأولية فهناك قوانين ومراسيم نحن نشتغل عليها وستعرض على الحكومة، وهناك ما سيعرض على البرلمان. فحسب هذه الجدولة نعتقد أن الانتخابات البلدية والقروية، وهي ليست عملية وحيدة إذ هناك انتخابات الغرف المهنية وانتخابات المأجورين، يمكن أن تكون مبرمجة ما بين نهاية شهر يونيو وشهر سبتمبر. كما أن شهر سبتمبر ممكن أن تجري فيه أيضا انتخابات مجلس المستشارين (الغرفة الثانية في البرلمان).

* في سياق الإعداد للانتخابات البلدية والقروية ستواجهون أيضا مسألة التقطيع الانتخابي. ما هي تصوراتكم بشأن الخريطة الانتخابية المقبلة على ضوء تقطيع الدوائر الانتخابية؟

- لا أعتقد أنه فيما يتعلق بالجماعات البلدية والقروية (البلديات) هناك تغيير حتى الساعة لكن لا أدري، وممكن تكون هناك بعض التعديلات الطفيفة على تقطيع بعض الجماعات.التقطيع الإداري لبعض العمالات والأقاليم (المحافظات) معروف، ولم يقع فيه تغيير، وهذا يعني أن عدد الدوائر الانتخابية المحلية لن يطرأ عليه تغيير. ممكن يكون الحديث عن قضية الجهات أي التقطيع الجهوي لأن هناك توصية للجنة الاستشارية المكلفة الجهوية التي تقترح 12 جهة، وهذا لا بد أن يتم بالاستشارة مع الفاعلين السياسيين. بالفعل كانت هناك استشارة واسعة، والآن ينبغي أن ندقق في هذه الأمور. ولهذا أعتقد أن الدوائر الانتخابية لن يكون فيها تغيير كبير باستثناء بعض التعديلات الطفيفة.

* هناك من يقول إن هناك تضخما في عدد الجماعات وخاصة القروية هل من مراجعة تروم تقليصها؟

- هذا فعلا نقاش قديم مطروح منذ تعديل التقطيع الانتخابي قبل أكثر من 12 أو 15 سنة. لكن المشكلة المطروحة في المغرب هي أنه يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الساكنة والمساحة. فإذا ما أخذنا عنصر الساكنة يمكن القول إن هناك عددا من الجماعات القروية يمكن أن تجتمع في جماعة واحدة لكن عندما نرى المساحة يصعب أن تكون هناك جماعة قروية لمساحة شاسعة لأنه ليس هناك عدد كاف من السكان، فهذا يطرح مشكلة. ومن ثم فإننا عندما نتحدث عن 1500 أو 1600 جماعة فإن ذلك ليس بكثير بالنسبة لبلد مساحته 750 ألف كيلومتر مربع عندما نقارنه مع فرنسا، وهي فعلا النموذج الأقصى إذ نجد أنه في 500 كيلومتر مربع توجد أكثر من 30 ألف جماعة، ولكن هذا لا يعني أن النموذج الفرنسي في التقطيع نموذج مثالي، واليوم من الصعب الرجوع إلى الوراء، وحتى إذا أردنا أن نقلص من عدد الجماعات فإن ذلك يبقى صعبا لأن الانتماء يكون إلى الجماعة والمواطن يشعر أن له انتماء لعائلة مصغرة، وعندما نريد التجميع بين جماعتين سيكون الأمر صعب جدا، وقد أبانت بعض النماذج في السنوات الأخيرة أن هناك صعوبة.

* المغرب مقبل على إرساء الجهوية (المناطق). هل تعتقد أن الظروف ناضجة للشروع في تنفيذ هذا الورش، وتنزيل هذا المبدأ الدستوري؟

- أعتقد أنه ليس هناك خيار آخر لأن هذه رغبة المغاربة جميعا أولا، والفاعلين السياسيين من خلال المشاركة في اللجنة التي انكبت على التحضير لمشروع الجهوية الموسعة، كذلك يجب ألا ننسى أن غالبية المغاربة صوتوا على الدستور، وكانت الجهة المتقدمة من أبرز الأشياء الجديدة التي جاء بها الدستور الجديد، وثالثا أن المغرب الذي بدأ تجربة الجهة منذ عام 1993 يمكن أن يمر إلى المرحلة المتقدمة. والآن عندما نتحدث عن الجهوية المتقدمة وعن الحكم الذاتي مثلا في الجنوب (الصحراء)، هذه كلها أشياء تأتي تدريجيا، وفي سياق ومسار محددين، وأعتقد أن المغرب جاهز للدخول في هذه التجربة لأن هناك نخبا محلية وجهوية، هناك الآن تنافس بين الجهات، وهناك رغبة لديها في أن يكون لها التحكم والمسؤولية في مصير الرقعة الترابية التي تهمها، وأعتقد أن هذا كله سيساعد المغرب على إرساء جهوية متقدمة.

* في سياق الحراك الاجتماعي خاصة بمظاهره العنيفة المتمثل في إحراق العاطلين لأنفسهم، والهجوم على الممتلكات العمومية، واندلاع اضطرابات مثلما وقع أخيرا في تازة، يبدو أن المقاربة الأمنية لم تعد ذات جدوى، والمقاربة الاقتصادية تكتنفها صعوبات. كيف ترون كوزير للداخلية وكفاعل سياسي حل هذه الإشكالية؟

- أولا، أنا أعتقد أن هذه المشكلة تواجه مكونات الشعب المغربي بأكمله سواء تعلق الامر بالحكومة أو الغالبية والمعارضة والمجتمع المدني لأنه يجب أن يكون هناك فصل بين مسألتين أي الفصل ما بين حقوق المواطن الفردية والجماعية فيما يتعلق بالتظاهر والتعبير عن انشغالاته ومطالبه، وهذا يجب أن يصان ويحترم، ولكن يجب كذلك أن نقنع بعضنا البعض أن هناك أشياء كذلك يحكمها القانون ولا يمكن أن يكون فيها تسيب مثلا عندما يقع احتلال ملك عمومي، وعندما يكون هناك ترام على ملك الخواص، هذا يجب أن يكون فيه حوار أولا، ولكن يجب أن تكون فيه صرامة أيضا لأنه كيفما كان الحال عندما يكون هناك أمثلة نعيشها الآن كالترامي على أراضي الغير للبناء بصفة غير قانونية فمعناه أن هناك مساسا بحرية وحقوق الآخر، ولا يمكن أن نمضي قدما في هذا التسيب. صحيح أن المغرب يعاني من عدد من المشكلات الاجتماعية وعلى رأسها البطالة ولكن الحل ليس في إحراق الذات ولا في الترامي على ملك الخواص ولا في القيام بأعمال تخريبية لذا يجب أن تقال الحقيقة للمغاربة؛ هناك ما هو ممكن، ويمكن أن لا تكون جميع الحلول في يد الحكومة، وأن هذه الحلول واقتراحاتها يمكن أن تأتي حتى من المواطن العادي. لهذا أنا أقول إن الحوار والقانون يجب أن يكونا متوازيين لكن يجب كذلك على المغاربة أن يعرفوا أنه ليس بإمكان الدولة والإدارة أن تشغل جميع المتخرجين من الجامعات وخاصة عندما يكون المطلب هو التوظيف دون امتحان، وأن يكون التوظيف في القطاع العام وليس الخاص، فهذه كلها مسائل من الصعب أن تتحقق.

* عرفت مدينة تازة وقوع اضطرابات تكررت في ظرف أقل من شهر. إلى ماذا تعزون أسباب ذلك؟

