مارغريت حسن.. كافأها خاطفوها على السنوات الطوال التي أمضتها في خدمة العراقيين بقتلها

عارضت الحرب والعقوبات وكرست كل وقتها لرعاية الأطفال

TT

اختارت البريطانية مارغريت حسن ان تكون عراقية من ثلاثين عاما، كرست جلها لخدمة ورعاية الاطفال العراقيين. وذات مرة لخصت مشاعرها حيال مأساة العراقيين، في مقابلة مع هيئة الاذاعة البريطانية «بي بي سي» قبل الغزو الأميركي وتساءلت: «هل تدركون كيف تشعر الأم التي تنهض كل صباح ولا تعرف ما إذا كانت ستتمكن من إطعام أطفالها؟»، قبل ان تضيف «لا أعتقد ان الغربيين ينظرون للعراقيين كأناس عاديين». غير ان كلمات مارغريت لم تشفع لها عندما وقعت في قبضة خاطفيها في 19 اكتوبر (تشرين الأول) الماضي. عرفها العراقيون تعمل بينهم بصمت، تحتضن الأطفال المرضى. تتحدث للصحافيين فقط، عندما ترى في ذلك فائدة تعود على المستفيدين من المؤسسة الخيرية «كير انترناشنال» التي ترأست مكتبها في بغداد ، حيث أقامت مع زوجها العراقي تحسين منذ السبعينات. لم تخض السياسة او تهتم بها، وانما ركزت على اعمالها الخيرية منذ عام 1979 .

ورغم ان كلماتها، ظهرت في الصحف كانتقاد للسياسة الأميركية في التسعينات، الا انها لم تكن تقصد السياسة ابدا، وانما كانت تتحدث من الناحية الانسانية. قالت للمراسلين الأميركيين عام 1998، ان العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الامم المتحدة على العراق، «مناقضة لميثاق الأمم المتحدة». والسبب، كما قالت وقتها، ان ميثاق المنظمة الدولية يقدس حرية الفرد، ولذا ففرض عقوبات يؤذي الأفراد هو النقيض للميثاق «وهذا هو النفاق بعينه».

مارغريت حسن كانت تعي ديكتاتورية صدام حسين ووحشية نظامه، الا انها عزلت وجهة نظرها بالنظام عن عملها اليومي وركزت، خاصة في فترة العقوبات، على رعاية الأطفال المرضى وايجاد الدواء والغذاء لهم بأي وسيلة. تحدثت المسز حسن في فبراير (شباط) من العام الماضي، عشية الحرب في مجلس العموم البريطاني، قائلة: «يعيش العراقيون بالفعل حالة طوارئ بشعة ولا يشغل بالهم سوى الحصول على كوبونات التموين، ولذا فليس لدى العراقيين اية موارد تذكر لتحمل ازمات وطوارئ اضافية ستنجم عن العمليات العسكرية». وأنهت كلمتها بتحذير نواب مجلس العموم باحتمال مواجهة العراق لكارثة انسانية في حالة الحرب.

رغم نحافتها وضآلة جسمها، فإن نظرات العينين البنيتين النافذتين لمارغريت كانت تعبر عن صلابة روحها وعزمها ورباطة الجأش. ويحكي شهود عن منازلاتها العنيدة مع مسؤولي الأمم المتحدة والمسؤولين الأميركيين للسماح باستيراد أدوية لعلاج الأطفال المصابين بالسرطان. كانت تحمل صفات الجيل المغامر من البريطانيات اللاتي دفعن بحدود الامبراطورية الى اركان الدنيا الأربعة، من خلال القلب الرحيم والرعاية وحمل مصباح فلورانس نايتنجيل الذي برعت فيه البريطانيات عبر العصور. ورغم أن مولدها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، الا ان قلب المسز حسن حمل صلابة جيل نساء تلك الحرب. انحازت المسز حسن للفقراء والمحتاجين من العراقيين العاديين، وساوت في انتقادها بين الأميركيين والحكومة الانتقالية، لفشلهم في تأمين حاجة الناس وحمايتهم من الأشرار، وبين نظام صدام حسين في اختلاسه لمعونات الأمم المتحدة ودواء الناس وغذائهم في برنامج البترول مقابل الغذاء. ولدت مارغريت آن ستيدمان لأم ايرلندية وأب انجليزي هو رونالد ستيدمان الذي كان يشغل آلة العرض السينمائي عام 1952 قرب دبلن، ثم ارتحلت الأسرة الى لندن. وفي السابعة عشرة من عمرها، قابلت تحسين الميكانيكي العراقي، كان في السادسة والعشرين، وابن الجزار البغدادي سلمان حسن، عندما كانت تعمل على سنترال في شركة تأمين.

تزوج تحسين ومارغريت في مكتب السجل المدني لحي وستمنستر في 28 يونيو (حزيران) 1969، وعاشا في جنوب غربي لندن. لم يرزق تحسين ومارغريت بأطفال، فتحولت طاقة الحنان لديهما الى العمل مع الأيتام والأطفال المحتاجين بعد انتقالهما الى بغداد في السبعينات، حيث اقامت معهما امها الأرمل.

وبعد اقل من عام بدأت مارغريت العمل في المؤسسات الخيرية لرعاية الأطفال، وفي عام 1992، كلفتها مؤسسة «كير» منصب مدير فرع بغداد. والمؤسسة التي مقرها بروكسل، ولدت من رحم المؤسسة الخيرية الأميركية التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية لجمع التبرعات والملابس والمؤن والأغذية المعلبة في أميركا وارسالها في «طرود الرعاية» كهدية من الأميركيين لأوروبا التي مزقتها الحرب. استغلت المسز حسن زياراتها للعالم الخارجي ـ خاصة بريطانيا ـ في جمع التبرعات والدعوة لرفع العقوبات، وقالت لمؤتمر نظمته مؤسسة الغوث والتنمية الاسلامية، ومقرها برمنغهام في بريطانيا، ان العقوبات المفروضة على العراق، حولت امة ثرية كالعراق الى كومة من الفقراء. وخلال تولي المسز حسن ادارة نشاط المؤسسة في العراق، تركزت برامج الرعاية على توفير مياه الشرب النظيفة، والغذاء والبطاطين ومولدات الكهرباء في المناطق التي حرمت منها، بسبب العقوبات الاقتصادية واهمال نظام البعث لها، بسبب عدم ولاء السكان في تقدير النظام الحاكم.

واشتمل برنامج المؤسسة ايضا على المستوصفات والمراكز الصحية الأولية في الريف والمناطق النائية وايضا على تعليم الصم وتزويد المدارس بالوسائل المساعدة لتعليمهم.

بعد زيارتها لمجلس العموم، أسرعت بالعودة للعراق كي تكون بجوار «أهل بلدها»، مثلما قالت لمراسل صحيفة «نيوكاسل» المحلية الذي جلس بجوارها في الطائرة المتجهة لعمان عشية الحرب، اما آخر كلماتها للمراسل، فكانت: «أشعر بالحزن لاشتراك بريطانيا في هذه الحرب».