الثلاثـاء 16 شـوال 1425 هـ 30 نوفمبر 2004 العدد 9499
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

فيصل الشهيل لـ«الشرق الأوسط»: مازلتُ عروبياً ولهذه الأسباب تركت الناصرية

أرفض اتهام الإعلام العربي .. وجريدة «الرياضي» أرهقتني ماديا

الدمام: ميرزا الخويلدي
يسميها «استراحة المحارب»، وهي الفترة التي أعقبت بيع الجريدة التي كان يصدرها فيصل الشهيل أحد أبرز رجال الاعلام في المملكة العربية السعودية، وأحد الاداريين المعروفين، وأحد الشخصيات الرياضية التي تركت بصماتها في الرياضة السعودية ولا تزال.

«استراحة المحارب»، هي الفترة التي يعيش فيها فيصل الشهيل بدون أن يدير دفة جريدة يومية أو مشروع اعلامي بعد شهور من بيع جريدة «الرياضي» التي كان يصدرها من الدمام، بالرغم من انه السعودي الوحيد الذي يساهم في ثلاث صحف يومية سعودية.

ويعتبر فيصل الشهيل من الاداريين السعوديين البارزين فقد عمل وكيلا لوزارة المواصلات ورئيساً عاماً للسكة الحديد خلفاً لغازي القصيبي، كما أنه إحدى ابرز الشخصيات الاعلامية التي مرت على جريدة «الجزيرة»، وترك أثراً واضحاً في مسيرة جيل من ابناء الجزيرة.

درس وهو في مقتبل العمر في بغداد، وانتقل الى بيروت، فالولايات المتحدة، وعاصر مختلف التيارات الفكرية التي ازدحمت في العالم العربي خلال الخمسينات والستينات، ولا يزال يعبر عن آرائه التي لا تخلو من إشكال، وبين آخر آرائه التي احدثت جدلاً اصطدامه مع عبد الرحمن الراشد بشأن موقف الاعلام العربي من حرب العراق.

«الشرق الأوسط» التقت بالشيخ فيصل الشهيل وكان هذا الحوار.

* في قراءتنا لمشوار فيصل الشهيل نلاحظ اقترانه مبكراً بالغربة.. كيف اثرت محطاتها على مسيرتك؟

ـ هذا صحيح، خضت تجربة الغربة، حيث قضيت عدة مراحل دراسية في العديد من البلدان.. منها على سبيل المثال بغداد، التي درستُ فيها أواخر المرحلة الإبتدائية والمرحلة المتوسطة.

* متى كان ذلك؟

ـ تقريباً بداية الخمسينات، أيام العهد الملكي، وكان العراق مزدهراً.

* كيف رأيت العراق بعين التلميذ؟..

ـ الشعب العراقي في اغلبه شعب مسلم، وكان أول ما لفت نظري وأثار استغرابي وجود أناس يأكلون في نهار رمضان مثلاً، وكان هذا أول استغراب يثيرني، فقد كان تصوري أن الشعب كله والأمة كلها مسلمة..

* كم كان عمرك آنذاك؟

ـ كان عمري نحو عشر سنوات أو إحدى عشرة سنة.

* وأين كنت تسكن؟

ـ كنت أسكن القسم الداخلي وهو خليط من مسلمين ومسيحيين وحتى يهود، وكان عدد السعوديين في القسم الداخلي ثلاثة تقريباً وكان بعض العراقيين يمتلكون أقارب في مناطق قريبة.

* نعرف أنك درست في بيروت أيضاً..

ـ صحيح، درست في الجامعة الأميركية، وكما هو معروف فإن هذه الجامعة تحوي الاقسام الدراسية جميعها، (إبتدائي، ثانوي، وجامعة) أنا أخذت الثانوي والجامعة من بيروت. كان معنا خليط من اللبنانيين المسلمين والمسيحيين وعدد من السعوديين يصل عددهم تقريباً الى عشرين طالباً.

* تتذكر أحداً منهم؟

ـ نعم منهم بعض الزملاء في ارامكو مثل: فيصل البسام الذي وصل الى رتبة نائب رئيس، وعصام حمزة مدير عام مستودعات، والدكتور عدنان حبال وهناك غيث فرعون رجل الاعمال المعروف، ومحمد وخالد السديري ومجموعة أخرى.

وفي احدى زيارات الملك سعود لاحظ انه ليس هناك درساً في الجامعة الأميركية للغة العربية والدين، فطلب عن طريق الملحق الثقافي هناك بتهيئة دراسة اسلامية وبعد مفاوضات مع ادارة الجامعة تم تخصيص ساعتين او ثلاث في الاسبوع يأتي مدرس في علوم الدين لتعليمنا اللغة العربية.

* وماذا عن أميركا؟

ـ في الولايات المتحدة كان عدد المسلمين في الستينات قليلا لا يتجاوز نصف مليون، بخلاف الآن حيث يناهزوا عشرة ملايين، فلم يكن هناك أجواء اسلامية او عربية.. وكنا نحن الطلاب نعيش في مناطق متباعدة ولا نشعر بمثل الجو الذي نشعر به في الدول العربية.

* قرأت لك مقالاً سابقاً ترد فيه على عبد الرحمن الراشد، وتدافع عن الاعلام العربي وتعترض على مقارنته باعلام النكسة..

ـ بداية الهجمة الأميركية على العراق شنت حرب دعائية أميركية وقد يكون انساق فيها بعض المفكرين والكتاب العرب، بسبب كرههم لصدام والديكتاتورية، او أنهم إنساقوا في هذه الحرب من حيث لا يعلمون، وهناك فريق ثالث ربما يكونوا مأجورين...

* وأين تضع عبد الرحمن الراشد الذي رددت عليه من بين الاصناف الثلاثة؟! ـ عبد الرحمن رجل قريب الى قلبي، وهو زميل وكنت أنا في «الجزيرة» وكان هو فيها، وهو صديق فيما بعد حتى بعد أن ترك وبعد ان كان في «الشرق الاوسط».

* فلماذا اخترته اذن لترد عليه؟

ـ اخترت عبد الرحمن لأعجابي به ولأن عنده أفكارا وأنا لا اعتبره كاتب فقط بل مفكرا ايضاً، وأخترته لأنني استطيع ان ارد عليه، اما الآخرين فمعرفتي بهم بسيطة ولا اعرف ميولهم..

* وماذا بشأن هجومه على الاعلام العربي؟

ـ كانت الاتهامات بوجه عام ان الاعلام العربي مقصّر، وهذا غير صحيح، وكلنا وجدنا ان بعض الفضائيات تدخل معارك، ويقتل بعض منسوبيها، وبعضها أعطت الشعوب العربية صورة اوضح حتى من الاعلام الغربي، الذي يوصف بأنه نزيه ونحن الذين درسنا في الغرب نعرف انه متحيز وانه يخفي بعض الحقائق. المواطن العربي يتطلع للحقيقة، وتيسير الامور للهجمة الأميركية وهجمة التحالف لا مبرر لها، لا ادافع عن صدام، فمقالي نفسه يهاجم صدام، ولكن القول ان الاعلام العربي مقصر أو ان الاعلام العربي يؤيد صدام (غير منطقي) فعندما تعارض أميركا لا يعني (بالضرورة) أنك مع صدام. فنحن عارضنا وشخصياً عارضت الهجمة الأميركية والحصار الأميركي ليس حباً في صدام ولكن معاناة الشعب العراقي أصبحت مضاعفة. معاناة من صدام وديكتاتوريته واستبداده، ومعاناة اخرى من الحصار الأميركي والهجوم والقتل ومحاولات التجزئة واثارة الفتنة. فسكوتنا او تأييدنا للاعلام الغربي يعني اننا ننساق من دون أن ندري.

* هل يعود ذلك إلى أنك تنتمي فكرياً إلى فكر عروبي؟

ـ في الحقيقة العربي هو العربي بتاريخه ودمه وتراثه، وانا بلاشك عربي، واتجاهي عربي، وقد يكون للحركات العروبية في العالم العربي تأثيرها، ومن ينكر ذلك مخطئ فنحن الذين درسنا في الخارج وخاصة مصر وبيروت تأثرنا بدرجة ما، طبعاً هناك من انقاد خلف الاحزاب وهناك من كانت العروبة بالنسبة اليه عاطفة..

* بالنسبة اليك أي الأحزاب كانت تستميلك؟

ـ بالنسبة لي لم اكن اميل لأي حزب، وإن كانت كل الأحزاب حاولت معي كأي طالب آخر، وكان هناك تسابق على الطلبة..

* قالوا ان ميولك ناصرية..

ـ في فترة ما نعم.. كنت أؤيد عبد الناصر الى ما قبل حرب 1967 بعد الحرب انكشفت المسائل..

* ما الذي تغير بعد67؟

ـ وجدت ان هناك اشياء كثيرة فيها الغموض وتغطية الاخطاء، ودعايات اعلامية اكثر من اللازم، كقصة الصواريخ التي تدمر اسرائيل أو دعوى امتلاك اقوى جيش وبعدها ينسحب هذا الجيش في يوم او يومين.. ولا استطيع ان افسر سياسة عبد الناصر ولكني كشاب كنت معجباً بشخصيته وصُدمت. وكان الاعجاب كبيرا ليس مني فقط وإنما من كل جيلي من الشباب.

* وماذا عن الاحزاب اليسارية..؟

ـ كانت النواحي الاسلامية راسخة في ذهننا، وهي التي حمتنا من الانضمام للشيوعية او البعثية او لشيء من هذا القبيل، فنحن عشنا في بيئة اسلامية.

* ولكنك تعلم ان الوريث السياسي للناصرية بعد نكسة 67 كانت الاصولية الاسلامية.. هل تأثرت معها؟

ـ صعدت ولكني لستُ معها. نحنُ مسلمون فماذا تجدد الصحوة الاسلامية. أما اذا كانت الصحوة الاسلامية تسعى لتقديم نموذج شبيه بطالبان فهي ليست صحوة.

* بصفتك احد أقطاب الاعلام السعودي، وواحد ممن تخرج من تحت ادارته عدد من رؤساء التحرير.. كيف يبقى فيصل الشهيل بدون جريدة بعد بيع «الرياضي»؟

ـ انا اشكرك على كلمة (قطب) فأنا لستُ كذلك، ولكن هوايتي الصحافة منذ كنت تلميذاً، وحين عودتي من الولايات المتحدة ساهمتُ في مؤسسة الجزيرة وكنتُ اول نائب مدير عام لجريدة «الجزيرة» الاسبوعية ثم مدير عام ومسؤول تحرير وليس رئيس تحرير لأني موظف في الدولة ولا يسمح لي أن أكون رئيساً للتحرير. ساهمت مع الاخ عرابي السنيارة في بناء اول مبنى لجريدة «الرياض» وأول مطابع لجريدة «الجزيرة».

* وماذا عن الاعلاميين؟

ـ زاملت عدداً من الاعلاميين بينهم من كان تحت ادارتي كخالد المالك، عثمان العمير، راشد الفهد الراشد، عبد الرحمن الراشد، وهناك زملاء كمحمد بن عباس، وبالطبع لا انسى شيخنا الكبير واستاذنا عبد الله بن خميس الذي كنا نسير بتوجيهاته. وكانت هوايتي الصحافة، وحين انتقلت الى المنطقة الشرقية تكرم المرحوم حمد المبارك وطلب مني الانضمام لجريدة «اليوم» وكلفتني وزارة الاعلام الاشراف على جريدة «اليوم» لمدة سنتين وهي الفترة التي اتيت بعثمان العمير لادارة التحرير. وبعد ذلك اشتركتُ في «الوطن». وقد اكون السعودي الوحيد الذي يساهم في ثلاث مطبوعات سعودية.

* وماذا عن «الرياضي»؟

ـ كان هناك نقص في الرياضة في المنطقة الشرقية، أسست جريدة «الرياضي» مع بعض الاخوة واستمرت تسع سنوات ولكنها ارهقتني مادياً، وأستطيع ان اطورها ولكنها تحتاج الى مادة كبيرة جداً ولذلك تنازلت عنها او بعتها.

* باعتبارك تمثل محطة بارزة في تاريخ الصحافة السعودية وفي جريدة «الجزيرة» بشكل خاص، كيف كانت علاقتك بزملاء المهنة انذاك؟

ـ الحقيقة الصحافة تختلف عن الوظيفة، فهي ليست وظيفة فهي هواية ومحبة، والصحافة التي تُقيد بدوام ليست صحافة، فالصحافي ينبغي أن يكون حراً لكن عليه ان يعي عمله قبل ان يكون حراً وينطلق.

مررت بتجربتين مختلفتين، في إحداهن كان رئيس التحرير يقيد الصحافي بدوام وفشلت الجريدة في فترته، والتجربة الثانية كان رئيس التحرير يطلق الشباب كما يريدون وانتجت وزاد التوزيع وتواجد كوادرها في الميدان. فإدارة الصحافة تختلف عن ادارة شركة او مؤسسة حكومية فهي هواية يجب ان يكون الرئيس والمرؤوس يمتلكان نفس الموهبة والهواية والعشق للصحافة، وعلى رئيس التحرير ان يعاملهم كزملاء.

الجزيرة خرجت اناس كثيرين والفضل لله ومن ثم لهم أنفسهم وعملوا تحت ادارات مختلفة بينها ادارتي وادارة خالد المالك واخرين، واصبح منهم خمسة رؤساء تحرير.

* على الصعيد الثقافي.. لديك علاقات وطيدة برجال الثقافة في العالم العربي.. كيف تعرفت على ادونيس؟

ـ بالصدفة صرنا ادونيس وانا اصدقاء، وان كنا لا نلتقي في امور كثيرة، والاختلاف لا يفسد هذه الصداقة. التقينا في باريس.

على الصعيد الثقافي احتفظ بصداقات كثيرة مع صحافيين وادباء لبنانيين وكذلك في المملكة والعالم العربي، ومن ابرز أدبائنا السعوديين الذين تعرفت عليهم المرحوم حمد الجاسر، وعبد الله بن خميس، وعبد الله بن ادريس، وفي الشرقية تعرفت على ادباء كبعد الله شباط والاديب الكبير محمد العلي الذي ابدي اعجابي الكبير به واعتبر انه لا يقل عن ادونيس وفكر محمد العلي رائع وعميق.

* ألا تفتقد وجود مشروع ثقافي باسم فيصل الشهيل؟

ـ لعل الاسباب تعود إلى انني لم اركز على ناحية واحدة، وقد تكون الوظيفة والصحافة والرياضة اثرت على الجانب الثقافي في حياتي. على صعيد آخر اشير الى ان المنطقة الشرقية غنية بأبنائها وبمثقفيها وتجارها ومسؤوليها وعلى رأسهم أمير المنطقة، وهنا جامعة أسسها الامير محمد بن فهد، وانا احد المساهمين فيها ضمن خمسين شخصاً، لكن ايضاً المنطقة الشرقية تحتاج الى مشروع ثقافي تفعيل للنادي الأدبي، فالنادي الأدبي في المنطقة الشرقية اعتبره شبه ميت وهو مجرد محاولات روتينية تفتقد روح النقاش الأخاذ والتفاعل مع الادباء واشعر ان هناك مقاطعة من الادباء لهذا النادي، ولا افهم سبب تجاهل اديب كبير بقامة محمد العلي في هذا النادي، وهذا معيب بحق النادي.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال