الخميـس 01 ربيـع الثانـى 1423 هـ 13 يونيو 2002 العدد 8598
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

معركة بين القارات لوقف بيع تحفة فرعونية مسروقة في مزاد بنيويورك

السلطات المصرية أخطرت الإنتربول ودار كريستيز تنفي تسلمها أي إشعار رسمي

لندن: كمال قبيسي
رافقت «الشرق الأوسط» معركة احتدمت في اللحظات الأخيرة بين القارات، حول نية دار «كريستيز» العالمية للمزادات بيع تحفة من آثار مصر الفرعونية في نيويورك أمس، علما بأنها مسروقة من معبد في دلتا النيل، وسبق للسلطات المصرية أن طالبت الانتربول الدولي بمنع بيعها قبل أسبوعين، وفق ما ألمت به «الشرق الأوسط» بعد اتصالات أجرتها بين القاهرة ونيويورك.

والتحفة هي لوحة حجرية انتزعها لصوص من موقعها الأصلي في جدارية كبيرة بمعبد «بهبيت الحجارة» الواقع وسط قرية تحمل الاسم نفسه، وتبعد 35 كيلومترا شمال مدينة طنطا في وسط دلتا النيل، أو 135 كيلومترا الى الشمال من القاهرة.

وتحمل الجدارية الكبرى نقوشا بالحفر الغائر لموكب حملة القرابين المقدسة، ومنهم من يبدو رأسه الكامل وبعض كتفيه في اللوحة الحجرية المسروقة انتزاعا من جدار المعبد الذي قام بتشييده الفرعون «نختنبو الثاني» وهو آخر فراعنة الأسرة الثلاثين، وحكم من 359 الى 341 قبل الميلاد، وخصصه لعبادة الآلهة الأم، إيزيس، زوجة الاله أوزيريس وأم حورس، الشهير بأنه أقوى آلهة لدى الفراعنة، ممن صوروه دائما على هيئة صقر، خصوصا في معبد بهبيت، المعتبر أكبر معابدهم في الدلتا النيلية، ومشيّد بحجارة غرانيت سوداء ووردية اللون على مساحة تزيد على 16 ألف متر مربع، تحيط بها أسوار عالية، تعرض بعضها للتدمير من زلزال هدم جدرانا في المعبد المحتوي على أكثر من 10 آلاف لوحة حجرية. وقد أجرت «الشرق الأوسط» اتصالات بالسلطات المصرية وتحدثت أيضا الى مسؤولة العلاقات العامة في «كريستيز» بنيويورك، مارغرت دويل، فقالت إن الدار لم تتسلم من أي جهة رسمية «لا مصرية ولا حتى من الانتربول، أي اشعار بايقاف البيع، لذلك استمرت بعرضها لتكون اليوم (أمس) ضمن المزاد لمن يدفع أكثر» مضيفة أن اللوحة هي جزء من مقتنيات جامع خاص للآثار وما ندر «ويملكها منذ 20 سنة» وفقا لقولها، الا أنها رفضت الكشف عن هويته واسمه. لكن في قولها ما يناقض تأكيدات مصرية بأن اللوحة «اختفت» من جدار معبد «بهبيت الحجارة» منذ 12 عاما فقط «وهي مسروقة من هناك بالتأكيد» على حد ما قاله لـ «الشرق الأوسط» أمس الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار المصرية، زاهي حواس.

وكان أول من تعرف الى نية «كريستيز» ببيع اللوحة هي عالمة المصريات الفرنسية، كريستين فافار - ميكيس، التي اطلعت منذ أسبوعين بالصدفة على صفحة «كريستيز» في الانترنت، واكتشفت أن اللوحة هي ضمن ما تنوي الدار بيعه مع غيرها من المصريات النادرة في مزاد علني بنيويورك، وعرفت أنها مسروقة من «بهبيت الحجارة» لأنها عملت في المعبد والتقطت الكثير من الصور لمحتوياته في 1977 ومنها الصورة نفسها التي شاهدتها على صفحة «كريستيز» بالانترنت، لذلك سارعت الى ابلاغ المجلس الأعلى للآثار المصرية، باعتباره الجهة الوحيدة المخولة الاعتراض على البيع ومنعه.

وقالت العالمة الفرنسية في تحذيرها لمجلس الآثار المصري إنها لا تعرف اسم مالك اللوحة «ولكني أعلم أن هناك الكثير من القطع مسروقة من مواقع الآثار بمصر، وهي متنوعة ونادرة وتباع بانتظام في كبرى صالات المزاد بالعالم» وفق تعبيرها.

وتمنت ميكيس، التي أعدت رسالتها في الدكتوراه عن معبد «بهبيت الحجارة» بالذات منع بيع اللوحة، التي يبلغ عرضها 40 سنتيمترا، بأي طريقة، لأنها رأتها جريمة في وضح النهار، لذلك أسرع زاهي حواس وأبلغ وزير الثقافة المصري، فاروق حسني «فاتخذ كافة الاجراءات القانونية والرسمية لمنع البيع ومنها ابلاغ الأمر للانتربول الدولي» وفق تعبير حواس، الذي أكد أن لصوص آثار انتزعوا اللوحة منذ 12 سنة من جدران المعبد، ثم قاموا بتهريبها للخارج، حيث اختفى لها كل أثر الى حين عثور العالمة الفرنسية عليها صدفة وهي معروضة للبيع بالمزاد، من دون أن تتطرق معلومات نشرتها عنها «كريستيز» الى أنها من آثار قرية «بهبيت الحجارة» التي اشتقت اسمها من الاسم الفرعوني القديم لمعبد «برحبيت» ومعناه «بيت الأعياد» بهيروغليفية المصريين القدماء قبل أن يتحول عربيا عبر السنين الى بهبيت.

وقال حواس، المعروف أنه استحدث منذ تولى الأمانة العامة للمجلس الأعلى للآثار المصرية قبل شهرين ادارة جديدة تعمل على استعادة الآثار، المهرب منها والمسروق الى مصر، إنه علم مساء الأول من أمس فقط بأن الانتربول الدولي لم يفعل شيئا، وقال متحمسا عبر الهاتف مع «الشرق الأوسط» من بيته في القاهرة: «سأسارع غدا (أمس) الى منع بيع هذه القطعة مهما كلف الثمن.. إنها مسروقة، ولا يفترض بيعها» كما قال.

ثم اتصلت «الشرق الأوسط» ثانية بحواس أمس لتسأله عما اذا كتب فعلا للجهات التي وعد بابلاغها، مستفيدا من الفرق بالتوقيت مع نيويورك لصالح القاهرة، ومدته 7 ساعات، باعتبار أن موعد البيع بالمزاد كان مموها، فهو من قسمين أحدهما في العاشرة والنصف صباحا، والثاني في الرابعة بعد الظهر بتوقيت نيويورك، أي الحادية عشرة ليلا بوقيت القاهرة أمس، فقال إنه أبلغ انتربول نيويورك وكذلك تحدث وكتب الى القنصل المصري في المدينة، محمود علام، وأرسل له صورا عن اللوحة. وقال حواس: «إنهم يحاولون التملص، ويزعمون أن اللوحة ليست هي نفسها.. نعم هي نفسها، لذلك أرسلت بصورة عنها، وهي الصورة نفسها التي تعرضها «كريستيز» عن اللوحة ضمن المزاد، وهي مسروقة، لذلك سأوقف بيعها منذ الساعة التاسعة والنصف بتوقيت نيويورك، أي قبل نصف ساعة تقريبا من بدء المزاد» على حد تعبيره.

وقال حواس إنه كتب الى محام ليقوم بعملية الابلاغ الرسمي لايقاف بيع اللوحة، كما اتصل باحدى الموظفات في متحف بروكلن، وهي آن روثمان، لتكون شاهدة على ما اتخذه من اجراءات قانونية، وكتب للنائب القضائي العام بنيويورك ليتدخل.

* تقول إنها سرقت من «بهبيت الحجارة» منذ 12 سنة، فلماذا لم تقم بالابلاغ عنها، وتداركت الأمر فقط في اللحظة الأخيرة؟

ـ أنا بالوظيفة منذ شهرين فقط، وقبل ذلك لم يقم أحد من المجلس الأعلى للآثار بالتبليغ عنها، لذلك حولت الجميع هنا للتحقيق فور تسلمي المنصب.

* أسست هيئة لاستعادة المهرّب والمسروق من الآثار، فهل استرجعت شيئا حتى الآن؟

ـ استعدنا قطعة مهمة من هولندا، وهناك 20 قطعة سنستعيدها من دولة أوروبية، لا أريد تسميتها حاليا، ونعمل على استعادة الكثير، وكله يحتاج الى وقت.

* ورأس «أمنحوتب الثالث» الذي اتهموا تاجر النوادر والآثار الأميركي، فريدريك شولتز، بسرقته من مصر.. هل استعدته؟

ـ نحن بانتظار حكم المحكمة في أي وقت.. الرجل معتقل، والتمثال بعد الحكم عليه سيعود الى مصر بالتأكيد.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال