الجمعـة 11 جمـادى الثانى 1430 هـ 5 يونيو 2009 العدد 11147
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

هيئة السياحة لـ«الشرق الأوسط»: تحويل قرية ذي عين الأثرية إلى مورد سياحي واقتصادي وثقافي

المشروع يوفر فرصا وظيفية بعد اكتمال تطويره تعطى الأولوية للعمل فيها لأفراد القرية

شلال ماء العين («الشرق الأوسط»)
مسجد القرية الاثري («الشرق الأوسط»)
قرية ذي عين الأثرية («الشرق الأوسط»)
الباحة: عبد الله غريب
تعكف هيئة السياحة والاثار على تطوير وتحويل قرية ذي عين الاثرية في منطقة الباحة والتي يعود عمرها إلى 4 قرون إلى مورد اقتصادي وسياحي وثقافي ويفتح فرصا وظيفية جديدة للأهالي وذلك ضمن خطة تأهيل وتطوير القرى الاثرية في السعودية، وذلك من خلال 3 مراحل تنتهي اولها في الصيف المقبل في حين ينتهي تنفيذ المشروع خلال 5 سنوات.

وأوضح الدكتور محمد بن تركي مله المدير التنفيذي لجهاز تنمية السياحة بمنطقة الباحة في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»: «أن قرية ذي عين الأثرية تعتبر أحد أهم الموارد الثقافية بالمنطقة وسوف تكون بإذن الله أحد أهم الموارد الاقتصادية بالنسبة لأهالي القرية والمجتمع المحلي ككل، حيث تعمل الهيئة على تأهيل القرية وتنميتها اقتصادياً وعمرانياً وثقافياً بأسلوب مستدام يحافظ على تراثها ويجعلها مورداً اقتصادياً وموفراً لفرص العمل لأهالي القرية بالذات، ووعاء للحرف والصناعات التقليدية». مشيرا إلى انها ستكون وجهة سياحية متكاملة فها جميع الخدمات الأساسية التي تهم الزائر للقرية، وستكون الأولوية بشكل أساسي في العمل بالقرية هي لأبناء القرية. واضاف الدكتور محمد بن ملة «بأن الهيئة قد بدأت بالفعل في تأهيل القرية وقد تم إغلاق القرية للبدء بالعمل بناء على توجيهات كل من الأمير الدكتور فيصل بن محمد بن سعود وكيل إمارة منطقة الباحة ورئيس مجلس التنمية السياحية بمنطقة الباحة والأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز الأمين العام للهيئة العليا للسياحة».

وأكد المدير التنفيذي لجهاز الباحة أن هذه هي المرحلة الأولى للمشروع وهناك مراحل أخرى، ونعمل بشراكة كاملة مع جميع شركاء التنمية السياحية بالمنطقة وعلى رأسهم أمانة المنطقة وإدارة الطرق والنقل ووزارة الشؤون الاجتماعية والمجتمع المحلي والذين يسهمون جميعاً في دفع المشروع قدماً لتحقيق الفوائد المرجوة منه. وحول مدة تنفيذ مشروع تأهيل وترميم القرية والطرق المؤدية لها، أفاد الدكتور ملا، بأنها تتكون من ثلاث مراحل، ستنتهي المرحلة الأولى منها في صيف هذا العام، فيما يتوقع الانتهاء من بقية المراحل خلال السنوات الخمس القادمة.

وعزا ملا ذلك إلى دقة العمل، وندرة الأيدي العاملة التي تعمل على إعادة البناء بنفس الطريقة من الحجارة التي يتم تصنيعها من الجبل المجاور للقرية التي تأخذ وقتا طويلا لتلائم أحجام حجارة البناء في بيوت القرية، فيما يتم الانتهاء من إعادة بناء المسجد والطريق المؤدي للقرية ونبع الماء، ويستكمل بناء المرافق العامة عند مدخل القرية.

وأضاف «بانتهاء المشرع والخدمات المحيطة، كالمطاعم والجسر وأكشاك البيع فيها ستتوفر فرص عمل لعشرات المواطنين من قرية ذي عين، وفرص عمل أخرى للمرشدين السياحيين، وفي مجال نقل السياح من الباحة ومحافظة المخواة إلى جانب زيادة في تسويق منتجاتهم من الفواكه».

ولفت إلى «أن الهيئة لا تنظر إلى مدخول هذه الاستثمارات على الهيئة، وإنما تنظر إليها على أنها فرصة اقتصادية لخلق العديد من فرص العمل وجلب استثمارات جديدة تعود بالنفع على المجتمع المحلي وتوفر استثمارات إضافية لبلدية محافظة المخواة نظير ما تقدمة من خدمات للمشروع وأهل القرية».

وأشار إلى «أن المرحلة الأولى تضمنت إعداد الرؤية الإستراتيجية لتنمية القرية بشكل مستدام، كما تضمنت تأهيل الممر الرئيس للقرية، وإيجاد جلسات ومطلات على طول الممر وصولا إلى شلال الماء، إضافة إلى إعادة افتتاح مسجد القرية الأثري وتأهيل عدد من المباني لتكون المتحف الخاص بالقرية». واستطرد «وفي الساحة الرئيسية للقرية تم إنشاء مركز للزوار ومحلات تجارية لأهالي القرية ومطعم ومحل تموينات، إضافة إلى دورات المياه العامة. كما قامت أمانة منطقة الباحة بتخصيص مبلغ 4 ملايين ريال لإنشاء الحديقة الخاصة بالقرية وفق التصور المعد من قبل الجهاز وسوف يتم ترسية المشروع قريباً، وذلك إيمانا منها بأهمية الاستثمار في تنمية القرى التراثية بالمنطقة.

وبين «تم إطلاق وتأسيس جمعية أهالي قرية ذي عين التعاونية والتي ستتولى إدارة المشروع والإشراف عليه وتنفيذ المراحل المتبقية من المشروع بعد إطلاق المرحلة الأولى».

الى ذلك عقد مؤخرا جهاز تنمية السياحة بمنطقة الباحة ورشة عمل ضمت عددا من المسؤولين بالمنطقة من القطاعين العام والخاص، إضافة إلى مسؤولين من الهيئة العامة للسياحة والآثار، وتناولت العديد من الجوانب حول صناعة السياحة بمنطقة الباحة بشكل عام وتنظيم المهرجانات والفعاليات بشكل خاص.

وهنا يوضح المدير التنفيذي لجهاز تنمية السياحة بمنطقة الباحة «أن هيئة السياحة تركز على عقد مثل هذه الورش من وقت لآخر للخروج بتوصيات عملية يمكن تنفيذها على أرض الواقع، وتساهم في تنمية سياحة مستدامة وذات منافع اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية للمنطقة».

وبالحديث عن ذي عين المدينة الاثرية ذات الاربعة قرون لا يمكن المرور عليها مرور الكرام دون الوقوف عند كل تفاصيلها، حيث تتربع على قمة جبل في منطقة تهامة وتمتد حتى آخر الوادي الذي يحتضن انواع الرياحين والموز والكادي وبساتين اللوز.

وتعود تسمية ذي عين بهذا الاسم إلى قصة اسطورية تتردد حول هذا الموقع يرويها الدكتور محمد بن تركي مله المدير التنفيذي لجهاز تنمية السياحة بمنطقة الباحة بقوله «إن سبب تسمية القرية بهذا الاسم لأن البعض يعيد التسمية إلى وجود عين المياه الجارية على مدار العام ولكن هناك من ينفي ذلك ويورد الأسطورة التي كانت السبب في التسمية، والتي تقول إن هناك شخصا في قديم الزمان سقطت له عصاً في أحد أودية رنيه الغزيرة بالماء وكانت تلك العصا مجوفة وبداخلها مسحوق يساهم في تقوية نظره لتحديد مسارات ومواقع المياه تحت الأرض أو ما يعرف محلياً «بالمبصر» وهو مستكشف آبار المياه، ولأهمية هذا المسحوق بالنسبة له فقد وضع على ذلك المسحوق قطعا من الفضة ولها نصل من الفضة. وقد حاول استخراجها من ذلك الوادي ولكنه لم يستطع. ونظراً لقدرته على تحديد مسارات المياه تحت الأرض فقد استطاع تتبع مياه هذا الوادي والذي جرف عصاه معها حتى وصل إلى موقع قرية ذي عين الحالية، وعندها نادى في أهل القرية للاجتماع وعند اجتماعهم ابلغهم بأن هناك كنزا في قريتهم وأنه هو من يستطيع إخراجه لهم، فاستبشر أهل القرية بهذا النبأ وسألوه عن هذا الكنز فقال لهم إنه ماء لا ينضب، فطلب منه أهل القرية أن يخبرهم عن مكان هذا الماء، فوافق الرجل بشرط أن ما يخرج من الماء فهو له وأن الماء لهم، فوافق أهل القرية».

ويتابع بن ملة رواية اسطورة ذي عين بقوله « عند ذلك أخذهم الرجل إلى حيث منبع العين الحالي وهو المكان الذي توقفت فيه عصا الرجل، وطلب منهم بأن يبدأوا بالحفر، وبعد أن بدأ أهالي القرية بالحفر ولمسافة قريبة جداً لا تتعدى النصف متر، أشار لهم الرجل بالتوقف عن الحفر والابتعاد عن المكان. وعندها سرعان ما تدفقت المياه من بين الصخرتين وخرج معها عصا الرجل حيث انطلقت كالسهم بسبب قوة دفع المياه، وقد أصابت عين الرجل وفقأتها، بعد ذلك أخذ الرجل عصاه ومشى في طريقة مغادرا القرية».

ويشير بناء القرية وبعض النقوش الموجودة عليها إلى حضارة قامت في هذه المنطقة، يقول عدد من كبار السن بالقرية لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يتذكرون تحديداً متى أنشئت هذه القرية ولكنهم ولدوا وعاشوا في هذه القرية، والبعض منهم يذكر بأن هناك ثلاثة مباني فقط من مباني القرية بنيت خلال فترة حياتهم في القرية، وبقية المباني وجدت منذ القدم، وقد هجر الأهالي مباني القرية القديمة منذ ما يقارب العشرين سنة وانتقلوا للعيش في المباني الحديثة في الجهة المقابلة للقرية، ولكن ما يلفت النظر هو استمرار الأهالي في العمل في مزارعهم الواقعة بالقرب من القرية القديمة وإنتاج المنتجات الزراعية المحلية.

ويتكون الجزء الرئيس للقرية من عدد من المنازل يصل إلى تسعة وأربعين منزلا تقف شامخة متراصة على سفح الجبل في طراز معماري مميز يكون مع جبل المرمر لوحة فنية ومنظرا بانوراميا رائعا، وتختلف ارتفاعات هذه المباني من مبنى إلى آخر. فهناك تسعة مبان تتكون من دور واحد وتسعة عشر مبنى من دورين وأحد عشر مبنى من ثلاثة أدوار وبقية المباني وعددها عشرة مبان تتكون من أربعة أدوار. كما يوجد في أعلى القرية حصن لأغراض المراقبة والحماية. وتصطف المباني على سفح الجبل لتكون ثلاثة مستويات فمجموعة من المباني تتركز في قمة الجبل، والبعض يقع في منتصف الجبل، بينما معظم المباني يقع في الجزء الأسفل من الجبل ويفصل بين هذه المستويات تشكيلات صخرية جميلة، كما حددت الطرق والممرات التي يسلكها الأهالي بين منازل القرية ومستوياتها المختلفة.

ويوجد مسجد القرية في الجزء الأسفل من القرية وقد روعي في اختيار موقع المسجد عدة عوامل أهمها توسط الموقع بين القرية والمزارع، مما يمكن المزارعين من الصلاة في المسجد خلال تأدية أعمالهم خلال اليوم. كما روعي أن يكون في أول القرية باتجاه المزارع ليكون في استقبال عابري السبيل الذين يمرون بالقرية في أوقات متأخرة، وقد أوجدت غرفة صغيرة ملحقة بالمسجد، لكي تستخدم من قبل عابري السبيل للمبيت.

وبنيت مباني قرية ذي عين بالحجر بنظام الحوائط الحاملة المعروفة محلياً باسم «المداميك»، ويتراوح عرض الحائط ما بين 70ـ90 سم، وقد بنيت بطريقة احترافية عالية ودقة متناهية في الرص والبناء، وسقفت تلك المباني بخشب السدر وسندت بعض الأسقف للغرف الكبيرة بأعمدة يطلق عليها محلياً اسم «زافر» ويعلو خشب السدر رقائق من الحجر تعرف محلياً باسم «صلاة»، وغطيت الأحجار بالطين، وتتوزع حجرات المبنى على الاستعمالات اليومية لأهل القرية، فالأدوار الأولى تخصص عادة للاستقبال والجلوس والأدوار العليا للنوم وتزيد خصوصية المسكن كلما يصعد للأعلى.

وعلى الرغم من قدم عمر القرية وهجر الأهالي لها إلا أن هناك عددا من المباني لا تزال متماسكة ومحتفظة بشكلها المعماري المميز، بينما هناك عدد من المباني المتهدمة بشكل جزئي والآخر المتهدم بشكل كامل وتمثل بعض الخطورة على مرتادي القرية.

وتطل القرية على واد مكون من عدد من المدرجات الزراعية، وهي الجزء الرئيسي الثاني بالقرية، فهذه المدرجات الزراعية هي مصدر عيش كثير من أهالي القرية قديماً وحتى يومنا هذا. وتبلغ المساحة الإجمالية لجميع المدرجات الزراعية بالقرية ما يقارب أربعين ألف متر مربع. وتتميز هذه المدرجات بإنتاج عدد من المنتجات المحلية. فأهالي القرية يزرعون الموز المحلي، ويتميز عن غيره بصغر الحجم واعتدال الطعم، ويعتمد عليه كثير من أهالي القرية كمصدر للدخل ويبلغ سعر الكيلوجرام الواحد عشرة ريالات. كما ينتج الأهالي نباتات الكادي وهو نبات عطري ذو رائحة زكية، ويتراوح سعر الحبة الواحدة «عذق» بين 15ـ20 ريال. ولاكتمال باقة الزهور العطرية فإن أهالي القرية يزرعون الريحان ليتم بيعه مع الكادي. كما يقوم أهالي القرية بزراعة الليمون، وبعض النخيل.

وما يشد الجميع لزيارة القرية هو التكامل الذي من الخالق سبحانه وتعالى على هذه القرية به والمتمثل في إيجاد مصدر ماء جار على مدار العام. ولا يعلم أهالي القرية منذ متى وهذا العطاء الإلهي يتدفق على قريتهم. ويمتد مجرى العين على مسافة الخمسين مترا قبل الوصول إلى بداية المزارع، وقد قام الأهالي بعمل قناة ذات منسوب متوازن يحافظ على انسياب الماء بشكل متوازن. وقبل الوصول للمزارع هناك شلال صغير بارتفاع المتر والنصف يضفي على المكان رونقا خاصا وطبيعة ساحرة. كما أن الأهالي قد قاموا ببناء «مسطبة» من الحجارة تمر المياه الجارية من تحتها في تصميم معماري فني رائع. هذه المسطبة كانت تستخدم من الأهالي للالتقاء والاجتماع لحل مشاكل المزارع وتوزيع المياه ومشاكل القرية ككل. ولتوزيع مياه العين على المزارع قانون خاص يوضحه المؤرخ قينان الزهراني بقوله «قانون الماء في قرية ذي عين تم وضعه من قبل أهالي القرية منذ القدم، وما زال يعمل به حتى الآن مع اختلاف بسيط في وسيلة حساب الزمن. فقد وضع أهالي القرية قانون توزيع مياه العين معتمدين على النجوم والأنواء، بينما يستخدمون في هذه الأيام الساعات الحديثة ونظام الأربع والعشرين ساعة».

ويضيف «ويبدأ الدور في الحصول على الماء وهو ما يعرف محلياً «بالطوف» الساعة 12 ليلا ويشمل «الطوف» عددا من المزارع تم تقسيمها بعناية حسب مساحات تلك المزارع ويستمر لمدة أربعة وعشرين ساعة. وينتظر المزارع لمدة اثني عشر يوماً حتى يحصل على دوره مرة ثانية.

وللقرية مطلات ونقاط مشاهدة رائعة أهمها هو المطل الواقع في مدخل القرية والذي يمكن الزائر من رؤية المكان بشكل بانورامي رائع تكون فيه القرية مع جبل المرمر مع المزارع صورة جميله وجاذبة، وهناك نقطة مشاهدة أخرى من أعلى قمة القرية ومنها يمكن رؤية أسطح المنازل والمزارع بالإضافة إلى وادي راش القريب من القرية، كما أن هناك مساحات واسعة وجميلة محيطة بالقرية ويمكن تطويرها بما يتناسب وتنمية المكان ليصبح متكاملا ويوفر الخدمات الأساسية للزوار. ولم يجد كثيرا من أهالي القرية لطلب الرزق والحياة الا بمغادرة القرية، في حين بقي البعض بالقرب من القرية في منازل حديثة وإسمنتية حيث وفرت لهم جميع الخدمات الأساسية من شبكة مياه وكهرباء وسفلتة وإنارة. وكثير منهم ما زال يهتم بمزارعه بالقرية القديمة ويحافظ على الحصول على حصته من مياه العين لسقيا مزرعته.

ويشار إلى انه لأهمية القرية من الناحية السياحية بالنسبة لمنطقة الباحة فقد أولت الهيئة العامة للسياحة والآثار اهتماماً خاصاً بها، وأعطيت أولوية في إعادة تأهيلها وتنميتها ضمن مشروع تنمية القرى التراثية الذي تتبناه الهيئة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال