الدار البيضاء.. سياحة في رحاب التاريخ والعولمة.. والسينما أيضا

اشتهرت بعين الذئاب.. وبياض بيوتها

TT

الدار البيضاء، مدينة عملاقة حقا، تتجدد وتنمو باستمرار، وتتمدد عمرانيا في كل الاتجاهات، وتبتلع كل الفضاءات المحيطة بها، كأنها غابة من الاسمنت المسلح الجاهز للانقضاض على أية بقعة خالية ! هي عاصمة المغرب اقتصاديا، وقلبه النابض بالرواج التجاري والصناعي. هذه حقيقة لا نقاش فيها، بل هي البلد كله، كأنه مجسد فيها بكل جهاته وفئاته وشرائحه الاجتماعية، وتناقضاته أيضا، في تباين ملحوظ على مستوى السكن والمعمار ونمط العيش.

هنا يتجلى التفاوت الطبقي الحاد في أفصح صوره وأكثرها تعبيراً وبلاغة. ولا غرابة في ذلك، فهي كقطب مركزي اقتصادي وسوق تجاري ومجال استثماري كبير، أغرت الكثيرين بالنزوح إليها من جميع الأقاصي، بحثا عن مأوى وملاذ ومكان تحت الشمس، فصارت مدينة التساكن والتعايش بين مظاهر البذخ والفقر. في حي مثل «كاليفورنيا»، يخال للمرء أن هذا المكان قطعة انتزعت من أوروبا، وزرعت هنا، وفي حي آخر مثل «سيدي مومن» أو «كريان باشكو» او غيرهما من النقاط الهامشية السوداء فإن المشهد بكل عشوائيته يحيل على العصر «الصفيحي» القديم. والدار البيضاء هي المدينة المغربية الأكثر صخبا وضجيجا، والأكثر كثافة سكانية إذ يشير آخر إحصاء للسكان جرى سنة 2004 إلى احتضانها لحوالي أربعة ملايين نسمة، لكن بعض التقديرات تشير إلى أنها تتجاوز هذا الرقم الذي قد يتعدى الستة ملايين، وذلك راجع أساسا لكونها تعرف فترة من التحولات والانفجارات الديموغرافية والعقارية بشكل متسارع عصي على الترويض أحيانا.

يطلق عليها المواطنون المغاربة اختصاراً وتحببا لقب «كازا»، والبعض يكتفي بكلمة «كويزة» فقط، إمعانا في التدليل. واسمها الكامل في الأصل «كازا بلانكا» وهو مصطلح اسباني يعني الدار البيضاء، نسبة إلى الطلاء الأبيض الذي كان يكسو واجهات مبانيها.

تتميز بموقعها الاستراتيجي على شاطئ المحيط الأطلسي، وتبعد عن الرباط، العاصمة الإدارية للبلاد بتسعين كيلومترا يجتازها القطار السريع في أقل من ساعة.

وأقرب مطار إلى الدار البيضاء هو مطار محمد الخامس الدولي، وفي الإمكان الوصول إلى المدينة عن طريق الجو من أوروبا مثلا في أقل من ساعتين أو ثلاث، حسب موقع الإقلاع ! التاريخ يتحدث: رغم أن الدار البيضاء تعتبر حديثة بكل المقاييس، مقارنة بالمدن المغربية التقليدية الأخرى الأكثر منها عراقة، فإن بعض المصادر التاريخية تؤكد انتماء بعض الأماكن فيها لعصر سحيق هو نهاية العصر الحجري، كما دلت على ذلك دراسات في مجال التحقيق الأثري في موقع سيدي عبد الرحمن المتكئ على فضاء صخري مفتوح على البحر.

كما كشفت الأبحاث الأركيولوجية عن وجود عدة مواقع ضاربة في القدم، ومنها أن تاريخ موقع «ليساسفة» الأثري الكائن على جنبات الطريق المؤدية من الدار البيضاء إلى الجديدة، يعود إلى أكثر من خمسة ملايين سنة، وأصبح اليوم حيا شعبيا آهلاً بالسكان، ونبتت بجواره كليات ومعاهد في مختلف التخصصات.

وتجنبا للغوص طويلا بين صفحات تاريخ هذه المدينة الحافل بالأساطير والتحولات والتجاذبات، يجدر التوقف عند شخصيتين، أحدهما مغربي والثاني فرنسي، تركا بصماتهما بالدار البيضاء: الأول هو السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله، الذي عمل على إعادة ترميمها وبنائها من جديد وتقوية أسوارها، وغرس أسس مينائها، وتجهيزها بكل المرافق الأساسية سنة 1760 ميلادية، في أعقاب تعرضها للزلزال الذي دمرها سنة 1755، وفي وقته حملت اسم الدار البيضاء.

والثاني هو الماريشال الليوطي، أول مقيم عام فرنسي بالمغرب، الذي قام، مدفوعاً بأهداف استعمارية استغلالية بعد فرض الحماية سنة 1912، بمواصلة أشغال المرفأ الذي أصبح مع مرور سنين الاستقلال بوابة وواجهة مفتوحة على الخارج، تساهم بشكل كبير في تعزيز الحركة الاقتصادية للبلاد عموماً، إذ يعتبر حاليا من أكبر موانئ افريقيا، ترسو على أرصفته كبريات البواخر التجارية واليخوت السياحية، وتقدم المطاعم الكائنة بجنباته أفضل وجبات السمك الطري الوارد لتوه من شباك الصيد البحري.

الدار البيضاء في السينما: مدينة لا تعيش على الماضي بل تنشغل بهاجس الحاضر، وتتطلع إلى أفق المستقبل بحماس كبير، وتبدو مثل شابة مفتونة بنفسها وشبابها، لا تضيع دقيقة واحدة من عمرها، لا فراغ ولا وقت ثالث لديها. وفيها اكبر المراكز والمعارض والمنتديات العلمية العليا. وتشهد في الربيع مهرجان الأغنية العربية، وفي الصيف بالخصوص ملتقيات للموسيقى والسينما. وكان اسم الدار البيضاء قد شاع وذاع في العالم في عقد الأربعينيات من القرن الماضي، بفضل الشريط السينمائي الأميركي «كازا بلانكا» لمخرجه مايكل كورتز، قبل أن يحذو حذوه مخرجون مغاربة بداية من عقد التسعينيات من القرن الماضي، اتخذوا منها مسرحا لأفلامهم وأشرطتهم السينمائية: «حب في الدار البيضاء» لعبد القادر لقطع، و«بيضاوة» (نسبة لسكان المدينة) لنفس المخرج، و«الدار البيضاء ليلا» لمصطفى الدرقاوي، و«كازابلانكا يا كازابلانكا» لفريدة بليزيد، وآخرهم محمد العسلي بسمفونيته السينمائية الرائعة «الملائكة لا تحلق فوق الدار البيضاء».. واللائحة طويلة.

الوجه السياحي للدار البيضاء: مدينة بهذا الإشعاع التاريخي والعمق الحضاري والبعد الثقافي والفني من الظلم لها اعتبارها فقط عاصمة اقتصادية للبلاد! فهي لها مؤهلات وروافد تشكل في الواقع خريطة سياحية بكل ما في الكلمة من معنى.

والواضح أن هناك الآن مقاربة جديدة تعطي للمدينة حقها من الاعتبار كنقطة جذب مهمة للسياح، لا تقل أهمية عن الوجهات السياحية التقليدية الأخرى، ولا أدل على ذلك من وضع خطة رسمية من طرف المجلس الجهوي للسياحة، أطلق عليها «رؤية 2012»، وتتضمن سلسلة من التدابير بغية تعزيز النسيج السياحي في بنيته التحتية، ضمن المشروع الوطني المغربي الكبير الذي يراهن على استقبال عشرة ملايين سائح في أفق 2012.

ومما يميز الدار البيضاء أنها مدينة للتبضع والتنزه معا. أسواقها التجارية كبيرة وتعرض آخر صيحات الموضة. فنادقها كثيرة ومتنوعة التصنيف، تصلح لمؤتمرات رجال المال والأعمال، كما تصلح للسياحة ايضا. هي مدينة الجميع، المواطن المقيم والأجنبي الوافد، الكل يكتشف فيها مراده. تعكس التسامح والتعايش والانفتاح على العالم من خلال كل اللغات والحضارات والتجارب الإنسانية، ولا غرو في أن تغدو قبلة لكل الأجناس والأعراق. إن جولة داخل مزاراتها السياحية التالية هي بمثابة جولة في رحاب التاريخ في ارتباطه وتفاعله مع تجليات العصر الحديث دون التخلي عن كل ما هو أصيل في منظومة التقاليد.

ذخائر فكرية وهدايا تذكارية: حي الأحباس أو «الحبوس» كما يسميه المغاربة، الكائن قرب القصر الملكي، من المعالم السياحية الكبرى في مدينة الدار البيضاء. إنه حي ثقافي وحضاري بامتياز، ينفرد بأقواسه وبنائه المعماري المستلهم من روح الهندسة العربية والإسلامية بالإضافة إلى لمسات من الهندسة الغربية والأوروبية من بقايا الحقبة الاستعمارية. هنا يجد المثقفون كل ما يبحثون عنه من ذخائر وكنوز فكرية في سلسلة من المكتبات الكبرى المتراصة والمتجاورة، التي تعرض آخر ما جادت به المطابع في بيروت والقاهرة والرياض، وبغداد سابقا، من ثمار الفكر الإنساني والسياسي والفلسفي في مختلف تخصصاته، بدون الخضوع لأية رقابة مسبقة.

ويتردد السياح على هذا الموقع السياحي باستمرار، فوجاً وراء فوج، بحثا عن شراء هدايا تذكارية، مما أنتجته يد الصانع التقليدي من ملبوسات جلدية، وأوان نحاسية وتشكيلات فنية جميلة، وزرابي ملونة تحمل في طياتها الأصالة المغربية بكل ما تتضمنه من حمولة تراثية، وتعرض بوفرة على الواجهات، وعلى الأرصفة أيضا. هنا الساحة.. هنا وسط المدينة: ساحة محمد الخامس هي قلب المدينة. منها تنطلق كل الرحلات نحو جميع أنحاء الدار البيضاء. وفيها تصب كل خطوط النقل القادمة من مختلف الأحياء.

شارع الحسن الثاني يخترقها مثل شريان لا يتوقف عن النبض والحركة أبداً. ثمة حديقة جميلة وصغيرة تغري بالجلوس والاسترخاء فوق الكراسي، في مواجهة مقر الولاية بساعتها الحائطية المطبوعة على البطاقات البريدية، والتي صارت علامة مميزة للمدينة.

وسط الساحة تتدفق نافورة كبيرة بالماء، وترفرف حولها أسراب الحمائم قبل أن تحط لالتقاط الحبوب من أيدي أطفال صغار، تكاد الدنيا لا تسعهم من الفرحة، وهم يلامسون ريشها، بينما تلمع عدسات المصورين المتجولين، لتسجيل هذه اللحظة، وبيعها للآباء.

لقد باتت الساحة متنزها للعديد من العائلات البيضاوية، التي تحج إليها في العطل والمناسبات والأعياد. كما تعتبر الساحة محطة أساسية في طريق كل القوافل السياحية الأجنبية، إذ تتوقف فيها لالتقاط صورة للذكرى، أو للمشي قليلا تحت أشعة الشمس التي تغمر المكان بالدفء، وتمنحه فيضاً من الحيوية والنشاط والبهاء.

وغير بعيد عن هذه الساحة، التي تنتصب على جنباتها أيضا بعض المباني الإدارية، وبعد قطع مسافة قصيرة مشيا على الأقدام، يمكن اكتشاف مساحات أخرى خضراء، مثل حديقة جامعة الألعاب العربية الغنية بنباتاتها وممراتها الظليلة، وهي الرئة الحقيقية التي تتنفس بها مدينة يشكو جوها من دخان المصانع، وعادم السيارات والحافلات، وتتوزع هناك، وبالأخص في شارع مولاي يوسف، بعض المقاهي وأماكن الاستراحة من عناء التجوال تحت أشجار النخيل الممتدة على طول النظر.

العولمة في المدينة القديمة: الدار البيضاء ليست هي العمارات الشاهقة والبنايات التي تناطح السحاب، والفنادق التي تتلألأ النجوم الخمس على أسطحها، وهي تعانق الأعالي. الدار البيضاء هي أيضا المدينة القديمة بكل إرثها الأصيل محاطا بما تبقى من سور قديم كأنه يحميها من الاندثار، ومن اكتساح الرطوبة القادمة من الشاطئ القريب.

انطلاقا من المرور بساحة الأمم المتحدة وبمحاذاة فندق «حياة ريجنسي» الشهير، يمكن الولوج بكل انسيابية إلى المدينة القديمة التي ما إن يتخطى الزائر العتبات الأولى، تحت الأقواس والأبواب التاريخية، حتى يفاجأ بسيل من نداءات الترحيب بمقدمه، من طرف «جرسونات» المطاعم الشعبية، كلٌ منهم يحاول الإعلان عما يتوفر عنده من وجبات غذائية بصوت عال، من السمك إلى «الكوارع» وطاجين اللحم بالبرقوق.

الأزقة ملتوية وضيقة، وتعبق ككل الأمكنة العتيقة برائحة الماضي وعطر التاريخ، معلنة عن سكن الأجداد الأوائل هنا، مخلفين وراءهم بنايات على الطراز القديم، تشهد بقدرتهم على الابتكار والإبداع. والمدينة القديمة ليست بمنأى عن الحداثة، لقد وصلت العولمة هي الأخرى إلى كل ركن من أركان المحلات التجارية المبثوثة هناك: سلع وبضائع وأجهزة الكترونية من جميع أنحاء العالم. كل «ماركات» الأحذية والملابس تباع هناك من كل صنف ولون، بعضها أصلي ومستورد وبعضها محلي ومقلد. وفي الممرات تصدح حناجر الغناء الحديث منبعثة من محلات بيع الاسطوانات، في مباراة حامية الوطيس، ومزيج غريب بين الإيقاعات الشعبية، وموسيقى «الراب» لدى الشباب.

مسجد الحسن الثاني: بالقرب من الميناء، ومن المدينة القديمة، ترتفع معلمة دينية كبيرة هي بناية مسجد الحسن الثاني، الذي بني فوق الماء على شاطئ المحيط الأطلسي، وهو من أكبر وأجمل المساجد في العالم، اتساعا وطرازا ومعماراً. اتسم بهندسته ذات الطابع العربي والأندلسي والإسلامي الأصيل، وبنقوشه وزخارفه وأعمدته الرخامية التي تثير في النفس مشاعر الإعجاب.

ومن بعيد تظهر صومعة المسجد شامخة في الفضاء بعلو 210 امتار، وفي الليل تبدو وسط هالة من الضوء، كمنارة من منارات الهداية للدين بفعل قوة اشعاع نور «الليزر» المنبعث منها لمسافة تقدر بثلاثين كيلومترا، مشيراً نحو الكعبة الشريفة لتحديد وجهة القبلة لأداء الصلاة.

وبالإضافة إلى ما يمثله مسجد الحسن الثاني من قيمة رمزية كمركز ديني كبير يؤمه المصلون بالآلاف، خاصة أيام الجمعة والأعياد والليالي الرمضانية، التي يحييها الإمام الشاب عمر القزابري، فإن المسجد غدا أيضا طيلة أيام الأسبوع، باستثناء يوم الجمعة، محجا للسياح، ابتداء من الساعة التاسعة صباحا، وإلى غاية الساعة الثانية زوالا، للاطلاع على مرافقه ومعالمه وروعة بنيانه التي تعتبر آية في الدقة والإتقان والروعة، وذلك بالاستماع لشروحات باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية.

حي أنفا: يشكل حي أنفا الشهير بأسلوبه المعماري الخاص المكسو بالخضرة الطبيعية للشجر وبنمط الحياة فيه، لوحة متجددة على الدوام، بما يتميز به المكان من جمالية في العمران.

إنه أحد الأحياء الراقية في المدينة، مثله مثل حي «كاليفورنيا» وغيره، إلا أن حي «أنفا» يعتبر الأقدم والأجمل تميزا والأكثر رسوخاً في الذاكرة بقوة التاريخ.

يكفي هذا الحي العريق أن اسمه ارتبط بنشر قيم السلام والتعايش في العالم، من خلال مؤتمر «أنفا» الذي عقد فيه خلال يناير (كانون الثاني) 1943، بشكل سري تام، بحضور عدد من الأقطاب، وهم الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني، وينستون تشرشل، والجنرال شارل دوغول، والملك الراحل محمد الخامس، محفوفاً بولي العهد آنذاك الملك الراحل الحسن الثاني، وكان لهذا المؤتمر دور أساسي في التخطيط لإنهاء الحرب العالمية الثانية، والانتصار للحرية، ووقف سفك الدماء في منعطف حاسم من تاريخ البشرية، من خلال التخطيط لإنزال قوات التحالف بنورماندي.

شارع الكورنيش .. رياضة وترفيه: من المزارات السياحية الكبرى التي لا غنى عنها لكل زائر لهذه المدينة العملاقة كورنيش شاطئ «عين الذئاب» الممتد لعدة كيلومترات على الشريط الساحلي. مجمعات فندقية ومركبات سياحية ومطاعم ومقاه وأندية ومسابح خاصة تطل مباشرة على المحيط الأطلسي، تستجيب لاحتياجات السياح وفقا لرغباتهم، وتقدم لهم كل ألوان الترفيه ومختلف الأطباق المغربية والعربية والأوروبية، بما في ذلك الأكل الأميركي عن طريق مطعم «ماكدونالدز» في عالم الوجبات السريعة، ويحتل في الشاطئ موقعا بارزاً ومساحة شاسعة.

ونظرا للأنشطة التي يشهدها شارع كورنيش «عين الذئاب»، الذي يضج بكل مظاهر الإقبال على الحياة فإنه يكاد لا يخلو من الحركة أثناء الليل وأطراف النهار.

فهو مكان دائم للسباحة ولممارسة رياضة المشي والركض في الهواء الطلق بعيدا عن التلوث، وفي نفس الوقت فضاء مفضل لدى الكثيرين من عشاق السهر! كورنيش «عين الذئاب» هو الدار البيضاء، والدار البيضاء هي «عين الذئاب»، اشتهر بها واشتهرت به، ولا يكتمل برنامج أي سائح للمدينة إلا بوضع هذا المزار السياحي ضمن مفكرته، ليختتم به رحلة من المتعة لن ينساها أبدا.