الثلاثـاء 21 ربيـع الاول 1433 هـ 14 فبراير 2012 العدد 12131
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

جدل حول حدود حرية التعبير في الهند

بعد الحديث عن ضرورة وجود تنظيم أكثر صرامة لوسائل الإعلام

نيودلهي: سيمون دينير*
بدءا من «غوغل» وحتى «فيس بوك»، ومن الكاتب العالمي الشهير سلمان رشدي وحتى أحد رسامي الكاريكاتير السياسيين غير المعروفين، أصبح من السهل خلال الأشهر الأخيرة الإساءة إلى الحكومة الهندية والإعراب عن السخط الشديد من الرقابة على وسائل الإعلام أو حتى التهديد باتخاذ إجراءات قانونية.

ويقول الكثير من الهنود إن حرية التعبير في الهند التي تعد أكبر ديمقراطية في العالم تتعرض للهجوم، ومعها قيم التعددية والتسامح التي تربط أفراد هذه الأمة – 1.2 مليار نسمة – معا منذ الاستقلال عن بريطانيا منذ أكثر من 64 عاما.

وتتسم الديمقراطية في الهند بالصخب الشديد، حيث غالبا ما تكون الصحف والقنوات الإخبارية التلفزيونية المتعددة التي تعمل على مدار الساعة صاخبة للغاية في نقدها للسياسيين. ومع ذلك، بدأ إصرار وسائل الإعلام للقضاء على الفساد خلال العامين الماضيين يتراجع بمرور الوقت، وبدأ الحديث يتصاعد عن ضرورة وجود تنظيم أكثر صرامة لوسائل الإعلام.

وفي الوقت نفسه، يرى الفنانون أن حريتهم في الإبداع قد بدأت تتآكل بشكل كبير. وقام مقدم البرامج الفكاهية الأميركي جاي لينو في لوس أنجليس بالإساءة إلى السيخ الهنود، عندما أشار بسخرية إلى أكثر الأماكن قدسية عند السيخ، وهو الهيكل الذهبي، بينما كان يسخر من منازل المرشحين الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية الأميركية حين قال: إن المرشح ميت رومني يقضي الصيف في مكان من الذهب، وعرض صورة لمعبد أمريستار في الهند الذي يعتبر من أكثر المناطق المقدسة لدى السيخ، وهو ما أثار موجة من الغضب في صفوف تابعي هذه الديانة وقام أحدهم برفع دعوى قضائية ضده.

ويرى كثيرون أن الحكومة الهندية تذعن لمطالب العامة شديدي الانفعال، لتحقيق مكاسب سياسية من الناحية الظاهرية، ولكنها تهدف في الواقع إلى قمع منتقديها.

ويقول نيلانجانا روي، وهو كاتب عمود وناقد أدبي: «يعد الوضع الحالي مثيرا للقلق في بلد يفخر كثيرا بسجله في مجال الديمقراطية وتاريخه الطويل في حرية التعبير. وخلال العقدين الماضيين، كان هناك نوع من التعصب التدريجي، ولا سيما في المجال الإبداعي».

وقد اضطر سلمان رشدي، الذي منعت روايته «آيات شيطانية» من النشر في الهند في عام 1988، إلى عدم حضور مهرجان جايبور للأدب الشهر الماضي بعدما تلقى تهديدات من قبل جماعات مسلمة وتحذيرا بأنه من الممكن أن يتعرض لمحاولة اغتيال. وقال رشدي إن هذه المعلومات ربما تكون ملفقة من قبل السلطات حتى يتم منعه من حضور المهرجان.

وفي محاولة لعدم إثارة الناخبين المسلمين خلال الانتخابات التي تجري في الولاية في الوقت الراهن، لم يتحدث سياسي هندي واحد عن حق رشدي في أن يوضح وجهة نظره. وخلال الشهر الماضي، تم إلغاء عرض فيلم وثائقي عن كشمير في إحدى الكليات في مدينة بيون بعد اعتراض الهندوس اليمينيين، وتعرض أحد الفنانين للضرب في معرض له في دلهي بسبب عرضه لوحات عارية لممثلات وعارضات أزياء، وقال مهاجموه إن هذه اللوحات تعد إهانة للهند.

وتم إلغاء نشر آخر كتاب للكاتبة البنغلاديشية تسليمه نسرين في كلكتا بعد اعتراض المسلمين، كما تم اتهام أسيم تريفيدي، وهو رسام كاريكاتير سياسي يبلغ من العمر 25 عاما، بالخيانة وإهانة الرموز الوطنية الهندية من خلال الرسومات المستوحاة من الحركة المناهضة للفساد التي يقودها الناشط الهندي آنا هازاري.

ومع ذلك، ربما كان الشيء الأكثر إثارة للصدمة بالنسبة لحرية التعبير هو محاولة الحكومة تكميم «فيس بوك» و«غوغل» – ومقاضاة المسؤولين التنفيذيين للشركات بسبب نشر محتوى على مواقعهم ينظر إليه على أنه شيء مسيء. وحذر القاضي الذي نظر في القضية في المحكمة العليا في نيودلهي قائلا: «يمكننا حجب كل تلك المواقع، مثلما يحدث في الصين».

واستشهدت الحكومة بنشر صور تقوم بإهانة دين أو آخر من الأديان الموجودة في الهند، وهو المحتوى الذي يمكن أن يثير الاضطرابات في البلاد. وقالت الحكومة إن الأمر متروك لوسائل الإعلام الاجتماعية إما أن تتدخل وتفرض رقابة على مثل هذه الانتهاكات أو أن تتعرض للملاحقة القضائية.

وقال القاضي ماركاندي كاتجو، وهو رئيس مجلس الصحافة في الهند: «لا يمكن أن يكون هناك حرية مطلقة. إن التماسك بين الأديان في الهند قوي للغاية، ويتعين على الجميع أن يحترم ذلك، ولا يجب أن يتم إهانة الآخرين».

وربما تكون مخاوف كاتجو مفهومة في بلد عانى من عمليات للقتل الجماعي بين الهندوس والمسلمين في فترة الاستقلال عام 1947. ويقول المعارضون إن الحل هو إعطاء العامة حق الاعتراض ومنع الحق في الإساءة إلى الآخرين.

وقال سونيل أبراهام، وهو الرئيس التنفيذي لمركز الإنترنت والمجتمع، إن الاقتراحات التي تقدمت بها الحكومة فيما يتعلق بالرقابة على مواقع الإنترنت من شأنها أن تقتل حيوية الإنترنت في الهند. وقد حذر مؤسس «ويكيبيديا» جيمي ويلز من أن هذا من شأنه أن يروع المستثمرين ويدمر احتمالية أن تكون الهند زعيما حقيقيا في صناعة الإنترنت في العالم.

وتكمن المفارقة، بحسب النقاد، في أن القلق بشأن المحتوى المسيء للأديان لم يكن سوى مجرد حجة، فما يبدو أنه قد أساء حقا لحزب المؤتمر الحاكم هو الصور التي تشهر بزعيمة الحزب المحبوبة سونيا غاندي.

وقبل عام تقريبا، قال رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ إن وسائل الإعلام تعمل على تقويض ثقة الأمة بنفسها من خلال العزف على وتر الفساد الرسمي. ومنذ ذلك الحين، بدأ الحديث يزداد عن ضرورة وجود تنظيم أكثر إحكاما لوسائل الإعلام.

ورغم حيوية وسائل الإعلام الهندية الناطقة باللغة الإنجليزية، فإن ترتيب البلاد في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود» قد هبط من المركز 105 في عام 2009 إلى المركز 131 العام الماضي.

وقد أشار أرنب غوسوامي، وهو محرر ومقدم برامج بقناة «تايمز ناو» التلفزيونية، إلى أن النجاح الدرامي للتلفزيوني في الكشف عن الفساد الرسمي خلال العامين الماضيين يجعل هناك نوعا من التفاؤل خلال المرحلة القادمة.

وبصفة عامة، تملك المحاكم في الهند سجلا أفضل من السياسيين في مجال الدفاع عن حرية التعبير. وهناك مسؤولون في الحكومة، بما في ذلك وزيرة الإعلام والإذاعة أمبيكا سوني، عازمون على مقاومة اتخاذ موقف أكثر تشددا مع وسائل الإعلام والإنترنت.

وقالت سوني: «هناك ضغط هائل للسيطرة على وسائل الإعلام وتضييق الخناق على وسائل الإعلام، ولكني صامدة في وجه تلك الضغوط».

وأضافت الوزيرة الهندية أنها ترى أن التنظيم الذاتي من قبل وسائل الإعلام، وليس التدخل الحكومي، هو السبيل الأمثل، وأكدت أن النقاش حول سلمان رشدي، على سبيل المثال، لم يؤد بالضرورة إلى أي ضرر على الهند.

واستطردت سوني قائلة: «هذه هي قوة المجتمع الهندي، حيث أدلى كل شخص بدلوه فيما يتعلق بذلك الموضوع، وتم توجيه الانتقادات للحكومة، ولكننا ما زلنا نمضي قدما من دون أي مشاكل».

* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال