الاربعـاء 01 صفـر 1430 هـ 28 يناير 2009 العدد 11019
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

وادي النطرون.. هنا يرقد ميزان القلب

كل ما فيه ينطق باسم التاريخ

أحد أديرة وادي النطرون أثناء تعميره («الشرق الأوسط»)
أحد مباني أديرة وادي النطرون («الشرق الأوسط»)
جانب من كنيسة في أحد الأديرة («الشرق الأوسط»)
وادي النطرون (مصر): داليا عاصم
في قلب الصحراء المصرية يقبع وادي النطرون بأديرته وصفائه الروحي وبعده عن الصخب. يستمد المكان قُدسية خاصة في المسيحية بسبب مباركة المسيح عليه السلام وهو طفل وأمه مريم أثناء رحلتهما إلى مصر، هرباً من بطش الرومان، وطلبًا للأمان.

يقع الوادي على بعد 14 كم من منتصف طريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي. بدايته بالقرب من القاهرة، ثم ينحدر تدريجيا باتجاه الغرب بالقرب من الصحراء الليبية، وهو يتبع إداريًا محافظة البحيرة، وتحيطه أرض قاحلة من جميع الجهات. وبظهور الرهبانية في مصر، ظهرت أهمية الوادي، خاصة مع تبلور هذا النظام القائم على الاعتكاف والزهد في الحياة الدنيا، فكانت أديرة الوادي علامة على تاريخ الرهبنة، ليس في مصر وحدها، بل في العالم أيضا. ترجع تسمية الوادي باسم «وادي النطرون» إلى بحيرات ملح النطرون المنتشرة فيه، وعددها 8 بحيرات، تستخرج منها الصودا، ويطلق عليه بالقبطية «شيهيت»، أي «ميزان القلب»، أو «هابيب»، أي الغائر للكثير، وباليونانية «اسكيتيس»، أي النساك، وبالبطلمي «سخت همام»، أي وادي الملح. في الطريق المقفر لـ «ميزان القلب» ترشدك لافتات عديدة للأديرة الأربعة التي تضمها بوابة ضخمة عليها صورة للسيدة العذراء والسيد المسيح. والأديرة هي: «دير الأنبا مقار، ودير الأنبا بيشوي، ودير السُريان، ودير البراموس».

كان أول من استقر في هذه المنطقة في عام 150 م القديس فرونتو، المولود في الإسكندرية، ثم القديس آمون 270 م، وبعده بمائة عام القديس مكاريوس.

وأول الأديرة التي يمكن الوصول إليها دير الأنبا مقار، ويقع الدير إلى الجنوب الشرقي من ديري السُريان والبراموس. تكون الدير حول قلاية القديس مكاريوس، التي كانت في الأصل عبارة عن مغارة مسقوفة بالجريد والبردي، وتقع الآن غرب الدير، حيث تجمّع حولها التلاميذ، وأقاموا قلاياتهم ثم دشنوا كنيسة لأداء الصلاة، بالإضافة إلى بئر ومخبز ومطبخ ومخازن، وبيت للضيافة، ومائدة يجتمع حولها الرهبان كل أسبوع لتناول وجبة «الأغابي».

يقول الأب بيجول، أحد الرهبان بوادي النطرون لـ «الشرق الأوسط»: «مع تكرر غارات البربر على الدير في القرن الخامس الميلادي، أقام الرهبان أبراجاً دفاعية للاحتماء بها. وارتبطت بتلك الحصون والأبراج حكايات عديدة، كحكاية شيوخ شيهيت الـ 49 بجوار حصن بيامون، الذين تم دفنهم بمغارة بجوار الحصن قبل نقل رفاتهم إلى كنيسة تحمل اسمهم، تعود إلى القرن السادس الميلادي. وفي القرن الثامن الميلادي تم نقل رفات القديس مكاريوس إلى الدير في تابوت».

ويذكر المؤرخون أن أول زيارة قام بها حاكم مسلم لدير الأنبا مقار، كان زيارة الأمير خمارويه بن أحمد بن طولون عام 884 م، كما زار الدير أيضا الملك الظاهر بيبرس البندقداري عام 1264 م. ومنذ مطلع القرن الخامس عشر الميلادي مر دير الأنبا مقار بفترة اضمحلال، حتى مطلع القرن العشرين عندما وُضع مشروع لترميمه عام 1911م.

يضم دير الأنبا مقار سبع كنائس، ثلاث منها في الدير، هي: كنيسة أنبا مقار، كنيسة أبوسخيرون، وكنيسة الشيوخ، وأربع كنائس في الحصن، هي: كنيسة العذراء، وكنيسة السواح، وكنيسة أنبا أنطونيوس، وكنيسة الملاك ميخائيل.

كما تبقى من البناء القديم الحصن، ويعد أضخم الحصون الموجودة بالأديرة القبطية، بناه الإمبراطور زينون عام 482 م، ويتكون هذا الحصن من ثلاثة طوابق، يفصله عن السلالم المؤدية إليه جسر متحرك كان يُرفع بعد أن يلتجئ الرهبان إليه ويدخلوا فيه. وأُلحقت بالدير مكتبة، تعتبر هي الأكبر في كل الأديرة لحفظ المخطوطات والكتب النادرة، بالإضافة إلى مخزن متحفي لحفظ القطع الأثرية.

أما دير الأنبا بيشوي الذي يقع إلى الغرب من دير الأنبا مقار، فقد أسسه الأنبا بيشوي، مؤسس الدير الأحمر بالقرب من سوهاج، ويعود تاريخه إلى أواخر القرن الرابع الميلادي، وُبني حول المغارة التي كان يقيم فيها الأنبا بيشوي. تعرض الدير لهجمات البربر المتتالية، وهو ما أدى إلى تدميره عدة مرات. وقد زاره العديد من المؤرخين والرحالة، من أمثال: المقريزي، وتيفونوت، وتاتام.

يتكون دير الأنبا بيشوي من ثلاثة طوابق: الأول يشمل بئر مياه، ومطحنة غلال، ومعصرة زيت، ومخازن. أما الطابق الثاني، فيوجد به مدخل الحصن الذي يتقدمه كوبري متحرك،ويضم فرناً، وكنيسة على اسم القديسة العذراء مريم. أما الطابق الثالث، وهو السطح، فيضم كنيسة على اسم الملاك ميخائيل ومغارتين.

وتبرز أهمية دير الأنبا بيشوي في احتوائه على أكبر كنيسة في وادي النطرون، هي كنيسة الأنبا بيشوي، وتزخر بالكثير من الكنوز الكنسية، مثل «المائدة المقدسة»، وهي مائدة حجرية كبيرة منخفضة، يتناول عليها الرهبان طعامهم بعد صيامهم السنوي. أما «بئر الشهداء»، التي تقع أمام الكنيسة من الناحية البحرية، فهي البئر التي غسل فيها البربر سيوفهم، بعد أن قتلوا 49 من رهبان دير الأنبا مقار عام 444 م.

دير السُريان هو ثالث أديرة وادي النطرون ويرجع إلى القرن السادس الميلادي، وقد أقامه رهبان سوريون. ويقع دير السريان بين دير البراموس ودير الأنبا مقار. والاسم الصحيح للدير هو دير السيدة العذراء السُريان. وعلى الرغم من أنه أصغر الأديرة مساحة، إلا أنه اختص بنقوش ورسوم قيمة من الناحية الأثرية والفنية. وتوجد هذه النقوش بكنيسة الدير الرئيسية. وقد اكتشف روبرت كروزن في عام 1833م في قبو الزيت مخطوطات سريانية وقبطية وحبشية، موجودة الآن في المتحف البريطاني.

يوجد بالدير العديد من البقايا الأثرية، كالحصن القديم الذي يوجد على يمين الباب الأثري للدير من الجهة الغربية، ويبلغ ارتفاعه 18 متراً، ويتكون من أربعة طوابق، يفتح بابه في الطابق الثاني، ويتم الوصول إليه بجسر من الخشب السميك يرتكز على باب الحصن، وبناء مقابل له، بحيث يرفع هذا الجسر عند اللزوم بسلاسل مثبتة من خلفه، وله باب سميك؛ فلا يستطيع أحد أن يصل إليه بعد رفع الجسر.

ويعتبر «باب النبوءات» بالكنيسة من أهم الآثار الباقية بالدير، حيث زين أعلاه بصورة للقديسين الذين كُتبت أسماؤهم باللغة اليونانية، وطعمت بالعاج في الخشب، كما توجد مجموعة من الرسومات الهندسية الجميلة المطعمة بالعاج، وكل قسم منها يشير إلى مرحلة من مراحل تاريخ الكنيسة.

ومن المعالم المميزة للدير أيضا شجرة التمر هندي التي نبتت، ومن حينها أصبح الزوار يلقون بالنقود والعملات عندها، متمنين ما تشتهيه أنفسهم، ولكن الأرجح أن القديس إبراهيم لم يقم بزيارة مصر مطلقاً.

أما الدير الرابع والأخير في مجموعة أديرة وادي النطرون، فهو دير البراموس، الذي يقع في الطرف الشمالي الغربي لوادي النطرون، غربي الملاحات. ويرجع تاريخ تأسيسه إلى القرن السادس الميلادي.

ويعتبر حصن الدير من أقدم حصون أديرة وادي النطرون، ويتكون من طابق أرضي وطابقين علويين، ويوجد مدخل الحصن في الطابق الأول، يتم الوصول إليه عبر جسر متحرك.

أما مكتبة الدير، فتحتوي على مخطوطات لا تقدر بثمن، مكتوبة بعدة لغات، من بينها العربية والقبطية واليونانية والحبشية والعبرية والإنجليزية والفرنسية والتركية.

ويمكن الذهاب إلى الوادي عن طريق الإسكندرية القاهرة الصحراوي، ويمكن تأجير سيارة من الاستراحة التي تقع في منتصف الطريق الصحراوي لتأخذك عبر جولة إلى الأديرة، وتستغرق الزيارة نصف يوم. وقديما لم يكن مسموحا للنساء والأطفال بدخول الأديرة، ولكن صار ذلك مسموحاً. وبالإضافة إلى المتعة التاريخية التي تصادفها هناك، يمكنك شراء الزيوت الطبيعية والأعشاب الطبية وعسل النحل الصافي من منفذ البيع القريب من الأديرة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال