الثلاثـاء 13 جمـادى الاولـى 1434 هـ 26 مارس 2013 العدد 12537
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«كوفنت غاردن».. مؤامرة ملكية وراء أشهر أسواق العاصمة البريطانية

زيارة إلى قلب لندن وروحها

مسرح في الهواء الطلق واجمل العروض الفنية
لندن: عادل مراد
يقع حي كوفنت غاردن غرب مدينة لندن قريبا من مركزها، وهو من أشهر الأحياء التجارية العريقة ويجذب إليه طبقات متعددة من المتسوقين والزوار من العاصمة وخارجها. وهو بمثابة سوق دولية مصغرة، فيه كل أنواع البضائع والسلع بالإضافة إلى المطاعم المختلفة، وتقع فيه أيضا دار الأوبرا الملكية. ولكن تاريخ هذه المنطقة الحافل يبدأ بمؤامرة يتذكرها جيدا التاريخ البريطاني. وهي قصة تنتمي إلى أكثر عصور بريطانيا دموية، وهو عصر الملك هنري الثامن، المشهور بقتل زوجاته الكثيرات وأيضا منافسيه على العرش.

وتبدأ أحداث المؤامرة بقصة الدوق إدوارد سيمور، الذي كان قد حصل على هدية ملكية، من الملك إدوارد السادس، هي قطعة أرض في إحدى ضواحي لندن الغربية. وما إن تولى هنري الثامن العرش حتى بلغه أن سيمور يقوم ببناء قصر عريض له على الأرض الملكية أطلق عليه اسم «سمرست هاوس» نسبة إلى اللقب الذي كان سيمور يحمله في ذلك الوقت، وهو لقب «دوق سمرست».

وعلى الفور نفذ الملك هنري الثامن مؤامرته، وكانت تهمة الخيانة العظمى هي أسهل التهم في ذلك العصر، حيث كان من الصعب إثباتها أو نفيها ومن المستحيل الدفاع عنها. وهكذا سيق سيمور إلى ساحة عامة بالقرب من ماربل آرش، وأطيح برأسه ليكون عبرة لغيره، وذلك في عام 1552. وعادت الأرض مرة أخرى إلى الإرث الملكي. ولكن الملك هنري الثامن أعاد إهداءها إلى أحد المشاركين في المؤامرة وهو «ايرل بدفورد»، الذي استولى بدوره على قصر «سمرست هاوس»، وهو قصر قائم حتى اليوم بالقرب من منطقة كوفنت غاردن. وقام بتطوير الحي في القرن السابع عشر المعماري انديغو جونز لصالح عائلة بدفورد. واستوحى جونز تصميماته من أعمال عصر النهضة الإيطالي في ذلك الوقت وأيضا من جذور المنطقة التي تعود تاريخيا إلى العصر الروماني في القرن الأول الميلادي حينما احتل الرومان إنجلترا. وكانت المنطقة في عصرها الأول سوقا للزهور والخضر والفواكه ثم تحولت إلى سوق للجملة، وهي السوق التي انتقل منها إلى موقع آخر قريب.

وفي وسط التصميم المعماري يقع الميدان الروماني الذي يسمى «بياتزا»، الذي ظل لعدة قرون من أشهر أسواق لندن، وبعدها تحول إلى مساحة مكشوفة تقام فيها الألعاب البهلوانية والعروض الموسيقية يوميا حتى الآن. وفي القرون الثلاثة الأخيرة ظلت منطقة كوفنت غاردن جاذبة للتجار، خصوصا في المنتجات الزراعية والمواد المستوردة التي كانت تصل من ميناء على نهر التيمس القريب، مباشرة إلى السوق.

وبعد حريق لندن في عام 1666 الذي دمر الكثير من أسواق لندن تطورت سوق كوفنت غاردن لكي تكون الأكبر حجما والأكثر تنوعا بين أسواق لندن التجارية، وإلى هذه السوق تعود أيضا تقاليد تسلية زوار السوق بعروض كوميدية، حيث يذكر المؤرخ صامويل بيبيز أنه شاهد في كوفنت غاردن أول عرض من نوعه في بريطانيا لعرائس الأراجوز التي تسمى «بانش آند جودي»، وذلك في عام 1662. والآن تعتبر كوفنت غاردن هي المنطقة الوحيدة المرخص لها تقديم العروض الشعبية التي يتم فيها اختبار الفنانين لإثبات جدارتهم أمام لجنة من إدارة مجلس الحي قبل السماح لهم بممارسة عروضهم العامة. وتقام هذه العروض وفق جدول زمني يوافق عليه المشاركون في العروض قبلها بوقت طويل. وفي عام 1830 تم بناء سقف روماني لكي يغطي السوق من عوامل الشمس والمطر ولكي يعزز النشاط التجاري في المنطقة.

وفي بدايات القرن العشرين اشتهرت المنطقة بصناعات متخصصة، منها بناء عربات تجرها الخيول، تحولت في ما بعد إلى هياكل سيارات في أجيالها الأولى حينما كانت تصنع يدويا بالطلب. كما بدأت الكثير من الشركات المشهورة في المنطقة كمحلات صغيرة في البداية قبل أن تتحول إلى علامات تجارية مشهورة، ومنها «سينزبري» الذي افتتح أول محل له في «دروري لين» على ناصية كوفنت غاردن. كما بدأت أيضا شركة «سوذبي» للمزادات في المنطقة وأيضا الكثير من شركات الطباعة والنشر. كما تعددت فيها المسارح في الثلاثينات وبقى بعضها حتى الآن مثل مسارح ستراند ولايسيوم وأولدويتش وكولوسيوم.

* زيارة كوفنت غاردن ضرورية

* التجول في كوفنت غاردن الآن متعة حقيقية وضرورة لزائر لندن، فالحي يضم الكثير من منافذ التسوق والتسلية بأنواعها، وهو يشمل سوقا تجارية وبوتيكات لأحدث خطوط الموضة وعروضا بهلوانية شعبية ومطاعم ومحلات من كل نوع وصنف. وجرت الكثير من الجهود لتطوير منطقة كوفنت غاردن سياحيا في السنوات الأخيرة، خصوصا لوجودها ملاصقة لمبنى الأوبرا الملكية. ولكن نشاط السوق المفتوح فيها تقلص إلى درجة كبيرة منذ عام 1973 حينما جرى نقل النشاط التجاري إلى منطقة قريبة أطلق عليها اسم كوفنت غاردن الجديدة.

وكان سبب القرار تزايد الاختناق المروري والازدحام في المنطقة وانسداد شوارعها تقريبا بفعل اصطفاف عشرات الشاحنات على مداخلها لنقل البضائع إليها يوميا. وشكا أهل الحي من الضوضاء والزحام وكان لهم ما أرادوا بنقل السوق بعيدا عن الميدان.

وبعد انتقال السوق ساد المنطقة الكساد والإهمال حتى عام 1980 حينما تحولت تدريجيا إلى مزار سياحي وانتشرت في أرجائها البوتيكات وعاد إليها المهرجون والموسيقيون. ومن المعالم الملاصقة لميدان كوفنت غاردن متحف المواصلات البريطاني ودار الأوبرا الملكية. وكانت دار الأوبرا قد خضعت لعملية تطوير هائلة لم تكتمل سوى في عام 1995 بدعم حكومي تمثل في منح الدار قطعة أرض فضاء ملاصقة للمبنى ودعم شعبي من أنشطة كثيرة، منها منحة من اليانصيب الشعبي المعروف باسم «ناشيونال لوتري». ويعتبر نصف المبنى الحالي جديدا تماما مع تسهيلات فنية واستوديو جديد تجعل من دار الأوبرا أكبر مؤسسة فنية متكاملة في لندن.

ومما يذكر أيضا أن منطقة كوفنت غاردن كانت مسرحا لأحداث رواية جورج برنارد شو التي تسمى «بيغميليون» والتي اقتسبت إلى العربية في صيغة مسرحية «سيدتي الجميلة»، فالفتاة الفقيرة التي اكتشفها البروفسور وعلمها كيف تصبح سيدة مجتمع، كانت بائعة زهور في سوق كوفنت غاردن.

كما ظهرت المنطقة في الكثير من الأفلام السينمائية، خصوصا تلك التي أخرجها هيتشكوك، كونه ترعرع في كوفنت غاردن. من هذه الأفلام فيلم «فرينزي» الذي ظهر في عام 1972 حول قصة سفاح اتضح في نهاية الفيلم أنه بائع في سوق كوفنت غاردن! وكان هيتشكوك نفسه ابن بائع في السوق ونشأ في المنطقة.

* ناعومي كامبل وعلاقتها بالحي

* تم اكتشاف عارضة الأزياء ناعومي كامبل في كوفنت غاردن أثناء تجولها فيها وعمرها لا يزيد عن 15 عاما. كما تشتهر المنطقة أيضا بأنها تظهر في لعبة «بلاي ستيشن 3» التي تسمى «ريسيستانس» (المقاومة) التي يمكن لعبها على انفراد أو مع لاعبين آخرين على الإنترنت. وسكن في المنطقة على مر السنين الكثير من المشاهير من فرق موسيقية وفنانين ومصممي أزياء.

وتقع كوفنت غاردن ضمن حي ويستمنستر، ويحدها شوارع هاي هولبورن من الشمال وكينغزواي من الشرق وستراند من الجنوب وتشارينغ كروس من الغرب. وهي منطقة تعبر عن روح لندن العصرية، ومنها خرجت نزعات موضة متعددة سرعان ما انتشرت في أرجاء أوروبا. وهي تستضيف بين الحين والآخر معارض عالمية تصبغ المنطقة بألوان وأجواء أجنبية. وكان أحد أهم المعارض التي جرت في المنطقة المعرض المغربي الذي جرى في عام 2003 وتحول معه ميدان كوفنت غاردن إلى سوق مغربية عرضت الكثير من الحرف اليدوية والمنتجات المغربية والأطعمة والمنسوجات والمشغولات. وما زال ميدان كوفنت غاردن يقدم فرص إقامة معارض للتعريف بالدول ومنتجاتها من قلب لندن. ومن يتجول في أزقة وحارات المنطقة سوف يكتشف الكثير ويستمتع بيوم لندني فريد.

* زيارة كوفنت غاردن تحتاج إلى يوم كامل

* ضمن زيارة سياحية للعاصمة البريطانية تستحق منطقة كوفنت غاردن جولة تسوق وسياحة لمدة يوم كامل على الأقل. وأفضل وسائل الوصول إليها هو عن طريق خطوط مترو الأنفاق، حيث تحمل إحدى محطاته اسم الحي، وتقع على خط بيكاديللي وتنقل الزائر مباشرة إلى طرف ميدان كوفنت غاردن. ويمكن أيضا الوصول إليها باستقلال سيارة أجرة من أي موقع داخل لندن.

والكثير من شوارع المنطقة يقتصر على المشاة بعد منع مرور السيارات إلا في ساعات معينة لتوصيل أغراض الشركات والمطاعم العاملة في المنطقة.

ويقرأ الزائر في أكثر من دليل سياحي لندني أن المنطقة تشتهر بالأحذية النسائية التي يتألق الكثير من البوتيكات الخاصة في تقديم نماذج جديدة ومنفردة منها. وتشتهر المنطقة أيضا بالهدايا السياحية والمكتبات والمطاعم والمقاهي. ويذكر دليل سياحي واحد على الأقل أن نوعية الأطعمة المقدمة في مطاعم الميدان الرئيسي دون المستوى من حيث النوعية كما أنها باهظة الأسعار لأنها منطقة سياحية، وينصح الدليل زائر المنطقة بتنظيم رحلته لكي يكون تناول الطعام في مواقع أخرى. وقد لا تكون هذه النصيحة عادلة تماما حيث تنتشر مطاعم ممتازة جربها الكثير من المقيمين العرب في لندن، وهي مزدحمة بالزبائن يوميا. وإن كانت بهذا السوء الذي توصف به لكانت قد أغلقت أبوابها منذ زمن طويل. ومما يذكر أن المتجول في المنطقة سوف يكتشف فيها مطعما لبنانيا واحدا على الأقل، وهو يتمتع بشعبية كبيرة من زوار عرب وأجانب على السواء على رغم حجمه الصغير.

ما يهم في منطقة كوفنت غاردن أنها توفر متعة حقيقية لزائرها، كما أن موقعها المتوسط يوفر إمكانية زيارتها بالإضافة إلى نشاط آخر مثل زيارة أحد المسارح المنتشرة بالقرب منها أو التوجه إلى المتحف البريطاني الذي لا يبعد عنها سوى خطوات معدودة. وهي أيضا قريبة من ميدان ترافلغار الشهير بتمثال نلسون، ومنطقة ستراند الشهيرة بمحلات التسوق.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال