الخميـس 08 جمـادى الثانى 1424 هـ 7 اغسطس 2003 العدد 9018
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

كتاب جديد للجماعة الإسلامية «المصرية» عن أخطاء «القاعدة»

«القاعدة» تستبيح بلاد المسلمين وتسلب سلطات الولاة وتتوهم الإمامة

القاهرة: عبد اللطيف المناوي
تكشف الجماعة الاسلامية في مصر في هذه الحلقة من كتابها الجديد «استراتيجية القاعدة.. الأخطاء والأخطار» عن الخطأ الجسيم لتنظيم القاعدة في إجازة القتال بزعم استرداد شرائع الاسلام المغيبة دون النظر الى حالة بلاد المسلمين وعلاقاتها مع القوى الأخرى رغم ان منع تطبيق بعض شرائع الاسلام ليس سبباً للقتال.

وقالت الجماعة في كتابها «استراتيجية القاعدة.. الأخطاء والأخطار» الذي أعده عضو مجلس شورى الجماعة عصام دربالة المسجون حالياً في مصر تنفيذاً لحكم قضائي بالسجن المؤبد، صدر ضده في قضية الجهاد الكبرى عام 1981وتنشر «الشرق الأوسط» ملخصاً للجزء الثاني منه «اليوم» ان تنظيم القاعدة استباح بلاد المسلمين وسلب سلطات الولاة من أفغانستان الى دول أخرى ومحاولة فرض مواقف على عدد من الدول بينها اليمن مما أدى الى زيادة عداء الغرب خاصة الولايات المتحدة للاسلام والمسلمين فضلا عن زيادة إرتماء حكام هذه الدول في حضن أميركا والغرب.

وتناقش الجماعة في الكتاب والذي جاء في إطار سلسلة المراجعات الفكرية التي تصدرها الجماعة وصدر منها حتى الآن أربعة كتب وبصدد اصدار ثلاثة كتب أخرى تحت عنوان «القاعدة واستباحة بلاد المسلمين» مقسماً الى أربعة أجزاء ما اعتبره تنظيم القاعدة حقاً له وهو «خلع الامام» محاولا فرض مواقفه على كافة بلاد المسلمين التي دخلها تنظيم القاعدة والتي لم يدخلها.

وحملت الأجزاء الأربعة عناوين «استلاب القاعدة لمهام الائمة» و«إنكارها حالة الاستضعاف أصلا» و«سحب أحكام الكفار في بلادهم الأصلية على بلاد المسلمين» و«جعلهم الجهاد غاية لا وسيلة».

وقبل ان يفند مؤلف الكتاب عصام دربالة الأخطاء الأربعة لتنظيم القاعدة قدم لها قائلا «هذا بيان متعجل لكل واحدة من هذه الأخطاء الكبار وما تفرع عنها من اجتهادات خاطئة».

* القاعدة.. واستباحة بلاد المسلمين

* اذا كانت السنة الصحيحة قد وردت بجواز الخروج على بعض أصناف في الحكام، واذا كان التراث الفقهي الواسع لأمتنا قد حفل ببيان متى يجوز ذلك وما هي شروطه وما هي موانعه، فإن بعض الحركات الاسلامية المعاصرة قد استحدثت أنواعا من القتال داخل ديار المسلمين قد لا يكون لها شبيه في تاريخ الأمة. ومن ثم تحتاج هذه الأنواع الى اجتهاد معاصر لبيان هل هي مشروعة أم لا؟

وفي مقدمة هذه الأنواع المستحدثة ما ابتكره «تنظيم القاعدة» من قتال رغم أنف الحاكم لا لعزله ولا لإزالة ملكه ولا لحمله على اقامة شرع مغيب. وإنما هو قتال ضد رعايا دول أخرى كافرة كفراً أصلياً جاءوا لسبب أو لآخر بموافقة حكام تلك البلاد. والمراد من هذا القتال هو اجبار تلكم الدول التابع لها اولئك الرعايا على تغيير سياستها ونهج تعاملها مع تنظيم القاعدة وأفراده.

وفي هذا السياق تأتي تفجيرات «القاعدة» سواء في الرياض أو الدار البيضاء، وكذا استهدافها لحاملة النفط الفرنسية في بعض موانىء اليمن اضافة الى تفجيراتها القديمة في تنزانيا فضلا عن عشرات بل مئات العمليات المماثلة التي تم احباطها قبل تنفيذها في عدد من بلاد المسلمين.

والمتأمل لهذا النوع المستحدث من القتال سيكتشف بسهولة انه يحمل في طياته جملة من الأخطاء والأخطار، وهذا اجمالي سريع لاخطاره وأخطائه.

* أولا: الأخطار

* أما أخطاره فتتمثل في توسيع الجبهة المعادية للحركات الاسلامية بصورة رهيبة، بحيث باتت تشمل العالم كله، ويبدو ان القاعدة تسعى لذلك عن عمد فهي منذ ان اعلنت عن تشكيل الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين في النصف الاول من عام 1998حثت اتباعها وعموم الشباب المسلم على استهداف كل غربي نصراني أو يهودي بالقتل في طول الأرض وعرضها وفي كل بلاد العالم، ثم سارعت بتنفيذ هذه السياسة الخاطئة والخطيرة بتنفيذ عدة عمليات ضد رعايا ومصالح الدول الغربية دون تفريق بين مجاهر بالعداوة مصر عليها وبين من ليس كذلك ودون وضع أولويات وبدون أدنى محاولة لتحييد بعض الدول الغربية، أو حتى تقليل درجة عداوتها، بل اقدمت «القاعدة» في اندفاع مقلق عجيب نحو مهاجمة الغرب كله اضافة الى روسيا وبالطبع اسرائيل، ولم تكتف بهذا حتى جعلت بقية بلاد العالم ـ سواء العالم الاسلامي أو غيره ـ جعلتها كلها مسرحاً لعملياتها، ومع كل عملية تنفذ بالفعل او تكتشف قبل تنفيذها كانت جبهة العداء تتسع وشدته تزداد، وفي هذا من مخالفة الهدي النبوي ما لا يخفى على من له بعض إلمام بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته في جهاد أعدائه. فانه ما قاتل أهل الكتاب حتى آمن جبهة قريش بصلح الحديبية لكن «القاعدة» تحرص على تجييش العالم كله ضدها بل ضد الحركات الاسلامية كلها.

ثم ان «القاعدة» قد أعطت الغرب وتحديداً أميركا ومن سار في ركبها ذريعة قوية لشن حرب الحضارات ولبدئها ضد العالم الاسلامي والحضارة الاسلامية، ولا يخفى على أحد ان العالم الاسلامي لم يكن مستعداً مطلقاً لخوض هذا الصراع، وبالطبع لا «القاعدة» ولا غيرها من الحركات الاسلامية قادرة على خوض هذا الصراع، وانما ستظل «القاعدة» وعملياتها المتباعدة مجرد ذرائع يتلقفها الساسة الأميركيون بفرح بالغ لانها ستمكنهم من خداع الرأي العام في بلادهم ليعطيهم تفويضاً بالاستمرار في الحرب على الاسلام، وستمكنهم أيضاً من إرهاب العالم اجمع كي لا يعترض أحد على ما تفعله الولايات المتحدة. اضافة الى ان تنفيذ بعض هذه العمليات في بلاد العالم الاسلامي يفتح باب الضغوط الاميركية على هذه الدول لتغير من سياساتها حيال الاسلام ذاته فضلا عن سياساتها حيال الاسلاميين.

وخذ اليمن مثلا، فقد كان نصيب الاسلام في هذا البلد أحسن حالا من نصيبه في بلاد أخرى، فما زالت «القاعدة» ومن دار في فلكها من جماعات صغيرة مثل جماعة «المحضار» تقوم بعدة مغامرات على أرض هذا البلد حتى تسببت في مفاسد عديدة دون مصلحة تذكر، فتم تأميم التعليم الديني وتغيير بعض مناهجه والتضييق على الدعوة والدعاة ومطاردة الاسلاميين المقيمين باليمن واعتقالهم وتسليم بعضهم الى الولايات المتحدة أو الى بلدانهم التي جاءوا منها حيث الاعتقالات أو المحاكم القاسية والأحكام العاتية.

كل هذا تم بضغوط اميركية وغربية عقب عمليات «القاعدة» وتحت تهديد صريح بأن عدم القيام بما هو مطلوب يعني شيئاً واحداً وهو ان سلطات اليمن تشجع الإرهاب وعند ذلك سيكون مصيرها كمصير أفغانستان.

هناك أيضاً وبالمثل ضغوط عنيفة تمارس على كل دول العالم الاسلامي تقريباً لتنفيذ لائحة المطالب الأميركية وتشتد هذه الضغوط عقب كل عملية ناجحة أو فاشلة من عمليات «القاعدة».

فما هي ثمرة عمليات «القاعدة»، لا شيء إلا زيادة في غربة الاسلام في أوطانه وإعانة على نقض عُرى الاسلام التي لا تزال باقية في الأمة.

قد يتنطع متنطع ويقول ان أنظمة دول العالم الاسلامي هي المخطئة لانها هي التي تستجيب للضغوط ثم انها أنظمة تحارب الاسلام أصلا وتصنع شراً به، ومثل هذه الحجج الواهية لا تستحق جواباً إنما هي أعذار أقبح من الأفعال.

ولو تدبر اخواننا في «القاعدة» ما ستؤول إليه الأمور اذا استجاب قطاع من الشباب المسلم للنداء الذي وجهوه إليهم وحثوا فيه الشباب على أن يسارعوا بتنفيذ عمليات ضد الغرب وأعوانه من الحكام دون أن ينتظر أحد إذناً ولا إعانة من أحد وهو ما حدا بنا إلى اصدار بيان نحذر فيه من تفجيراتهم العشوائية لعلموا انها لن تزيد عن تحويل كل بلاد العالم الاسلامي الى ساحة مواجهة كما يحدث في الجزائر مثلا وكما حدث من قبل في مصر في العقد الأخير من القرن الماضي قبل ان نتدارك الأمور بمبادرة وقف الأعمال القتالية. أي ان العالم الاسلامي سيدخل كله في مجابهة بين طوائف من الشباب ضعيفة القدرة وبين أنظمة مدججة حتى أسنانها بالسلاح، ولن يؤدي هذا الى ما تنشده «القاعدة» من اجبار الغرب على تغيير سياساته حيالها أو حيال العالم الاسلامي بل على العكس سيؤدي الى ارتماء كامل للأنظمة في حضن الغرب واميركا تحديداً واستجابة كاملة من الانظمة للمطالب الاميركية بالقضاء على عُرى الاسلام الباقية تحت شعار محاربة الإرهاب.

سيقول أنصار «القاعدة»، لكن هذه الانظمة كلها أو أكثرها تستحق الخروج عليها لاسترداد شرائع الاسلام المغيبة أو المغيب أكثرها أصلا. نقول ان الشرع وان أجاز القتال لاسترداد شرائع الاسلام، إلا ان هذا الحكم العام المطلق لا يمكن اقامته على أرض الواقع دون نظر خاص في كل حالة على حدة، وقد قدمنا في الفصل السابق ان منع بعض شرائع الاسلام لا يعدو كونه سبباً من أسباب القتال لكن الحكم لا ينشأ بمجرد وجود سبب بل لا بد من النظر مع ذلك في توفر شروط الحكم وانتفاء موانعه. فان فقد الشرط أو وجد المانع لم ينعقد الحكم أصلا، وكذا يجب النظر في وجود علة أخرى تنازع العلة الأولى وتطلب حكماً آخر مغايراً، وقد فصلنا القول في هذا في الفصل السابق بما يغني عن إعادته.

ومن لم يلتفت الى هذه الأمور وأراد اعلان قتال لم تتوفر شروطه أو قامت موانعه فإن قتاله هذا سيؤدي لا محالة الى استحداث فتن ومفاسد عظيمة، وهذا ما حدث بالفعل في مصر من قبل وحدث ولا يزال يحدث في الجزائر، ومثل هذا القتال الذي تكون مفسدته أرجح لا يصح الخوض فيه، بل أفتى شيخ الاسلام ابن تيمية ان مثل هذا القتال المسبب للمفاسد والمضيع للمصالح والذي لا يؤدي الى إعلاء كلمة الله واقامة شرعيته هو من نوع قتال الفتنة ولا يجوز لأحد مطاوعة أحد اذا دعاه للخوض فيه، وهذا عام عنده رحمة الله في كل قتال هذه صفته، ومثل هذا الذي سماه شيخ الاسلام قتال فتنة هو الذي تسعى «القاعدة» لاقامته في طول بلاد العالم الاسلامي وعرضها.

* ثانيا: الأخطاء

* كان هذا حديثاً مختصراً عن «الأخطار» التي تستجلبها «القاعدة» بعملياتها داخل بلاد العالم الاسلامي، وبقي الحديث عن «الأخطاء» التي تتضمنها هذه العمليات وبداية نحب أن نؤكد انه لا معصوم بعد المعصوم صلى الله عليه وسلم وأن ابداء النصح لـ««القاعدة»» وغيرها بشأن ما يقع منهم من اخطاء لا يعني اهدار حسنات القوم بالكلية، فهذا شطط يذهب اليه الخوارج ومن لف لفهم ممن يعدون الخطأ الواحد والمعصية المفردة كافية لذهاب إيمان العبد بالكلية، ولسنا بحمد الله ممن يدينون بهذا النهج الباطل ولا ممن يتأثرون به، بل نعتقد ان الرجل قد يجمع بين الحسنة والسيئة والطاعة والمعصية والصواب والخطأ.

كذا ينبغي التأكيد هنا على ان أقوال الرجال وأفعالهم سواء كانوا من المنتسبين للحركات الاسلامية أو لا وسواء كانوا من العلماء أو الزهاد أو المجاهدين أو الدعاة، تلتقي كلها في تصحيحها الى شاهدي عدل من الكتاب والسنة، فآراء الرجال وفتاوى العلماء واجتهادات المجتهدين واعمال العاملين تعرض كلها على الكتاب والسنة فما وافق منها أجيز، وما خالف منها يرد ويهدر، ولا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر ان أخذه الحمية لمقالة نسبت إليه أو لطائفته ثم تبين له ان غيرها أولى بالاتباع وأقرب للرشاد، نقول لا ينبغي ان تأخذه الحمية لها أو لقائلها فيأبى ان يرجع عنها أو ينهى عن مراجعتها قائلها.

ومن فعل هذا ففيه من الحمية الجاهلية والعصبية المذمومة نصيب، وله من ترك السنة والهدي النبوي بقدر تعصيبه وحميته، ولا يصح لمسلم ان يجعل أقوال أحد أو أفعاله سنة يقتدي بها ويوالي على موافقتها ويعادي على مخالفتها إلا أقوال المعصوم صلى الله عليه وسلم وأفعاله، فهذه التي تحاكم أقوال الخلائق كلهم إليها وهذه وحدها هي التي نوالي على موافقتها ونعادي على مخالفتها، أما ما عداها من أقوال البشر وأفعالهم فلا يوالي ولا يعادي عليها بحال، بل ان وقعت موافقة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم أقرت وأجيزت وكانت الموالاة والمعاداة على موافقة السنة لا على ذات القول والفعل البشري، وان وقعت مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ردت ورفضت لكن أصحاب مثل هذه الأقوال الأفعال التي تقع مخالفة للشرع ان كانوا معذورين لانهم فعلوا أو قالوا ما أداه إليه اجتهادهم ـ ان كانوا من أهل الاجتهاد ـ أو صاروا الى ذلك بتقليد من يجوز تقليده فانهم مأجورون شرعاً لكن يبين لهم خطؤهم فمتى بان لهم وجه الصواب لم يجز لأحدهم الاستمرار على فعل أو الاصرار على قول بان خطؤه، فإن فعل فما هو بمذعور ولا مأجور.

ولسنا هنا في معرض بيان تفصيلي لما نرى انه يجب على اخواننا في ««القاعدة»» اعادة النظر فيه من اقوال وأفعال نسبت إليهم ووقعت بالمخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، لان حديثنا هنا متجه أصلا الى القتال في بلاد المسلمين ضد الحكام متى يجوز ومتى لا يجوز، وقد تفرع بنا الحديث الى عمليات ««القاعدة»» داخل بلاد المسلمين بوصفها لا تعد خروجاً لخلع حاكم بل تعد نكاية في رعايا دول كافرة لاجبارها على تغيير نهجها في التعامل مع ««القاعدة»».

ولذا سوف نعرض في عجالة للأخطاء الكبار التي نرى ان ««القاعدة»» وقعت فيها فتفرع عنها مجموعة أخرى من الاخطاء العملية، وهذه الأخطاء الكبار أربعة.

الأول: استلاب ««القاعدة»» لمهام الأئمة الثاني: انكارها حالة الاستضعاف أصلا الثالث: سحب أحكام الكفار في بلادهم الأصلية على بلاد المسلمين الرابع: جعلهم الجهاد غاية لا وسيلة وهذا بيان متعجل لكل واحدة من هذه الاخطاء الكبار وما تفرع عنها من اجتهادات خاطئة.

أولا: لما كانت شرائع الاسلام لا تقام أو لا يقام أكثرها على وجهه الأمثل إلا بوجود «سلطان» يعين بسلطته على اقامة الحق وردع أهل الفساد وحماية البيضة وهو الذي عرف في التراث الفقهي للأمة باسم الخليفة أو الامام أو الأمير، ولما رأت «القاعدة» ـ بحق ـ ان كثيراً من شرائع الاسلام لا يقام أو لا يقام على وجهه الصحيح بسبب تقاعس الولاة عن ذلك أو اهمالهم أو امتناعهم واضاعتهم لكثير من شرائع الدين أو أكثرها اعتقد اخواننا في «القاعدة» خطأ ان لهم الحق في خلع «الامامة» على طائفتهم، وليتهم اكتفوا باستلاب هذا الحق وإدعائه في قطر من أقطار المسلمين، بل انهم يتصرفون وكأنهم قد نصبوا أنفسهم أئمة على العالم الاسلامي كله، ولعل هذا الوهم قد تسرى إليهم من جراء فهمهم لقاعدة انه لا شرعية لوال لا يحكم بالشرع على انها تعني لا وجود لهذا الوالي أصلا ومن ثم فلتأخذ «القاعدة» مهامه ووظائفه، وهذا وهم عريض. إذ ركن الولاية هو القوة والقدرة والقهر فمن ملك أمر الناس بالرغبة أو الرهبة واستطاع انفاذ حكم فيهم فهو «حاكمهم» فإن كان مع ذلك قائماً بالقسط فهو مثاب مأجور، وان كان ظالماً أو فاسقاً فهو آثم مأزور لكن لم يبح الشرع الخروج عليه، أما ان كان كافراً أو مضيعاً للشرع فانه قد يجوز الخروج عليه وقد لا يجوز، وإنما الجواز عند توفر شروط ذلك واستفاء موانعه على تفصيل قد تقدم.

لكنه في الأحوال الثلاث هو الحاكم، ومنصب الولاية في الأحوال الثلاثة ليس خالياً فان كان الحاكم مثلا لا يأخذ الجزية من أهل الكتاب المقيمين في بلاد المسلمين فانه لايحق لا لـ«القاعدة» ولا لغيرها من الجماعات أو الأفراد مطالبة أهل الكتاب بأداء الجزية اليهم، لان الجزية مفوض أمرها في الشرع الى الامام أو نائبه لا الى الرعية أو الطوائف غير الممكنة، فمن طالب أهل الكتاب بدفع الجزية إليه فقد نصب نفسه ـ شعر أو لم يشعر ـ اماماً وخلع على نفسه خصائص الامام في هذه الجزئية.

وكذا من جعل لنفسه الحق في الحكم بين المتنازعين والفصل بينهم في الخصومات في الديار والأموال والانصياع على الهيئة التي يحكم بها القضاة، بزعم ان هذه المسائل لا يحكم فيها القضاة بالشرع، فانه جعل نفسه «اماماً» في هذه الجزئيات شعر أو لم يشعر.

أيضا من نصب نفسه قيماً على تعاملات أهل الاسلام مع غيرهم من الامم والدول في أمور العهد والصلح واعطاء الأمان للأمم الكافرة ونزعه منهم واعلان الحروب على دول فقد نصب نفسه «اماماً» في هذه المسائل كلها.

* يتبع

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال