مفتي طالبان: الأفغان لن ينقلبوا ضدنا بسبب الإجراءات الصارمة وحتى الملا عمر يرسل إلينا فتاواه لمراجعتها

مولوي السيد رحيم لـ«الشرق الأوسط»: التصوير محرم شرعا وصور جوازات السفر مسموحة طبقا لـ«فقه الضرورات»

TT

«الموسيقى اثم عظيم والتلفزيون من الكبائر والسجن ثلاثة شهور للمدخنين من العاملين في الدوائر الحكومية، وشهران سجنا للمستمع الى اي نوع من الموسيقى»... اسئلة عديدة طافت بعقلي وانا اقطع درجات المحكمة العليا «ستور محكمة» في وسط العاصمة الافغانية كابل في طريقي للقاء مفتي طالبان مولوي السيد رحيم الذي بيلغ من العمر 60 عاما. على الجدار الخارجي للمحكمة العليا في كابل علقت نسخ من الفتاوى الموقعة من الملا محمد عمر مجاهد، الزعيم القوي لحركة طالبان التي تسيطر على 95 في المائة من مساحة افغانستان. ومن الفتاوى البارزة ثلاث تتعلق باطلاق اللحية وطولها، واخرى تطالب بحث المسؤولين على الانتظام في صلاة الجماعة اثناء ساعات العمل كقدوة حسنة لمرؤوسيهم، وثالثة موقعة من الملا عمر تطالب بمنع قتل النساء والاطفال في الحروب، وكذلك فتوى بخصوص شروط التوظيف الحكومي واولها ان يكون الباحث عن العمل ملتحيا، ومن اصحاب العمائم. لاحظت «الشرق الأوسط» ايضا في المحكمة التي تضم ايضا ديوان الجزاء المسؤول عن اقامة الحدود الشرعية، سوطا معلقا خلف مكاتب المسؤولين، ومنهم قاري محمد صادق نائب رئيس ديوان الجزاء الذي التقيته على الدرج ورفض تصويره وسمح بتصوير السوط فقط، لانه «جماد». ولم ينس صادق ان يذكرني ايضا بان «اشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون»، وهو يطالبني بوجه متجهم بوضع الكاميرا في حقيبتي وعدم المغامرة بمحاولة اخذ اي صور للموظفين داخل المحكمة العليا، وإلا تعرضت لاقامة الحد علي. فهمت الرسالة وآثرت السلامة. تولى مهمة الترجمة لي مع مفتي الديار الافغانية مولوي محمد داود مدني (34 عاما) وهو خريج الجامعة الاسلامية في المدينة المنورة الذي يتحدث العربية بطلاقة، وهو يعمل في الخارجية الافغانية في قسم الاعلام والنشر، وحاصل على ماجستير في اللغة العربية وهو من المتشددين، ويحفظ تعاليم طالبان عن ظهر قلب، فهو من انصار عدم تعليم البنات في المدارس الثانوية، مشيرا الى ان البنات يكفيهن التعليم الديني حتى الثانية عشرة من العمر، ولديه ستة اولاد ـ 3 بنات و3 صبيان.

وكان اول سؤال لي لمفتي طالبان عن قضية هدم تماثيل منطقة باميان واسباب صدور الفتوى في ذلك الوقت بالذات، والتكفير عن التأخير في اصدار الفتوى بذبح 100 بقرة، وقضايا الهندوس الخاضعين لطالبان باعتبارها قضايا ساخنة استحوذت على نصيب كبير من اهتمام الرأي العام العالمي. سألته اولا:

* فدية التأخير عن هدم تماثيل باميان بأمر الملا محمد عمر مجاهد كانت 100 بقرة، ألا يحمل ذبح البقر معنى آخر بالنسبة للهندوس، كعقاب على تدمير المسجد البابري في الهند؟

ـ يبتسم مولوي ابتسامة عريضة ويقطب حاجبيه قبل ان يقول: الله المستعان، لقد كان من المفترض هدم التماثيل قبل ذلك بعامين، ولكننا كنا مشغولين بامور الجهاد. ووجود الاصنام في افغانستان غير جائز شرعا والأمر الذي اصدره الملا محمد عمر بتدمير كل التماثيل القديمة في افغانستان جاء باجماع آراء هيئة كبار العلماء. ان الاحتفاظ بمثل هذه التماثيل مخالف للشريعة، والاسلام أمر بازالة التماثيل تماما. اما ذبح 100 بقرة، فلم يكن موجها ضد الهندوس بل ذبحنا الابقار كفدية عن التاخير، واختيار الابقار كان لانها ارخص ثمنا من الاغنام والجمال.

* بعض الناس يقولون انها ليست تماثيل للعبادة، وذلك فان ما حدث هو تحطيم مجرد حجارة.

ـ الشريعة الاسلامية هي القانون الوحيد الذي نقبل تطبيقه في بلادنا ولا شيء آخر. هناك ادلة شرعية من ايات قرآنية واحاديث شريفة تؤكد على ضرورة التخلص من الاصنام المتبقية في افغانستان من عهد ما قبل الاسلام، لكن المثير في الامر هو موجة الغضب والاستنكار.. وهذا الامر متوقع من مثل هذه الدول والحكومات المعروفة بعدائها للاسلام ومواقفها العدوانية من الامارة الاسلامية في افغانستان، غير انه من المحزن والمستغرب ان ينحاز الى هذه القوى بعض العاملين للاسلام ويقفون معهم في خندق واحد اسمه الاستنكار والشجب لهذا العمل الاسلامي الذي بعثت من اجله الرسل وانزلت من اجله الكتب.

* الاستماع الى الموسيقى يعني الحبس شهرين، وتدخين السجائر من قبل طلبة العلم وموظفي الدولة يعني السجن 3 اشهر، والتلفزيون ممنوع لانه لا يوجد بث تلفزيوني، واطلاق اللحية وطولها قبضة واحدة واجبة على البالغين، والمحرمات كثيرة.. ألا تخافون ان ينقلب الافغان ضد طالبان يوما ما من كثرة تقييد امورهم الحياتية؟ ـ كما تعلمون البيئة الافغانية بيئة مسلمة بالفطرة ونحن نجاهد منذ 23 عاما لاعلاء كلمة الدين الاسلامي والشعب الافغاني المسلم راض بما نحكم به من اصول الشريعة الاسلامية وهم لا يريدون الموسيقى او التلفزيون او الرقص لانها امور محرمة في الشريعة الاسلامية وهذا ما يثير الغرب لانضباط الشارع الافغاني، والذين يتكلمون ضد طالبان هم من منظمات علمانية، وشيوعية مارقة، ولا يهمنا رأيهم، ولا يطابق رأيهم البيئة الافغانية.

* في ظل الحالة الاقتصادية المتردية هل وقعت افغانيات في الخطيئة وحدثت حالات زنا.. قيل انكم أصدرتم فتوى بالعفو عنهن بل طالبتم بتزويدهن بما يكفيهن من مؤونة العيش؟ ـ لم اسمع بمثل تلك الحالات إلا منك.

* كيف تصدر الفتاوى في حكومة طالبان؟ ـ تأتي الفتاوى من الولايات والمدن الافغانية باسم المحكمة العليا ثم يرسلها رئيس المحاكم العليا في افغانستان مولوي نور محمد ثاقب الى دار الافتاء او هيئة كبار العلماء، وهذه الهيئة تتكون من 20 عالما يفقهون اصول الدين الحنيف للنظر في الامور المطروحة من امور المسلمين من فتاوى او خلافها. ويجتهد العلماء في حل الفتوى وتكون في العادة باجماع العلماء. وهناك فتاوى تاتي الينا من الوزارات. اما فتاوى الافراد فترسل الى الشيخ عبد العلي الديوبندي للتعليق عليها في اذاعة «صوت الشريعة» بالفارسي والبشتو، وهي تبث برامجها على فترتين صباحية ومسائية كل يوم ليستفيد منها عامة المسلمين في الاراضي الافغانية.

* هل تحتاج جميع الفتاوى الى موافقة الملا محمد عمر مجاهد حاكم طالبان؟

ـ لا تحتاج معظم الفتاوى الى موافقة مولانا عمر مجاهد، وهو شخصيا يرسل الينا الكثير من الفتاوى لنقيم عليها الدلائل الشرعية بالآيات القرآنية والاحاديث وبشواهد من السنة النبوية المطهرة.

* ما تعليقكم على تعمد طالبان اثارة الرأي العام العالمي باصدار فتاوى مثل هدم التماثيل واخرى تتعلق بوضع شارات وعلامات على ملابس الهندوس؟ ـ قضية السيخ والهندوس قديمة في البيئة الافغانية، وكانت للهندوس علامات خاصة قبل 100 عام، ولم نصدر فتوى شرعية بخصوص الهندوس، بل كان الامر بمبادرة من وزارة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لتنظيم امورهم بوضع علامات خاصة على ملابسهم لتمييزهم عن المسلمين وليس لإلحاق الضرر بهم. كل ما في الامر هو التمييز بين المسلمين وغير المسلمين، اي انه لباس متميز لحمايتهم من الاضطهاد الديني. وبعبارة اخرى فان القرار يهدف لحماية الهندوس والاقليات الاخرى من اوامر الشرطة الدينية التي تقوم بتطبيق الشريعة الاسلامية. وحسب القرار الصادر عن وزارة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب على الهندوس ان يحملوا قطعة القماش الصغيرة في جيوبهم واخراجها في كل مرة دعت الحاجة الى ذلك. ويقدر عدد افراد الاقليات غير المسلمة فى افغانستان بحوالي خمسة الاف شخص وكانت هذه الاقليات قد غادرت افغانستان منتصف التسعينات عندما تعرضت ممتلكاتها للنهب على ايدي الفصائل المتقاتلة ولكن البعض بادر بالعودة بعد وصول طالبان.

* نعلم الاحوال الاقتصادية الصعبة التي تمر بها افغانستان، لكن ما الحكم الشرعي اذا سرق انسان بسبب الحاجة؟ ـ نحن نتبع مذهب الاحناف، ولا نتسامح في اخذ انسان جزء من مال الغير. كما ان البيئة الافغانية المسلمة لم تصل الى هذه الحالة من المجاعة حتى يموت الانسان جوعا، ولكن يكفي اننا حققنا الامن والاستقرار في الاراضي الافغانية.

* هناك انتقادات توجه الى طالبان في الصحافة الغربية من كثرة الفتاوى التي تصدرونها والهدف منها التضييق على الافغان في حياتهم اليومية؟ ـ ان تنفيذ الحدود ليس ظلما على الانسانية، بل هو لحماية البيئة بغض النظر عن ان اتفاق ذلك مع اهواء الغربيين ام لا والهدف هو دفع الضرر عن البيئة فالانسان الذي يقتل لا بد من اقامة الحد عليه. ويجب على المسلمين في جميع انحاء العالم ان يعرفوا الحقائق والاوضاع الصعبة التي تمر بها افغانستان ولايكترثوا بالاشاعات التي تصدر في الغرب، وان يتحدوا على كلمة واحدة من اجل اعلاء دين الله.

* العالم الاسلامي يريد ان يعرفكم عن قرب، فالمسلمون يعرفون علماء الدين في مصر والسعودية ودول الخليج مثل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وسيد طنطاوي شيخ الازهر ونصر فريد واصل مفتي مصر والشيخ يوسف القرضاوي الداعية الاسلامي في قطر، هل تسمح لنا باخذ صورة واحدة فقط لكم ؟ ـ تريدني بعد ان اصدر فتوى تحرم تصوير ذوات الروح ان اوافق على ان تصورني حتى يكون عذابي يوم القيامة عظيما.

* لكنكم تحملون جواز سفر افغانيا عليه صورتكم وعلى حد علمي سافرتم به الى السعودية لاداء فريضة الحج العام الماضي، ورأيت محلات التصوير الفوتوغرافي تعمل في كابل؟ ـ فتوى تحريم الصور صدرت قبل عام واحد، اما صور جوازات السفر فهي تأتي تحت باب «فقه الضرورات»، لان مواضع الضرورة مستقاة من قواعد الشريعة الاسلامية.

* ما آخر فتوى صدرت عن ادارتكم؟ ـ آخر فتوى جاءت الينا من وزارة العدل تتعلق بالجمارك المالية.

وبعد ان انتهت اسئلتي اصطحبني حبيب الله خان من هيئة كبار العلماء في جولة بالمحكمة العليا وذهبت معه الى ديوان الجزاء، لاطلع بنفسي على الدفتر الخاص باقامة الحدود لاجد 12 حالة قتل خلال عام وحالتي قطع طريق وعدة حالات زنا، وتم تنفيذ آخر حكم اعدام في الميدان الرياضي وسط كابل الشهر الماضي.

=