- ما وقع من أحداث في تازة يمكن القول إنها كانت طبيعية في بدايتها، وتغيرت طبيعتها فيما بعد، لأنه عندما اندلعت الأحداث كانت المشكلة تكمن في مجموعة من العاطلين أتوا أمام العمالة (المحافظة)، وتظاهروا مطالبين بتوفير العمل لهم، وهناك من تظاهر كذلك لأنه كان يحتج على ما يراه غلاء لفواتير الماء والكهرباء، وهذا شيء في حد ذاته طبيعي، غير الطبيعي هو أن هذا الاحتجاج ذهب إلى محاولة اقتحام مقر العمالة والمقرات العمومية وتكسير الزجاج ورشق القوات العمومية بالحجارة. فهنا بالطبع وعندما استنفدت جميع المحاولات لتفريق هذه المظاهرات تدخلت قوات الأمن لإخلاء الشارع العام ولحماية المؤسسات العمومية. والحمد لله الأمور مرت دون عنف قوي رغم أن كثيرا من عناصر الأمن أصيبوا بجروح. لكن تبين أنه كان يوجد ضمن المتظاهرين من كان يحرض ويكسر. والذي وقع هو أنه تقرر تقديم هذه العناصر إلى العدالة التي يمكن أن تدينهم أو أن تطلق سراحهم. فهذا كان سببا في اندلاع الحوادث الأخيرة لأن نفس الأشخاص جاءوا أمام العمالة والسجن، وأرادوا اقتحامهما، واحتجوا وطالبوا بالإفراج عن أولئك الأشخاص الذي قدموا للعدالة. فالمسألة هنا تتعلق بالقانون واحترامه، وبالتالي يجب أن يكون خطابنا كمسؤولين وكمواطنين متطابقا بحيث يجب ألا نكون ندعي ونسعى إلى دولة الحق والقانون ونرفض أن يكون لهذا القانون سيادة على الجميع. بطبيعة الحال، وكما سبق أن قلت، وقع رشق قوات الأمن بالحجارة، وتكسير زجاج المؤسسات العمومية وتمت مداهمة مصالح الأمن وفي آخر المطاف اضطر الأمن كذلك إلى إخلاء سبيل الشارع، وهذه أمور تقع في جميع دول العالم.

* شاركت في حكومات كثيرة منذ عقد الثمانينيات من القرن الماضي، كيف تجدون اشتغال المجلس الحكومي الحالي مقارنة مع المجالس الحكومية السابقة على مستوى الأفكار والنقاش والأسلوب؟

- أعتقد أن هناك جوا من التفتح، نحن نشتغل في جو مرضٍ ولكن لا يمكن أن نحكم من خلال ثلاثة اجتماعات على مناخ العمل داخل الحكومة لكنه بالتأكيد سيكون مناخا مريحا ومرضيا.

* أنتم تقودون حزبا له حساسية أمازيغية وكنتم من المطالبين المعتدلين بدسترة الأمازيغية لكن بعض النشطاء المحسوبين على هذا التوجه يستعجلون تنزيل الأمازيغية، فما هي نظرتك إزاء ذلك في إطار سياق اجتماعي متوتر؟

- مسألة تنزيل الدستور هي مسألة مفروضة على الجميع خاصة أن الدستور حدد حتى الآجال حيث إن جميع القوانين التنظيمية المعلن عليها في الدستور يجب أن تكون جاهزة خلال هذه الفترة التشريعية أي خلال السنوات الخمس التي تبتدئ من 2012. ففي نظري أن القانون التنظيمي المتعلق بالأمازيغية له أولوية وسنعمل على أن يكون جاهزا في القريب العاجل، وخصوصا أنه في عدد من الجوانب سيأتي هذا القانون التنظيمي بتأطير ما هو موجود وتعميقه. فمثلا في مجال الإعلام ثمة مجهودات، هناك الآن الإعلام الأمازيغي في التعليم، هناك بعض التجارب لكن يجب أن نكرس هذا في تنزيل الدستور وأن نعمقه. وهناك أيضا أشياء يمكن أن تكون ملموسة حتى تكون الأمازيغية موجودة وأكثر بروزا في الحياة اليومية للمواطن. لكن في نظرنا كذلك يجب أن نكون واقعيين لأنه لا يمكن حتى في ظرف خمس سنوات أن تصل الأمازيغية إلى المستويات التي وصلتها اللغة العربية واللغات الأجنبية، إنما المهم في نظري هو ما جاء به الدستور والتنزيل الجيد له وكذلك التقدم إلى الأمام دون تراجع، لكن التخوف الذي كان لدى الجمعيات والأحزاب السياسية يكمن في أن المكاسب التي تحققت منذ بداية هذا القرن، أي منذ الخطاب الملكي في أجدير، بدأت تعرف بعض التراجع، وأصبحت تطرح تساؤلات عن جدوى ذلك، ولاحظنا هذا في التعليم والإعلام، والحمد لله، لقد جاء الدستور اليوم ليعطي طابع الاستمرارية لهذه المسألة.

* بالنسبة لعلاقة الرباط مع الجزائر التي عرفت انتعاشا في الآونة الأخيرة تمثلت في تبادل الزيارات بين مسؤولي البلدين كانت آخرها زيارة سعد الدين العثماني وزير الخارجية إلى الجزائر. في سياق هذا الانتعاش الجزئي الحاصل هل تنوون زيارة الجزائر قريبا أو استضافة نظيركم الجزائري في الرباط؟

- بطبيعة الحال، من حيث المبدأ ليس هناك مانع بشأن زيارتي للجزائر ولا من حيث زيارة نظيري للرباط. الآن ليس هناك شيء مقرر. هناك تبادل رسائل ودية مع زميلي في الجزائر، ونحن بطبيعة الحال كمغاربة وكمواطنين وكفاعلين سياسيين قبل أن نكون أعضاء في الحكومة نتطلع إلى تحسين هذه العلاقات لأننا نرى أن المنطقة المغاربية هي الخاسر الأكبر من التوتر والبرود الحاصل في علاقات البلدين، ونتمنى فعلا أن تتحسن الأجواء خصوصا في عدد من القطاعات التي لها أهمية مثل قطاع الفلاحة والتجهيز. فهناك علاقات جديدة انطلقت ونتمنى أن تشمل باقي القطاعات.

* في عز جمود وبرودة العلاقات المغربية - الجزائرية لوحظ أن التنسيق الأمني بين البلدين ظل قائما، فكيف هو الآن مستوى هذا التنسيق؟

- هو تنسيق موجود وفعال ويمكن أن يتحسن ويصبح أكثر فعالية لأن مسألة الأمن في الظروف الراهنة، وفي سياق مواجهة الإرهاب، وتهريب المخدرات، وكل ما يهدد المنطقة، هو أقوى وأكبر من العلاقات الظرفية التي يمكن أن تتغير وتتحسن، وهذا ما يجعل هناك وعيا لدى الجانبين بما هو أساسي وما هو حيوي بالنسبة لمنطقة شمال أفريقيا. والمغرب كما تعلمون كان دائما يتطلع إلى تقوية التعاون الأمني ليس فحسب مع الجزائر ولكن مع كامل دول المنطقة كلها لأننا عندما نرى ما يقع في جنوب المغرب وجنوب الجزائر ومالي والنيجر، فإن ذلك لا يمكن إلا أن يدفع بنا إلى تحصين أمن المواطنين.

* الآن يعمل إلى جانبكم في الوزارة وزير منتدب لديكم معروف بخبرته الأمنية. فكيف هي العلاقة مع الشرقي الضريس، وكيف يتم تنسيق العمل تحت إشرافكم؟

- العمل طبيعي ويجري في جو من التفاهم والتعاون خاصة أن السيد الوزير المنتدب معروف بكفاءته. إن علاقاتنا طيبة، وأنا أعرفه منذ زمن طويل. والأمر فيما يتعلق بوزارة الداخلية وهي قطاع له مسؤوليات كبيرة ولذلك كان هناك دائما وزير ووزير منتدب أو كاتب دولة (وزير دولة). والوزير المنتدب ليست له اختصاصات محددة، ويمكن له أن ينوب عن الوزير في جميع الاختصاصات أو بعض الاختصاصات المعينة. والآن نحن نشتغل كثنائي دون أي مشكلات.

* خلال الولاية الحكومية الحالية سيصادفكم مؤتمر حزبكم. هل ما زلت عازما على التخلي نهائيا عن الأمانة العامة للحركة الشعبية؟ وهل ستكتفون بالبقاء ضمن قيادة الحزب أم أنك ستبقى مناضلا عاديا فيه؟

- بالفعل أعلنت في المؤتمر الأخير للحركة في 2010 عن كون هذه الولاية ستكون الأخيرة لي على رأس الحركة الشعبية، أنا دائما مع هذا القرار، واعتقد أنه لا يجب، وبالأحرى ليس من المستحسن أن يبحث الإنسان عن بعض المواقف الملتوية. فأما أن يكون في القيادة وأما أن يخرج منها ويظل مناضلا في الحزب ومساهما فيه. القناعات التي عندي الآن أنني في المؤتمر المقبل إن شاء الله سيتقدم مرشحون آخرون للأمانة العامة وسينتخب الأمين العام الجديد، وأنا سأظل مناضلا في الحركة الشعبية.

* الملاحظ أن الحركة الشعبية باستثناء الفترة الوجيزة التي قضتها في صفوف المعارضة بعد تشكيل حكومة عبد الرحمن اليوسفي، تبدو وكأنها لا تجد راحتها إلا في المشاركة في الحكومة. فهل أنتم حزب لا يستقيم أمره إلا في صفوف الحكومة. وكيف تفسرون هذه المسألة؟

- حزب الحركة الشعبية، وإن كان البعض لا يؤمن بما سأقول، هو حزب من أجل المغرب، وهو في خدمة البلد، ومستعد أن يضحي من أجل مصالح البلاد كيفما كان الحال، وهذا ملموس في تاريخ الحزب الممتد منذ 50 سنة، وهي مدة عانت فيها الحركة الشعبية خلال بعض مراحلها الكثير، لكن كان ذلك من أجل استمرار المؤسسات وخدمة التوجه العام للدولة. غير أن ذلك لا يعني أن المعارضة ليست مسارا كذلك، وحتى قبل حكومة اليوسفي كانت الحركة الشعبية في فترات معينة في صفوف المعارضة. صحيح أن طبيعة المناضل الحركي جعلت منه أنه كان دائما راسخا في ذهنه، وهو أمر زال الآن، إن المعارض هو معارض للملك وللنظام وليس للحكومة، وكان من الصعب استيعاب هذا المنظور، فهذا الأمر كان سائدا في السبعينات والثمانينات. فالمناضل الحركي الذي يرى نفسه جنديا للدولة والمؤسسات كان يصعب عليه أن يرى نفسه معارضا للحاكم وليس للحكومة. بيد أن الحال تغير الآن، وحتى نمط وشكل المناضل تغير.

* بعد تعيينك وزيرا للداخلية كم عدد الساعات التي تنام فيها، ألم يتركك الموقع الحكومي الجديد في حالة سهاد؟

- يمكنني أن أقول إنها تقريبا نفس الساعات التي أنامها، إنني ألجأ إلى سرير النوم في نفس الوقت الذي تعودت عليه في السابق، ولكن الآن هناك الهاتف الذي لا يتوقف عن الرنين، وهناك أيضا ملفات توجد إلى جانب السرير، وهذه هي طبيعة العمل في وزارة الداخلية، وأعتقد أن جميع من يعملون في هذا القطاع يشتغلون دون حساب الساعات والأيام.

التعليــقــــات
فاطمة الزهراء موسى، «فرنسا ميتروبولتان»، 14/02/2012
تكرار حوادث تعرض المهاجرين المغاربة وذويهم لجرائم احتيال وجرائم مالية بما فيها تلك المتعلقة بإجراءات التأشيرات
ووثائق السفر والهوية وحساباتهم المصرفية والبيانات المتعلقة بصحتهم وغيرها يجعلنا نتساءل إن كانت وزارة الداخلية
المغربية تقوم فعلا بما يجب من تنسيق مع الجهات المعنية لمنع تكرار حدوث هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها؟ أو إن تعدد
المؤسسات التي تهتم بشؤون المهاجرين يشتت الجهود ولا يسمح لوزارة الداخلية أن تقوم بدورها الأساسي تجاههم؟
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال