الجمعـة 03 جمـادى الثانى 1427 هـ 30 يونيو 2006 العدد 10076
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

حي العدامة.. أزقة مهجورة تجوبها الأطياف والذكريات

الدمام: إيمان الخطاف
قليلة هي الأماكن التي تخلدها السنوات فتحولها لمدخل يُـعبر من خلاله إلى مرحلة مهمة من تاريخ المدينة وربما المنطقة التي تضمها. كذلك هو حي العدامة الذي يعتبر أشهر وأقدم أحياء مدينة الدمام «شرق السعودية» والذي يُقال إنه سمي بالعدامة كون أرضه مرتفعة قليلاً، حيث ذاع صيته منتصف ستينات القرن المنصرم بصخب طرقاته ودكاكينه المتراصة وتنوع مشارب ساكنيه البرجوازيين على الغالب.

تنهيدة كبيرة تطلقها صدور أهالي مدينة الدمام وهم يتذكرون أعذب صباحات العدامة وأحلى أماسيها، تماماً كتلك التي اجتاحت فؤاد أبو أحمد المولود في العدامة وهو يقول «العدامة أرّخت طفولة وشباب أهل الدمام» ويكمل «كنا نستيقظ على صلاة الفجر التي تجمعنا في مسجد عيسى ثم نستفتح نهارنا بطبق لذيذ من الباجلا مع الخبز الهولي الساخن، فننطلق بمحاذاة البيوت المشادة بالطوب والاسمنت لمزاولة أعمالنا، وحين يخيم المساء نجتمع في قهوة المليجي لنحتسي الشاي ونتحاور في شؤون السياسة ونحن نستمع لإذاعة صوت العرب في ظل الوضع القلق الذي كانت تشهده المنطقة آنذاك». ثم يبتسم ويقول «الأمران الوحيدان اللذان كنا نتفق عليهما حينها: شغفنا بالسياسة وحبنا لأم كلثوم».

ومع تجاوز قلب الدمام النابض بشوارعه الواسعة التي بدأت تضيق تدريجياً حتى كادت السيارة أن تختنق من شدة ضيق «دواعيس العدامة» أو ما تسمى العدامة القديمة، باءت كافة المحاولات في التحدث مع سكان البيوت القديمة الذين انتشر صبيتهم في «البراحة» للعب بالدراجات الهوائية بالفشل، حيث كان الرفض الصارم هو رد أهالي الحي الذين امتنعوا عن تعليل سبب بقائهم في العدامة وتخلفهم عن سيل الهجرة الجماعي الذي لحق بالحي في بداية التسعينات، وإن كان ظاهر الحال يوضح ارتباط بقائهم بسوء الوضع المادي الذي يعانيه غالبية سكان العدامة.

الخالة أم إبراهيم السليمان كانت ممن عاشوا طفولتهم وشبابهم في حي العدامة، أحبت أن تشارك لحظة الوقوف على أطلاله قائلة «في العدامة كان الناس روحها أطيب وقلوبها أصفى، وكان الجيران يجتمعون كل مساء، كانت حياتنا بسيطة متواضعة ولم نشعر يومها بالملل والضيق والتعقيد كما هو الحال الآن».

ثم تستدرك وقد قطبت جبينها المليء بالتجاعيد «لم يكن هناك ما يكدر صفونا سوى التسلل شبه اليومي للصوص وسرقة مؤن البيت وما حُفظ داخل الدواليب والصناديق، فلم نكن نشعر حينها بالأمان».

وعن وضع المرأة في ماضي العدامة قالت الخالة الستينية «كانت أختاً للرجل، تسعى وراء رزقها ببيع حاجيات النسوة، حيث تشتهر المرأة التي تدور ببقشتها المحشوة بأنواع الأقمشة وأدوات الزينة والحُلي الرخيصة، لنلتف حولها ونعاين ما معها ثم نختار ما يعجبنا من بضائعها».

والمتأمل للقيمة الكبرى التي شهدها حي العدامة بموقعه الاستراتيجي وسط مدينة الدمام، يدرك ما كان يمثله كونه مركزاً حيوياً ضم أهم الشخوص التي سكنت المنطقة، وأهم المباني الحكومية بدءا بوزارة الإعلام والمحكمة الشرعية وانتهاءً بأقدم مستشفيات الدمام مستشفى العدامة والذي لم يتبق منه الآن سوى أجزاء من أسواره الآيلة للسقوط.

حي العدامة الذي أهداه الدكتور تركي الحمد رواية خالدة باسمه بات مختلفاً كثيراً، فبعد أن كان مركز أعيان وتجّار وأدباء مدينة الدمام أصبح الآن يعج بالعمالة الأسيوية والدكاكين المتهالكة والشوارع الغاصة بأكوام القمامة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال