الاربعـاء 02 جمـادى الثانى 1430 هـ 27 مايو 2009 العدد 11138
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

رأس البر.. مارينا البسطاء في مصر

بدأت بالعشش وانتهت بالفيلات.. وكان من زوارها أم كلثوم وعبد الوهاب

شاطئ البحر برأس البر («الشرق الاوسط»)
رأس البر (مصر): محمد عبد الرءوف
بعضهم يصفها بـ«مارينا البسطاء»، وآخرون يُطلقون عليها «أصل المصايف».. ومنهم من يراها «جوهرة الدلتا»، ومنهم من يعتبرها عروس النيل المرتمية في أحضان البحر المتوسط، ومارينا البسطاء، مقارنة بمارينا المشاهير في الساحل الشمالي الغربي.. إنها مدينة «رأس البر» التي تتبع إداريا محافظة دمياط، شمال القاهرة بنحو 250 كيلومترا.

ومن أشهر المناطق التي يحرص زوار المدينة على مشاهدتها والتأمل فيها، نقطة التقاء مياه النيل العذبة بالبحر المالح، في المكان المعروف باسم «اللسان».. حيث يصب النيل مياهه بعد رحلة طولها 6695 كيلومترا يقطعها في أراضي عشر دول أفريقية جنوبا، ليصب فيضه عند المدينة الساحلية في مشهد فريد.. مدينة «رأس البر» كانت تعرف قبل الفتح العربي باسم «جيزة دمياط»، أي «ناحية دمياط»، وعندما زارها المقريزي سماها «مرج البحرين». ويبدو اسم «رأس البر» اسما على مسمى، فالمطالع لخريطة مصر يجد أن مدينة رأس البر هي أول مدينة مصرية تطل على البحر المتوسط، وهي متقدمة في البحر، وتشكل لسانا داخل الماء، ما يجعلها فعلا رأسا للبر داخل البحر. وترجع نشأة المدينة إلى عام 1823، حين كان مشايخ الطرق الصوفية وأتباعهم بدمياط يسيرون بمجموعهم نحو الشمال مع النيل للاحتفال بمولد «الشيخ الجربي» بمنطقة الجربي جنوب رأس البر.

وبتردد التجار على رأس البر قديما لمقابلة سفنهم العائدة من رحلاتها التجارية، وبعشق المتصوفين لتلك العزلة التي لا تقطعها غير أشرعة مراكب البحر بين الحين والآخر، آخذت المدينة تكبر يوما بعد يوم، إلى أن أصبحت في جمال شواطئها وهدوء مقامها تنافس مصيف الإسكندرية الذي يقع إلى الغرب منها، ويرتاده مشاهير المصريين حتى خمسينات القرن الماضي.

ومع الوقت بدأت الحياة تدب في «رأس البر»، بعدما اعتادت بعض الأسر المصرية من قاطني مدن الدلتا الخروج للتنزه في مراكب شراعية في النيل خلال فصل الصيف، وصولا إلى الشاطئ النهري لـ«رأس البر».. وهناك أقاموا أكواخا بدائية من البوص ليقيموا فيها بعض الوقت، وهو ما اصطلح على تسميته «العشش»، حتى بعد أن تحولت فيما بعد إلى مبان أسمنتية، وفيلات فاخرة.

وتحقق ما توقعه العالم الألماني «كوخ» حين زار «رأس البر» في عام 1883، وكتب عنها أن «مصيف رأس البر قد يصبح يوما ملك المصايف وأشهرها، إذ يتميز بموقعه الجميل، وهوائه النقي الجاف، وشواطئه الذهبية، وبُعده عن الضوضاء.. وهو أقل رطوبة من جو الشواطئ المصرية الأخرى، وتكثر في هوائه كمية اليود».

ولم يكذب أحد الفرنسيين توقعات «كوخ»، فأقام في عام 1891 أول مطعم وبار في المدينة البسيطة، وكان هذا الرجل الفرنسي يُدعى «بكلان»، وكانت معه مواطنته الفرنسية «كورتيل». وتتابع بعد ذلك إنشاء الأماكن لاستقبال زوار المدينة من المصريين والأجانب، حيث أُقيم في ذلك الوقت أيضا أول فندق راق أمام فنار المدينة، الأمر الذي ساعد على زيادة زوار «رأس البر» من المصطافين.

ومنذ وقت مبكر بادرت السلطات لوضع أول خريطة هندسية في عام 1902 تظهر فيها مواقع العشش وأرقامها والأسواق وغيرها، كما تمت إضاءة شوارعها بالفوانيس.. حيث أصبح موسم الصيف موعدا للقاء الزوار بالمدينة الساحلية الآخذة في منافسة جاراتها من المدن الساحلية، خاصة مدينة الإسكندرية.

ولم يترك أهالي رأس البر الفرصة، بل اغتنموا ما تتميز به مدينتهم من إمكانات، وبدأوا، منذ النصف الأول من القرن الماضي، في إقامة عشش لتأجيرها للمصطافين، في بداية كل صيف.. أي منذ بدايات شهر مايو (أيار)، وتستمر حتى سبتمبر (أيلول) من كل سنة، لأن مياه البحر كانت تُغرق العشش في الشتاء، وهو ما تم علاجه لاحقا ببناء مصدّات إسمنتية للأمواج.. كما أقامت مصلحة الموانئ المصرية رصيفا من الأسمنت المسلح طوله 250 مترا، وعرضه متران ونصف المتر، لوقاية ساحل المدينة من التآكل، وهو ما يعرف الآن بـ«منطقة اللسان».. وتبع ذلك إنشاء كوبري دمياط للربط بين ضفتي النيل لتسهيل الانتقال بالسيارات من رأس البر وإليها.

وشهدت المدينة العديد من النقلات المهمة في حياتها التي ساعدتها على الصمود والمنافسة في جذب السياح، حيث ظهر «الطفطف»، وهو حافلة ركاب ذات مقطورات مكشوفة الجوانب، تشبه قطار السكك الحديدية، لكنه يسير بعجل مطاطي في شوارع المدينة. وظلت رأس البر مصيفا لكثير من مشاهير السياسة والفن في مصر قبل ثورة يوليو (تموز) 1952 وبعدها. ومن أبرز هؤلاء المطربة أم كلثوم، والموسيقار محمد عبد الوهاب، والعديد من الوزراء.

وفي الوقت الحالي، لا يمكن المرور على ذكر المصيف، دون أن توضع رأس البر في القائمة، حيث أصبحت تتميز بالعديد من الفنادق بأسعار في متناول الطبقة الوسطى من المصريين، إذ تتراوح أسعار الإقامة لليلة بين 150 جنيها (نحو 25 دولارا)، و300 جنيه. كما يمكن تأجير فيلا (عشة) على البحر لقاء مبلغ يتراوح بين 200 جنيه و500 جنيه، حسب وقت الإقامة، إذ تنخفض الأسعار في بدايات وأواخر الموسم الصيفي، وترتفع في وسط الموسم، وهي إجمالا يمكن أن تقول عنها، كما يقول البعض، إنها أصبحت مارينا البسطاء في مصر، في إشارة إلى مارينا الأثرياء ونجوم المجتمع في الساحل الشمالي الغربي. ويتوقع أن تشهد المدينة طفرة جديدة في تاريخها، من خلال مشروع لإعادة تخطيط رأس البر القديمة، أو ما أصبح يُطلق عليه «رأس البر زمان».. خاصة أن محافظها الحالي الدكتور محمد فتحي البرادعي، الذي ينفذ هذا المشروع لإعادة الطابع التراثي للمدينة، هو في الأساس أستاذ تخطيط بجامعة عين شمس. وتمتاز المدينة بوجود عدد من المزارات الجميلة، من أهمها منطقة اللسان، تلك المنطقة التي يندر أن تجد مثلها، حيث تلتقي مياه نهر النيل بمياه البحر المتوسط، وفنار رأس البر التي تقف شامخة عند شاطئ البحر المتوسط لترشد السفن ليلا، والتي شهدت المنطقة المحيطة بها تطويرا جعلها مزارا مهما، ومنطقة الجربي التي كانت تشهد قديما الاحتفالات بمولد سيدي الجربي، وكورنيش النيل.

ولا يمكن لزائر مدينة رأس البر أن ينهي زيارته للمدينة، دون أن يتذوق ما تشتهر به محافظة دمياط من حلويات شرقية، مثل المشبك، والملبن، والهريسة، والبسبوسة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال