الاربعـاء 01 صفـر 1430 هـ 28 يناير 2009 العدد 11019
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

المتحف الوطني اللبناني.. حكايا التاريخ في قالب حديث

نواويس تحكي أساطير يونانية وآنية تؤرخ مذاق القهوة

فسيفساء تمثل ولادة الإسكندر الكبير («الشرق الأوسط»)
منبر لمعبد أشمون
معبد أشمون
بيروت: كارولين عاكوم
أجمل ما يميز المتحف الوطني في بيروت، هذا التزاوج بين العراقة والحداثة، لا سيما في المبنى التراثي الذي جلبت أحجاره البيضاء من مقالع الاردن الصخرية أو في الترتيب الداخلي، وفق أحدث النظريات العالمية للمتاحف. وهذا التزاوج يحضن عصورا وحضارات متلاحقة كفيلة برسم صورة لبنان بتاريخه وجغرافيته وطبيعته وحياة أبنائه، إضافة الى حضارات الشعوب التي وفدت اليه على امتداد الزمن. فلا يمكن لأي سائح يسعى الى التعرّف على لبنان عن كثب، الا أن يزور المكان الذي يشكّل خريطة كاملة لقراءة تاريخ هذا البلد من خلال كنوزه الأثرية التي يزيد عددها، يوما بعد يوم، بفعل أعمال التنقيب المستمرة ويعود تاريخها الى ما بين العصر البرونزي والعصر المملوكي. وما ان يطأ الزائر القاعة الرئيسية حتى يلمس مدى الحرفية التي صمّم بها هذا الصرح الأثري بتقنية وتناغم بين كل التفاصيل لتنتج مشهدا كاملا من الديكور والاضاءة وتوزيع التحف والآثار وطريقة توثيقها والتعريف بها باللغتين العربية والانجليزية.

لا بد لأي زائر من التوقف امام جدارية من الفسيفساء تمثل اسطورة اختطاف الاميرة اوروب على متن ثور، أبحر بها إلى الجهة المقابلة من حوض المتوسط لتعطي اسمها للقارة الاوروبية. هذه الجدارية التي يعود تاريخها الى القرن الثالث الميلادي، تم اكتشافها في جبيل ونقلت الى المتحف الوطني. إلى جانبها يستكين تمثال رخامي لمعبد أشمون، الذي اكتشف في بستان الشيخ قرب صيدا (بوابة الجنوب اللبناني) في العصر الهلنستي. هذه الجدارية تحتل جانبا في الطبقة الاولى من مبنى المتحف المؤلف من ثلاث طبقات منفصلة، خصّصت كل منها لأنواع محددة من التحف والآثار. حولها تتوزع المجسمات والآثار الكبيرة الحجم ذات النقوش المميزة. ها هو مجسم من الحجر الكلسي لمعبد نيحا في البقاع تشهد الكتابات والأرقام التي تظهر عليه، على المناقشة التي دارت بين وجهاء المعبد وكهنته من جهة، والمهندس من جهة أخرى. وعلى مسافة قريبة يقف تمثال رخامي استخرج من مدينة بيروت في العصر الروماني. وفي زاوية اخرى، ترتكز فسيفساء الحسد التي تعود الى العصر البيزنطي بحكمتها التي تقول: «الحسد شر كبير انما حسنته أنه يضني عيون الحساد وقلوبهم». أما ناووس الحروب بين اليونانيين الذي عثر عليه في منطقة صور (جنوب لبنان) في القرن الثاني الميلادي، فيرقد بين تماثيل رومانية بعضها مقطوع الرؤوس. ومن صور ايضا ناووس أخيل الرخامي الذي يعود الى القرن الثاني الميلادي، ويحكي برسومه المحفورة حكاية هذا القائد الاسبرطي، وهو يلبس درعه بعدما سمع طبول الحرب. ويحيط به فينيكس وأوليس. وآغاممنون يركع أمام أخيل يقبل يده بعدما دفع فدية استرجاع جثة ابنه هكتور. وفي الجهة المقابلة ينتصب مجسّم لمسرح بعلبك في العصر الروماني ومنبر من الرخام يظهر معبد أشمون من بستان الشيخ، قرب صيدا، في القرن الرابع قبل الميلاد، ويظهر على هذا المنبر مشهدان، الأعلى لأبولون بقيثارته وسط مجمع الآلهة، قبالته أثينا وهي تحمل خوذتها بيدها اليمنى، بينما يجلس زفس على عرشه والى جانبه هيرا، وخلف ابولون تلتفت نحو أرتيميس، والمشهد السفلي يظهر احتفالا لراقصين وموسيقيين. وفي مكان آخر تتوزع تماثيل معبد أشمون في بداية القرن السادس قبل الميلاد، مع معلومات تفيد بأن ملوك صيدا شيدوا معبدا مكرسا لابتهال الشفاء لأشمون (أسكليبوس اليوناني)، وقد عثر في هذا المعبد على تماثيل معظمها لصبية من الأثرياء الصيداويين. وكانت هذه التماثيل تقدم من الأهالي الى الإله أشمون؛ عربون شكر لشفائهم، وبالرغم من أنها تعود الى العصر الفارسي ظهر فيها تأثير الفن الاغريقي. كذلك تمثل لوحة فسيفساء أخرى تحكي ولادة الإسكندر الكبير عثر عليه في بعلبك في القرن الرابع ميلادي. وفي وسط القاعة تتوزع خزائن زجاجية تضم القوارير والقلادات واللؤلؤ والمسواك والكحل والعطر، وجدت في بيروت ويتراوح تاريخها بين القرنين الأول والسادس الميلاديين. ولرمز لبنان مكانة مهمة في هذا المتحف، اذ نصب جذع لشجرة أرز الشقيف في صنين، كتب عليه: إن أرز لبنان اشتهر منذ القدم بنوعيته ورائحته العطرة واستخدمه المصريون والآشوريون والبابليون في بناء سفنهم وقصورهم، ولبى حيرام ملك صور طلب سليمان وزوّده بخشب الأرز لبناء الهيكل في أورشليم. كذلك تتوزّع عروش الآلهة عشترت، مع تعريف بأن هذا النوع من العروش انتشر على الساحل الفينيقي خلال العصور الفارسية والهلنستية والرومانية.

على عكس الطبقة الأولى التي تضمّ آثارا كبيرة الحجم، زيّنت الطبقة الثانية بموجودات صغيرة ومعظمها من الفخاريات والزجاجيات والحلى النادرة من بين اقدم الآثار التي تعود الى العصر البرونزي والحديدي. وهناك بعض التماثيل الصغيرة التي تم اكتشافها في منطقة كامد اللوز في البقاع من العصر البرونزي وأخرى لحيوانات صغيرة عاجية كانت تقدّم قرابين في المعابد والهياكل، كذلك فالتماثيل الطينية تعود الى الحقبة الهلنستية (بين 333 ق. م، و64 م). وهناك مجموعة من الحلي اكتشفت في صيدا، وهي عبارة عن عقود من العقيق الأحمر من العصر البرونزي وكنوز ذهبية بيزنطية، عبارة عن خواتم وأساور ذات نقوش لرؤوس حيوانات ومجموعة حلي نادرة تعود الى العصر المملوكي ومجموعة أخرى من القلادات والأقراط التي استخرجت من تراب وسط بيروت في العام 1977.

ولعل مدينة جبيل أو بيبلوس القديمة من أبرز المدن الفينيقية التي أغنت المتحف بآثارها المستخرجة من قبور الملوك الغنية بالدروع والخناجر والأكاليل المرصعة بالذهب. ولمن يهوى اكتشاف التاريخ فإن إدارة المتحف قدّمت له هذه الفرصة من خلال المعلومات الموزعة على جدران المتحف، كتلك التي تعرّف باكتشاف الزجاج وتجارته وانتشاره تحت عنوان «الزجاج في القدم» مع قول لـ «بترون لتريملكيون» «أنا أفضّل الزجاج، اذ ليس له رائحة، ولو لم يكن قابلا للكسر لكنت فضّلته على الذهب»، مع تعريف مفصّل عن صناعته.

وفي الطبقة السفلى حديثة العهد افتتحت مؤخرا القاعة الخاصة بالآثار التي تعود الى العصر الاسلامي، وتوزّعت فيها ثمانية أنواع من التحف التي اكتشفت حديثا وأهمها الغلايين على اختلاف أشكالها، ويرافق هذه الآثار تعريف عن الغليون الذي هو عبارة عن اناء صغير ومقبض قصير يمثل نموذج الغليون الشعبي في المناطق العثمانية، ومن الممكن أن يكون قد وصل الى لبنان حوالي عام 1625 م، ولم تبدأ صناعته في المحترفات المحلية في بيروت وصيدا وصور الا خلال القرن الـ 18. كذلك لفناجين القهوة حصة لا يستهان منها من الموجودات الاسلامية، وقد وضعت في خزانة زجاجية مع معلومات تقول إن هذا النوع من الفناجين أنتج في تركيا. أما القهوة فقد انتشرت عبر المقاطعات العثمانية منذ بداية القرن 16 وبشكل خاص في مكة والقاهرة. وعرفت أوروبا شرب القهوة حوالي نهاية القرن 16 وانتشرت عادة استهلاكها خلال القرنين 17 و 18. وكان اليمن لغاية تلك الفترة المنتج والمزوّد الرئيسي لحبوب البن انطلاقا من ميناء الموخة الموجودة على البحر الأحمر ومنها اشتقت كلمة «موكا».

لا تقتصر مهمة المتحف الوطني اللبناني على كونه صرحا ثقافيا يختصر تاريخ لبنان القديم، ولكنه يشكل محطة دورية تستضيف هواة الفن والثقافة عبر تنظيم معارض فنية وحفلات موسيقية لفنانين من لبنان والعالم العربي والغربي. كذلك فمن يهوى الاحتفاظ بتذكارات لبنانية فسيجد ضالته في احدى قاعات المعرض التي تقدّم بدورها تحفا فنية وأشغالا يدوية تقليدية صنعتها أيادي حرفيين لبنانيين.

يبقى ان المتحف شهد نكسات تستحق ان تسجل في خانة التاريخ الذي يحفظه بين جدرانه، فقد عايش محطات صعبة خلال الحروب المتتالية التي اتخذته متراسا وخط تماس، وذلك من عام 1975 حتى 1990. وكان قد بدأ العمل على انشائه في عشرينات القرن الماضي بهندسة فرعونية حديثة، لكنه لم يفتتح رسميا قبل عام 1943. حينها كانت معروضاته تقتصر على اكتشافات من بيروت وصيدا وصور. وذلك بعدما نفّذت أعمال تشييده وفقا للخرائط التي وضعها المهندسان المعماريان أ. نحاس و ب. لوبرنس - رانغيه، وفي الأزمنة الصعبة لم يكن أمام المسؤولين الا الحفاظ على مجموعات المتحف عبر تغطية قسم من النواويس بطبقة كثيفة من الاسمنت المسلّح، ونقل القسم الآخر منها الى احدى طبقات مصرف لبنان المحصنة بجدران سميكة، وحماية قطع الفسيساء بعازل سميك من أوراق بلاستيكية مغلفة بالاسمنت. لكن هذه الاحتياطات لم تجد نفعا امام القذائف التي قضت على مجموعة كبيرة من المحتويات، لا سيما مكتبة المتحف المكونة من 17 الف مجلّد. وعندما وضعت الحرب اوزارها في عام 1990 كانت المديرية العامة للآثار امام مهمة صعبة ترتكز بالدرجة الأولى على اعادة المتحف على ما كان عليه في السابق. وها هي طوابق المتحف الثلاثة شاهدة اليوم على نجاح هذه المهمة التي نفّذت بطريقة علمية حديثة وافتتحت أبوابه رسميا عام 1997 بطريقة هندسية لافتة وتقسيمات داخلية مدروسة مع ما تتطلبه من عازل للصوت ومصعد كهربائي ونظام تكييف جديد كفيل بحفظ الآثار من الحرارة والرطوبة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال