السبـت 01 رمضـان 1425 هـ 16 اكتوبر 2004 العدد 9454
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الداعية المغربي عبد الباري الزمزمي : لا اتفق مع فكرة إنشاء أحزاب إسلامية في بلد إسلامي .. ومراقبة المساجد فيها حماية للأمة

قال لـ«الشرق الأوسط»: لا يجوز لمصر أن تعين دولة عربية لو طلبت منها العون لمحاربة إسرائيل

الدار البيضاء: لحسن مقنع
اعتبر الداعية المغربي الشيخ عبد الباري الزمزمي، رئيس «جمعية البحوث والدراسات في النوازل الفقهية» ان الدعوة لفصل الدين عن الدولة هي في الواقع رفض للأحكام الشرعية. وقال في حديث لـ«الشرق الاوسط» ان الأحكام المتعلقة بالسياسة والعلاقات الخارجية تمثل نحو 70% من الأحكام الشرعية في الإسلام. وتحدث الزمزمي عن اوضاع حركات الإسلام السياسي في المغرب، وآفاق مشاركتها السياسية. واعرب عن اعتقاده بانه لا يجوز شرعا ان تساعد مصر اي دولة عربية على محاربة اسرائيل بسبب معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية. وفي ما يلي نص الحديث:

* كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن علاقة الدين بالسياسة، ودعا البعض الى الفصل بينهما. فهل يمكن فصل الدين عن السياسة في المغرب وحصر الإسلام في الامور الدينية باعتبارها امورا شخصية؟

ـ مثل هذه الدعوة سواء كانت في المغرب او غير المغرب لا تصدر إلا عمن لا علم له بالشريعة الإسلامية، ويجهل قواعدها ومبادئها التي قامت عليها. فمن المعلوم ان الإسلام الذي يعتبر القرآن كتابه وقانونه ودستوره جاء لإصلاح الحياة برمتها وجاء بنظرة عامة. فالقرآن يقول: «ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم». فهو يهدي بصفة عامة، ولم يقل يهدي الانسان في تعبده فقط، بل يهديه للطريقة التي هي اكثر استقامة في جميع مجالات الحياة. اذن، فالقرآن نظام شامل للحياة بجميع مجالاتها وشِعبها، يوجه الانسان في جميع مجالات الحياة، وهذا التوجيه يختلف. فتارة يكون التوجيه مفصلا ويتناول كل جزئية صغيرة كانت أم كبيرة كأحوال الانسان في شخصه وسلوكه مع اهله وزوجته وكنظام الحقوق ونظام التكافل. هذه توجيهات لا تخضع لتغييرات الظروف، وتتبدل بتبدل المجتمعات والقرون. فهذه، نجد الإسلام يفصل فيها تفصيلات شاملة. كذلك نجده يفصل في العبادات التي لا تخضع ايضا للتغيرات وتقلبات العصور. فمثلا نجد الصلاة فيها تفصيلات دقيقة في كل احوالها وهيئاتها، وكذلك الأمر بالنسبة للصيام والحج. ان الذي يدعو الى فصل الإسلام عن السياسة او فصل الدين عن الدولة كمن يدعو الى سلخ الشاة عن جلدها وهي حية. فالإسلام لا يمكن ان نسلخ منه التوجهات المتعلقة بالسياسة. وباي حق نفعل ذلك؟ ومن اعطانا الحق حتى نجرد الإسلام من جملة من الاحكام الكثيرة التي تتعلق بتنظيم المجال السياسي؟ وفي هذا كتب كثيرة. فمنذ القرون الأولى، كتب العلماء في السياسة الشرعية مئات الكتب، في وجوب البيعة على المسلم، ووجوب السمع والطاعة للإمام، وحق الراعي على الرعية، وحق الرعية على الراعي، وعدم الخروج عن الأمة والجماعة. كذلك هناك نصوص في السنة في الوعيد وفي التحذير من العصيان المدني والخروج عن طاعة الإمام. هناك ايضا قواعد في تنظيم علاقات الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول، مسلمة كانت او غير مسلمة. اذ نجد المعاهدات التي عقدها الرسول عليه الصلاة والسلام مع اليهود لما جاء الى المدينة. وهي اصل في التشريع في هذا الباب. ونجد الأمر في القرآن بالوفاء بالمعاهدات كقوله «فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم». بل نجد اكثر من ذلك في القرآن، مثل الامر بعدم نصرة جماعة مؤمنة لجماعة مؤمنة اخرى على جماعة كافرة تربطها بها معاهدة. وتقول الآية: «وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق». فالمعاهدة تلزم المؤمنين وتلجمهم. فمثلا مصر لها معاهدة سلام مع اسرائيل كما هو معروف، بكل ما يتطلبه السلام من كف الأذى والأمن. هنا لا يجوز لمصر ان تُعين دولة من الدول العربية مثل سورية أو لبنان على اليهود اذا استنصرتها وطلبت منها العون بالجيش والسلاح لمحاربة اسرائيل. هذه امثلة على القواعد السياسية في الإسلام. لهذا يجب على كل من يدعو لفصل السياسة عن الدين او فصل الدين عن الدولة، ان يدرس الإسلام قبل ان يدعو لذلك.

ويتمكن من قواعده ليدرك ان هذه الدعوة هي في الواقع رفض للأحكام الشرعية وليس مجرد فصل، لاننا بذلك سنكون قد عطلنا اكثر من 70% من احكام الشريعة الإسلامية. فالصيام الذي يعد من اركان الإسلام لا توجد في القرآن سوى بضع آيات عنه (سورة البقرة) وكذلك بالنسبة للحج. بينما نجد في القرآن الآيات المتعلقة باحكام القتال وأحكام المعاهدات مع غير المسلمين وأحكام التعامل، وما الى ذلك، بالعشرات. إذن هذه الدعوة هي دعوة مبطنة، الغاية منها تعطيل الشريعة الإسلامية وجعلها مثل المسيحية واليهودية، شريعة كنائس ومعابد. ولهذا نسمع بعضهم يقول ان الدين شأن شخصي، وهذا غير مفهوم في المنطق الشرعي.

* من التبريرات التي يسوقها دعاة الفصل بين الإسلام والسياسة هو ان السياسة مسألة دنيوية قابلة لأن تكون عرضة للاختلاف والصراع والنزاعات التي قد تتعارض مع القيم الدينية وطابعها المقدس. ماذا تقولون بشأن ذلك؟

ـ اولا، يجب ان نحدد مفهوم السياسة التي نتكلم عنها. ما المقصود بهذه السياسة. ثانيا لا يجوز ان نصور الإسلام على انه دين زاوية من الزوايا. فهو دين الحياة. وهذا يصرح به القرآن: « يا ايها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم». اذن الإسلام دعوة الى الحياة. وهو هنا يخاطب الاحياء وليس الأموات. ويقول لهم استجيبوا لله والرسول اذا دعاكم لما يحييكم لأن حياتكم ليست حياة لائقة بكرامة الانسان. الإسلام جاء بالحياة الامثل والحياة الافضل التي تليق بالانسان بالشرائع والنظم التي حملها. ففي السياسة نسمع اليوم بالديمقراطية. فما هي الديموقراطية؟ هي تعني الحق والعدل والشورى. هذه مبادئها. وهذه المبادئ اسسها الإسلام «واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل»، «وامرهم شورى بينهم»، « ان الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات الى أهلها» فيما يتعلق بأداء الحقوق. اذن القواعد العامة موجودة في الإسلام ولكن التطبيق السياسي يختلف باختلاف العصور. فالقرآن لا يقول كيف ينتخب البرلمان، وكيف يكون رئيس البرلمان، وكيف تشكل الحكومة، هذا غير موجود في الإسلام وهذا يخضع لتغيرات الظروف والعصور. اما اذا كنا نعني بالسياسة الخداع والكذب والمناورات وما الى ذلك فهذا لا يرضاه اي منطق سواء المنطق الشرعي او المنطق الانساني. فهذه اخلاق حيوانية ولا ينبغي ان ننسب مثل هذه السياسة للاسلام.

* اذن، يمكن تأسيس احزاب اسلامية؟

ـ لا اتفق مع التسمية. لان القول ان هذا الحزب اسلامي، فيه خدش للشعب. ويعني ان الشعب غير مسلم. اما اذا كان الحزب يحمل اسما مختلفا مثل حزب العمل مثلا او الحزب الديمقراطي او حزب العدالة، ويستند الى مرجعية اسلامية فلا ضير، هذا مثل الدولة. ففي المغرب مثلا، كما في جل الدول العربية ينص الدستور على ان دين الدولة الرسمي هو الإسلام اي انها ذات مرجعية اسلامية. ولكن الدولة لا تحمل اسم الدولة الإسلامية، كما هو الحال مثلا بالنسبة لايران. واعود الى مسألة تاسيس حزب إسلامي لأقول انه لو كان المسلمون اقلية في بلد من البلدان العلمانية او غير الإسلامية مثل اميركا فانه يكون مقبولا ان يؤسس حزب اسلامي يجمع المسلمين وينضم اليه المسلمون. هذه فكرة ستكون مقبولة ومعقولة جدا إن لم تكن واجبة. اما ان تكون في بلد اسلامي وتنشئ حزبا اسلاميا فستكون كمن يخرج من المسجد اثناء اقامة الصلاة. وهذا يكرهه العلماء لان فيه طعنا في الامام . فالخروج في هذا الوقت فيه طعن. ويعني انك تعتبر ان هذا الامام لا يصلح للصلاة حتى ولو لم تقل ذلك. فاعلان تاسيس حزب اسلامي يعني ان مؤسسيه يوجدون في وضع غير اسلامي وفي مجتمع غير مسلم وارادوا ان يكونوا كتلة اسلامية. وهذا غير مقبول في بلد اسلامي.

* ظهرت في المغرب عدة حركات سياسية تعلن انتسابها للاسلام والمرجعية الإسلامية، مثل حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والاحسان وغيرهما. ما هو تقييمك لهذه الحركات؟

ـ كنت قبل نحو 15 الى 20 سنة آمل ان تتشكل حكومة اسلامية تحت النظام الملكي في المغرب، او ان تتأسس في اي بلد من البلدان الإسلامية، حكومة تعمل على اظهار الوجه الحقيقي للاسلام، وتحكم بالتوجهات الشرعية. ولكن بعد مرور هذه السنين، وبعد الانتخابات الاخيرة في المغرب، ومشاركة حزب العدالة والتنمية فيها للمرة الثانية، وكذلك بعد التجربة السودانية وما يحدث الآن في السودان ، وبعد كل هذا الصراع وهذا الشقاق بين الإخوة الذي وصل تقريبا الى القتال لولا ان الله سلم، تبينت لي حقيقة اخرى هي انه الآن، وفي هذه الظروف، ليس من المصلحة ان يدخل الإسلاميون الحكومة، او ان تكون لهم حكومة اصلا. الآن يجب على الإسلاميين حفاظا على وجودهم وعلى الدعوة الإسلامية في وجهها المشرق ان يتمسكوا بمواقعهم في الدعوة، وفي توجيه الشعوب الإسلامية الى الإسلام. اما اذا تبوأوا المناصب فان النقص سيدخلهم وسيعتريهم الخلل. وهذا امر مشاهد واصبح حقيقة واضحة الآن وهم لم يصلوا بعد الى الحكم. انهم ما زالوا في مرحلة ما قبل الحكم (البرلمان). ومع ذلك نرى فيهم خللا كثيرا وزيغا عن المبادئ الاساسية للاسلام. كنا نتوقع منهم ان يخدموا الدعوة الإسلامية في هذه البلاد بتبوئهم مراكز التشريع ومراكز القرار ولكننا صدمنا وفوجئنا بتخاذلهم وتفريطهم. وهنا هم، كما يقولون، محكومون بالظروف وبالضغوط المختلفة من خارج البلاد ومن داخلها. هذا يوصلنا الى انه ليس من مصلحة الدعوة الإسلامية الان، ولا من مصلحة الإسلام ان يكون الإسلاميون في مراكز القرار بل يجب ان يبقوا في مواقعهم الى ان تتبدل الظروف او على الاقل الى ان يزول كابوس الارهاب من فوق رؤوس الامة الإسلامية. لذلك لا ارى نفعا ولا فائدة من دخول الإسلاميين الى البرلمان ولا من تمكنهم من مراكز القرار.

* أليس هذا موقف جماعة العدل والإحسان التي لا تشارك في الانتخابات؟

ـ لا انا لا افهم الامر هكذا. فجماعة العدل والاحسان لا تشارك في الانتخابات، انطلاقا من مفهوم آخر. فهم يعملون بعكس الحكمة القائلة «ما لا يدرك كله لا يترك جله». هم يريدون كل شيء او لا يأخذون شيئا. يريدون ان يكونوا في المقدمة، وان يكونوا هم الأئمة والسادة المتبوعين وغيرهم يكون تابعا لهم. هم لا يشاركون في الانتخابات لانهم سيكونون فيها اتباعا واذيالا وهم يرفضون ذلك.

* وفيما يتعلق بالحركات الاخرى مثل «البديل الحضاري» و«الحركة من اجل الامة»؟

ـ هذه الحركات ليس لها وجود ظاهر في الساحة. ليس لها الا أسماء وعناوين، لا نسمع لهم ركزا ولا صوتا. بمعنى ان وجودها غير مؤثر اولا ثم هي غير معترف بها من لدن السلطة. وحتى لو كان اعتُرِف بها، وكانت لها حركة فلا يمكن ان نحكم عليها حتى تظهر منها افعالها، وتظهر اثارها في الميدان. اما الآن فهي منزوية في موقع ضيق وليس لها اثر واسع في البلاد.

* اذن، فما هو مستقبل الحركات الإسلامية في المغرب؟

ـ الحركات او الكتل التي تستند الى مرجعية اسلامية اذا حافظت على سلوكها وخدمت الإسلام بصدق وبدون تملق لخصوم الإسلام وبدون مهادنة اعدائه، وسارت في الخط الصحيح فانها ستكتسح الشعب المغربي كله، لان الشعب المغربي شعب مسلم وله غيرة قوية على الإسلام. هناك غيرة قوية في قلوب الشعب المغربي تجعله يندفع ويتعاطف مع كل منتم الى جهة الإسلام. الآن يبقى الدور على هذه الحركات والتكتلات التي تستند الى المرجعية الإسلامية لتصحح سلوكها. فهذه الحركات إذا كان نصب عينيها رضا الله عز وجل وتقديم حكمه على كل من سواه فانها ستنجح. وقد راينا ذلك في الانتخابات البرلمانية الاخيرة. فرغم احداث 16 مايو (ايار) 2003 في الدار البيضاء، التي نسبت لهم ورغم الحملة على الإسلاميين من قبل المارقين والخصوم الذين استغلوا تداعيات تلك الاحداث، فقد حقق حزب العدالة والتنمية فوزا ساحقا وتمكن رغم مشاركته المحدودة من منافسة الاحزاب العريقة بالمغرب. فكيف لو كانت هذه الكتل والحركات تخدم بجد وبصدق، وتخدم الإسلام قبل ان تخدم غيره؟. فلا شك انها في المستقبل ستكتسح الشعب كله وتبقى الاحزاب الاخرى أمامها أقزاما.

* كيف ترى التوجهات الجديدة في المغرب لهيكلة الحقل الديني من خلال مراقبة المساجد وتنظيم الإفتاء؟

ـ المقصود هنا هو هيكلة المساجد التي قد تكون احيانا منبعا للفتنة في غياب ضبطها ومراقبتها. فالمسجد يقصده كل من هب ودب، كل رأس اراد ان يتكلم يدخل الى المسجد ويجتمع حوله الناس. وهذا سبب البلاء. فضبط المساجد ومراقبتها فيه حماية للمساجد وللأمة كلها من الفتانين ورؤوس الجهل كما وصفهم الرسول عليه الصلاة والسلام. اما تقنين الفتوى فاعتقد ان هذا متعذر في هذا العصر، الذي اتسع فيه الخرق على الرقع. فكيف تقنن الفتوى مع وجود الإنترنت والفاكس والهواتف والفضائيات الإسلامية التي يوجد في كل واحدة منها مفتي او اكثر، ويفتون بالمذاهب المختلفة. لهذا ارى ان تقنين الفتوى متعذر. قد تقنن من الناحية الهيكلية ولكن لن يكون لذلك تأثير لأن الناس يسمعون من جهات مختلفة وشتى. ولا يمكن ان يحاصرهم احد في هذا المجال لاستحالة مراقبة الفضائيات والإنترنت.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال