الاربعـاء 24 جمـادى الثانى 1433 هـ 16 مايو 2012 العدد 12223
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«مينا هاوس».. استراحة خديوية بنكهة فرعونية

نم في أحضان الأهرامات

تراس رائع يطل على الأهرامات من جناح «مونتغمرى»
إطلالة ساحرة من غرف الفندق على الأهرامات وحدائق الياسمين
فندق «مينا هاوس» عام 1870
الأرابيسك والمشربيات تميز أجنحة الفندق وغرفه
جانب من جناح رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل
القاهرة: رانيا سعد الدين
بوداعة العندليب الأسمر فتى الغناء العربي عبد الحليم حافظ، وخفة دم الممثل الشهير عبد السلام النابلسي، وسحر الممثلة الجذابة مريم فخر الدين، وبروح فيلم «قصة حب»، الذي تجسدت أروع مشاهده هنا على عتباته وفي أروقته، يستقبلك فندق «مينا هاوس»، أحد أعرق فنادق العاصمة المصرية القاهرة.

يزيد من حفاوة هذا الاستقبال نسمات فرعونية تتهادى عبر النوافذ والشرفات والحدائق، حيث يتمتع الفندق العريق بإطلالة رائعة على إحدى عجائب الدنيا السبع، الأهرامات الفرعونية الثلاثة، بل يقع في حضنها تماما.

فعلى بعد 600 متر وليس أكثر من الأهرامات يقع فندق «مينا هاوس»، الذي بناه الخديو إسماعيل عام 1869 ميلادية منذ أكثر من 100 عام، حتى يكون بمثابة استراحة خاصة يقضي فيها أوقاته بعد عودته من رحلات الصيد الطويلة، وأيضا ليقابل ضيوفه، فاختار الخديو هذه البقعة المميزة بمساحة 40 فدانا، التي تطل بكل فخامة على هضبة الأهرامات، وأحاطه بحدائق الياسمين الرائعة لتبدو كواحة خضراء في قلب الصحراء.

وعمل الخديو على توسيع استراحته الملكية هذه وتهيئة شارع الهرم المؤدي إليها، ليتمكن من استيعاب كل ضيوفه من الملوك وأباطرة العالم، وفي نفس العام تم افتتاح هذا الصرح ليصاحب احتفاليات افتتاح قناة السويس، وقام بإعداد زيارة خاصة لتشريف الإمبراطورة «أوجيني».

يقول مدير التسويق بـ«مينا هاوس»، طارق لطفي: «يعتبر الفندق أحد أهم وأقدم الفنادق السياحية في مصر، والذي عاصر الكثير من الأحداث التاريخية والسياسية والسينمائية، عبر ما يقارب القرنين من الزمان، وهذا نظرا لإطلالته الباهرة على أهرامات الجيزة».

ويعتبر عام 1883م علامة فارقة في تاريخ الفندق، حيث زادت الديون على الخديو إسماعيل فاضطر ابنه الخديو توفيق إلى بيع الاستراحة للبريطاني فريد ريم، أحد أثرياء الإنجليز، ليتخذ منها منزلا شتويا ومصحة للعلاج من الأمراض التي كان يعاني منها كالروماتويد والروماتيزم، وقام الأخير ببناء طابق ثان وأطلق على الاستراحة اسم «مينا هاوس»؛ نسبة إلى الملك مينا موحد القطرين، ليكون بهذا قد نفذ نصيحة صديقه عالم الأثريات الفرعونية البروفسور سايا.

وبدأ ريم إضافة لمسات إنجليزية من المواقد الكبرى في الأركان، والتي كانت غير عادية في مصر في هذا الوقت، ولكنها أعطت إيحاء رائعا للمكان عندما اختلطت بالمشربيات والبلاط الأزرق اليدوي والفسيفساء والأبواب الخشبية المنقوشة يدويا والمطعمة بالنحاس والصدف. ولكن بعد عامين تم بيع «مينا هاوس» لعائلة لوكيه كينغ الإنجليزية، التي عرفت بعشقها للآثار وأيضا الحياة الاجتماعية، فقد كان لديها الكثير من الأصدقاء، ومن هنا تولدت لديها فكرة تحويل هذا المسكن الخاص إلى فندق عريق يجمع كنوز الشرق وسحر الغرب، ليفتح بعدها أبوابه للعالم في عام 1878 ليكون فندقا نادرا ذا 5 نجوم، فقد ترك الخديو الكثير من الكنوز المتناثرة في كل مكان لتنثر ثراء وأناقة على المكان ليس لها نظير.

يتابع لطفي: «سعت عائلة لوكيه بكل طاقتها إلى تطوير الاستراحة الملكية بإضافة لمسات من الطراز الأوروبي الحديث وفن العمارة البريطانية، إلى جانب ترميم أجزاء منها، فضلا عن إبراز عدد من التحف والمتعلقات الخاصة بالخديو إسماعيل على مختلف أرجاء القصر؛ حفاظا على الروح الشرقية التي بنيت عليها».

ويؤكد أن الفندق بدأ بعدد 80 غرفة وجناحا مميزا، ليصل اليوم إلى 486 غرفة وجناحا، تختلف بشكلها وهيئتها وطرازها المعماري ما بين القديم والحديث.

وبعد ملكيته لعائلة لوكيه فترة في الماضي انتقلت ملكيته إلى «شركة الفنادق المصرية» التي كانت تملك سلسلة فنادق تاريخية كبيرة مثل «شبرد» و«الجزيرة بالاس» (ماريوت حاليا)، ومع قيام ثورة 23 يوليو عام 1952 تم تأميم الفندق وإعادة ملكيته إلى الحكومة المصرية، التي أسندت بدورها إدارة الفندق إلى شركة فنادق «أوبروي» الهندية.

ويشير لطفي إلى أن فندق «مينا هاوس» يتكون من أربعة طوابق تمتاز بسلالم من الرخام الفخم ليتماشى مع طراز العمارة الإسلامية التي شيدت بها الاستراحة، وهذا لا يمنع وجود مصعد أنيق يتنقل بالزائر بخفة بين الطوابق، هذا بالإضافة إلى عدد من الثريات المصنوعة يدويا من الزجاج الملون والتي يصل طولها إلى 3 طوابق، وبهذا يحافظ على هيبة الاستراحة الملكية على مدار العصور.

كما تتنوع مستويات غرف الفندق، فهناك 96 غرفة في المبنى الرئيسي للفندق، و390 غرفة في المبنى الملحق به، وجميع الغرف تم فرشها بأناقة من مفروشات وسجاد فارسي يدوي، وتزيينها بجداريات قديمة، بالإضافة إلى الإبقاء على النوافذ الخشبية القديمة، أما الميزة الكبيرة للغرف فهي أنها جميعا تطل على أول وأكبر حمام سباحة تم بناؤه في مصر، بالإضافة إلى ملعب للغولف هو الأول من نوعه، حيث يحتوي على 18 حفرة، بالإضافة إلى ملاعب للتنس، كما يوجد بالفندق أكثر من قاعة لإقامة الحفلات والمؤتمرات.

أما عن المطاعم، فيضم «مينا هاوس» الكثير من المطاعم التي تقدم ميزة الطبخ المكشوف حتى يستمتع الزائر بتجربة فريدة في تناول الطعام، بالإضافة إلى مطعم للمأكولات الإيطالية خصصت له إدارة الفندق جزءا من الحديقة لزارعة احتياجاته من الأعشاب العطرية والخضراوات حتى تكون طازجة باستمرار، والمطعم الهندي الذي يتميز بتقديم الكثير من الأطباق الهندية بما تتميز به من توابل.

يمنح الفندق لزائره فرصة مثالية لإنعاش حواسه بتوفير منتجع صحي مجهز على أعلى مستويات الجودة والرفاهية، حيث يعد مهربا مثاليا من فوضى الحياة وصخبها، حيث تتوفر به مجموعة كبيرة من العلاجات والعطور الهندية والتايلندية النادرة.

ويستطرد مدير التسويق: «خضع الفندق منذ تأسيسه للكثير من عمليات التجديد والتطوير، كان آخرها ما قامت به شركة فنادق (أوبروي) على يد المهندس المصري الشهير عمرو الألفي، الذي قام بتطوير مباني الفندق ومدخله الملكي الفخم المزين بالرخام الأخضر والمصابيح النحاسية، مع الحرص على الاحتفاظ بمعالم البناء والعمارة القديمة وفي مقدمتها الأرابيسك والمشربيات التي يتميز بها الفندق».

يعود لطفي إلى التاريخ مرة أخرى، قائلا: «يجب أن لا نغفل الدور الفاصل الذي لعبه فندق (مينا هاوس) خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث كان مقرا للقوات الأسترالية والنيوزلندية خلال الحرب العالمية الأولى، ثم تحول إلى مستشفى في أواخر تلك الحرب، أما خلال الحرب العالمية الثانية فقد شهد (مينا هاوس) أحداث مؤتمر القاهرة الذي ضم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل والرئيس الأميركي الأسبق روزفلت والزعيم الصيني شيانغ كاي شيك لمناقشة أحداث الحرب، وذلك في عام 1943».

ويتابع: «التاريخ هنا في الفندق يتحدث عن المباحثات والاتفاقات الدولية للسلام التي دارت بين أروقته، حيث التقى هنا الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات والرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحم بيغن، في المباحثات التي عرفت باسم مؤتمر (مينا هاوس)».

والمفارقة أن «مينا هاوس» لم يقتصر على جذب رجال السياسة فحسب، بل كان مقصدا مميزا لمخرجي ومنتجي السينما العالمية والعربية لتصوير أعمالهم الفنية به، وذلك لاحتوائه على «تراس» رائع وباهر يطل على هضبة الأهرامات، وكان من أشهر الأماكن المفضلة لدى صفوة المجتمع الأوروبي والمصري في الماضي والحاضر.

وقد خلدت السينما المصرية الكثير من الأعمال التي تم تصويرها فيه، أشهرها فيلما «حكاية حب» و«يوم من عمري» للمطرب عبد الحليم حافظ، بالإضافة إلى فيلم «صاحب الجلالة» للفنان فريد شوقي، كما صور به عدد من الأفلام العالمية لجيمس بوند.

وقد حرصت إدارة «مينا هاوس» على إطلاق أسماء الشخصيات المهمة التي أقامت به من الملوك ورؤساء الدول ومشاهير العالم على الغرف والأجنحة الخاصة به، كجناح تشرشل، وجناح قائد القوات المنتصرة في معركة العلمين وأحد أشهر القادة في الحرب العالمية الثانية، مونتجمري، وجناح أم كلثوم، التي كانت تحرص على المكوث بعض الأيام في الفندق بعد كل حفلة حتى تتخلص من الإجهاد النفسي والعصبي الذي يلحق بها، ويضم الفندق أيضا جناح الفنانة أسمهان، التي كانت تفضل الإقامة فيه دون غيره من فنادق القاهرة، وهناك أيضا جناح ملك السويد غوستاف، وجناح ملك إيطاليا أومبرتو، وجناح ملك المغرب محمد الخامس، وجناح الزعيم سعد زغلول، إلى جانب أجنحة أخرى على سبيل المثال وليس الحصر: أغاخان، الأميرة ديانا، الملكة إليزابيث، رئيس فرنسا ساركوزي، شارلي شابلن، أغاثا كريستي، بيل غيتس، تشارلتون هيستون، عمر الشريف، يسرا، يوسف شاهين، سلمى حايك.

ويختم مدير التسويق حديثة مؤكدا أن موقع فندق «مينا هاوس» المتميز بالقرب من الأهرامات الثلاثة أكسبه حراكا سياحيا منقطع النظير، حيث يأتي لزيارتها السياح من كل أنحاء العالم ليقفوا أمامها مبهورين بعظمة المصري القديم في التصميم والبناء، وهو ما يجعل نسبة الإشغال تصل بالفندق إلى ما بين 85 في المائة و100 في المائة خلال فصلي الشتاء والربيع، وتتناقص هذه النسب تدريجيا خلال أشهر الصيف والخريف، كما أن الفندق قد حصل على الكثير من الجوائز، من بينها جائزة أفضل الفنادق في أفريقيا والشرق الأوسط والمحيط الهندي، وصنف كأفضل الفنادق تميزا في العالم لتكامل خدماته.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال