الاربعـاء 09 شعبـان 1426 هـ 14 سبتمبر 2005 العدد 9787
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

ميونيخ «موناكو بافاريا» امتداد للإمارة وإيطاليا

يحييك الشعب بالقبلات وبكلمة تشاو

كولون (ألمانيا): ماجد الخطيب
يحبذ سكان العاصمة البافارية ميونيخ تبادل التحية بكلمة «تشاو» الإيطالية عوضا عن «السيرفوس» الألمانية الجنوبية، ربما يعود ذلك إلى كثرة المستوطنين الإيطاليين فيها، وانتشار المقاهي وثقافة المطبخ الايطالي، بالاضافة الى انتشار العديد من الساحات والشوارع التي تحمل الأسماء الأيطالية، لكن السبب يضرب في جذور التاريخ القديم حينما كانت ميونيخ المعبر التجاري والثقافي للإيطاليين عبر جبال الألب وصولا إلى الشمال الأوروبي.

ولكن هذا ليس كل شيء، فالمجتمع البافاري معروف بـ «مجتمع القبلات» بسبب طبع قبلات التحية بين الأصدقاء على الخدين على الطريقة الإيطالية، وبسبب الرغبة في تناول القهوة الإيطالية المركزة في الهواء الطلق حتى في أيام الشتاء الباردة. ويمكننا القول إن الميونيخيين يعانون من «الايطالوفيليا» أكثر مما يعانون من «الانجلوفوبيا» رغم وجود «الحديقة الانجليزية» التي تحتل جزءا مهما من قلوبهم.

«موناكو بافاريا» امتداد للإمارة

* ويجد البافاريون أوجه شبه كبيرة، من ناحية تصميم المدينة وتخطيطها وشوارعها ومبانيها التاريخية، مع امارة موناكو. ولهذا يسميها البعض «موناكو بافاريا» لتماثل حياة أمرائها مع حياة أمراء موناكو الواقعة على الساحل القريب من ايطاليا.

وميونيخ ( 1.5 مليون نسمة) صاحبة أفضل سمعة بين المدن الألمانية من ناحية ما توفره من وسائل وإمكانيات لتزجية الوقت. فيها 340 فندقا ونزلا توفر اكثر من 40 ألف سرير للزائرين، ويمثل السياح القادمون من الخارج نسبة 40% من زوارها. وهي عاصمة الجنوب الألماني ذات الفصول الخمسة، حيث تحول «كرنفال اكتوبر» الشهير فيها إلى فصل متفرد يتميز بشمسه الدافئة وأيامه المرحة التي تجتذب 6 ملايين زائر سنويا. هذا الكرنفال، وهو الأكبر من نوعه في أوروبا، الذي ينفلت فيه حب البافاريين للجعة ( 60 ألف هكتار لتر كل مرة) والنقانق والستيك (مليون قطعة) وأصابع البطاطا.

ميونيخ مدينة هتلر

* وميونيخ هي المدينة التي عاش فيها هتلر منذ عام 1912 وقاد فيها حملاته الدعائية الأولى وصولا إلى السلطة في الثلاثينات. ألقى خطبه الرنانة في حانة «البورغربروي كيللر» في منتصف المدينة، ومنها بدأ انقلابه الفاشل عام 1923. وفي ميونيخ تعلم على يد أساتذة المسرح كيفية تحريك يديه ورأسه لكي يتفاعل الجمهور معه بحماس، وتمرن على كيفية استخدام نبرات صوته للتأثير فيهم. وفي هذه الحانة بالذات كتب برتولد بريخت أحد أفضل مقالاته حول «أساليب هتلر المسرحية» في إلقاء الخطب.

موطن نادي بايرن ميونيخ

* ومن لا يعرف ميونيخ ولم يزرها يعرف بالتأكيد ناديها «بايرن ميونيخ» الذي يعتبر من أكبر أندية كرة القدم في أوروبا والعالم. ويمتلك النادي نحو 10 ملايين مشجع على المستوى العالمي، نال العديد من الألقاب والبطولات، ويقوده اللاعب الألماني السابق «القيصر» فرانز بيكنباور. وتتوفر الفرصة دائما قرب مجمع أبنية النادي للحصول على تواقيع المشاهير من أمثال غيرد موللر وسيب ماير وكارل هاينز رومينيغة وغيرهم.

أشهر بوابات ميونيخ

* ومدينة ميونيخ معروفة بأبوابها القديمة والمختلفة من ناحية التصميم والبناء والزخرفة بسبب اختلاف تواريخ بنائها والأهداف المرجوة منها وأذواق مهندسيها. وأشهر هذه البوابات هي «بوابة النصر» التي بنيت عام 1843 على غرار قوس قسطنطين في روما لتخليد الانتصارات الألمانية. وتحولت هذه البوابة، القريبة من جامعة ميونيخ، إلى بوابة للسلام بعد سقوط هتلر. ويعلو البوابة تمثال عربة رباعية تجرها الأسود بدلا من الخيول.

البوابة الثانية هي بوابة ايزار (الشرقية) التي بناها القيصر لودفيغ عام 1337 تخليدا لانتصاره على أحد الأمراء المحليين. وتتألف البوابة من برج عال في الوسط وبرجين جانبيين لكل منهما ثمانية اضلاع.

البوابة الثالثة هي بوابة سيدلنغر التي بنيت عام 1318 كممر للتجارة بين الشمال والجنوب. بناها لودفيغ الأول من ثلاثة مداخل صغيرة ـ وأعيد بناؤها من مدخل واحد مقوس عام 1906 بعد أن تعرضت للخراب جراء الحروب.

ومن يود المشي خارج بوابة النصر ثم يتجه إلى اليمين سيصل إلى «الحديقة الانجليزية» التي تعتبر من أهم مواقع احتفالات اكتوبر. افتتحت الحديقة للملأ عام 1808 وتعتبر من أوائل المتنزهات العامة في أوروبا. خططها الانجليزي السير بنجامين ثومسون ( 1753-1814) وتقدم بها كمقترح للأمير كارل ثيودور. ويعتبر البرج الصيني من أهم معالم الحديقة القريبة من قصر «ريزدنس».

ولا ينبغي أن تفوت طالبي العلم والمعرفة زيارة المتحف الألماني في ميونيخ لأنه يؤرخ تاريخ الصناعة في العالم طوال 100 عام. وقاعات المتحف المؤلفة من 50 ألف متر مربع، ويزورها 1.2 مليون سائح سنويا، تستعرض تطور صناعة المكائن والدراجات والسيارات والبواخر والطائرات والصواريخ ومركبات الفضاء والجسور والسدود... الخ. ويقع المتحف على جزيرة صغيرة داخل نهر الايزار الذي يمتد غربا ليبلغ القرية الأولمبية.

والقرية الأولمبية بنيت عام 1972 لاستقبال دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في ألمانيا. وتتميز القرية بسقوفها الشفافة الصناعية التي تشبه سقف الملعب الأولمبي، بحدائقها الجميلة وبرجها الذي يرتفع إلى 290 مترا، والذي يمكن للراغب احتساء القهوة في المطعم الدوار تحت قمته.

لا يمكن للسائح أن يشعر بالملل في مدينة مثل ميونيخ، لكن عليه إن أراد التمتع بالطبيعة، من خلال ركوب إحدى الحافلات لتقله إلى الغابات السوداء أو بحيرة «شتارنبيرج» ليتمتع بالرحلات المائية والمناظر الخلابة بعيدا عن ضوضاء المدينة.

أماكن تهم السائح

* ويمكن للسائح أن يبدأ جولته من وسط المدينة بالقرب من المحطة الرئيسية على قدميه وصولا إلى ساحة مارين. وهي الساحة القديمة، وقلب المدينة النابض داخل منطقة الأسواق الخاصة بالمشاة . وتعتبر دار البلدية القديمة (بنيت 1470م) ودار البلدية الجديدة (1867م) من أبرز معالم هذه الساحة الجميلة. وضع المهندس النمساوي جورج فون هاوبسبرغر تصاميم البلدية الجديدة على بعد 100 متر من الدار القديمة. وتتميز ببرج مرتفع (80 مترا) عليه ساعة قديمة دقاقة وشرفة واسعة. والساحة عبارة عن مكان الاحتفالات الكبيرة حيث يجتمع الألوف لسماع موسيقى البوب أو تحية فريق بايرن ميونيخ حينما يفوز بالكأس.

وينتصب «عمود مارين»، الذي بناه الأمير مكسميليان، بعد انسحاب السويديين من المدينة عام 1635، في منتصف الساحة. وهو عبارة عن اسطوانة ينتصب عليها تمثال من الذهب يمثل «ملكة السماء» عنوان الحرية البافارية من الاحتلال السويدي آنذاك.

وغير بعيد عن ساحة مارين يمكن للسائح أن يشاهد برجي «كنيسة النساء» (فراونكيرشة) التي يقال إنها بنيت في الساحة التي كانت مركزا لبيع الرقيق من النساء. بناها الأمير زيغموند بأموال جمعت من عوائل وقبائل المنطقة عام 1468 ووضع المهندس يورج فون هالزباخ تصاميمها. وهي عبارة عن بهو كنسي كبير بني بقرميد من نهر «ايزار» الذي يخترق المدينة، مسقوف بالقرميد الأحمر، ويتصدره برجان عاليان.

ويلاحظ السائح على أرض البهو الصغير تحت البرجين بصمة قدم ذات مخلب تسمى «بصمة قدم الشيطان». وترتبط هذه البصمة بأسطورة قديمة تقول إن الشيطان أبرم عقدا مع المهندس فون هالزباخ يقدم فيها معونته في البناء شرط أن يبنى البهو الكبير بلا نوافذ. لاحظ الشيطان بعد انتهاء البناء أن البهو الكبير مليء بالنوافذ، فثارت ثائرته وطلب حياة هالزباخ مقابل انتهاك حرمة العقد. أخذه المهندس إلى البهو الصغير تحت البرجين، حيث لا يمكن مشاهدة النوافذ وأفحم الشيطان، فما كان من الشيطان المغتاظ إلا أن داس على الأرض تاركا بصمة قدمه المخلبية.

وفي شارع غير بعيد عن منطقة الأسواق يصل السائح إلى كنيسة «آسام» التي بنيت عام 1729 على الطراز الباروكي ثم أعيدت زخرفتها وجدد ديكورها بلمسات من العصر التقليدي القريب عام 1749. كان أسمها في الأساس كنيسة «نيمبوك»، لكن الأخوين آسام اشترياها وحولاها إلى مسكن لهما عام 1733.

وقريب من كنيسة آسام ينتصب قصر «رزيدنس» الذي كان مقرا لحكومات الأمراء والملوك في بافاريا طوال 500 سنة من عمره. ومن جديد يجمع هذا القصر الكبير، ذو البناء الهندسي القوطي، (130 غرفة وقاعة)، بين عناصر فن عصر النهضة والباروكي والكلاسيكي في تصاميم وديكورات غرفه. والغرف والقاعات مزدانة بالتماثيل واللوحات والمزهريات وقطع الأثاث الأنيق التي تعكس تأثيرات مختلف العصور على سكانه. وبنى الملك لودفيغ الأول قرب المدخل نصبا يحمل تمثالا من البرونز هو «باترون بافاريا» الذي يمثل ملاك بافاريا الحارس.

ماذا تأكل في ميونيخ.. وأين?

* ويستطيع السائح في هذه المناطق التمتع بالأكل البافاري التقليدي الذي عنوانه اللحم والبطاطا والخضار. لكن مركز مدينة ميونيخ لا يخلو من الخيارات الأخرى، خصوصا الإيطالية والتركية والعربية والصينية وغيرها.

وتنتشر في جزء المدينة المسمى «ماكس فورشتادت وشفابنغ» العديد من الأماكن التي تستحق المشاهدة وتعتبر مركزا لجذب السياح. خصوصا ساحة الملوك التي بناها لودفيغ الأول من مساحة خضراء مشتركة بين أربعة مبان رومانية ضخمة. وهي ساحة لاستعراضات واحتفالات الملوك السابقين حولها هتلر بدوره إلى ساحة للاستعراضات العسكرية. ويمكن للمهتمين بالفن التشكيلي أن يجدوا ضالتهم في «بيت لينباخ» الذي يضم أهم أعمال رائد الفن التجريدي فاسيلي كاندينيسكي الروسي الأصل. كما يضم المتحف أهم أعمال جماعة «الفارس الأزرق» التي انتمى كاندينسكي إليها وتضم فرانز مارك واوغست ماكة وغابريللا مونتر والكسي يافلنسكي وباول كلي.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال