الخميـس 30 شـوال 1432 هـ 29 سبتمبر 2011 العدد 11993
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الشبيلي يقلب في تاريخ مجلس الوكلاء السعودي

قال في محاضرة بالنادي الأدبي في جدة إنه كان نواة السلطة التنفيذية

أحد مجالس السلطة التنفيذية في عهد الملك سعود بن عبد العزيز («الشرق الأوسط»)
جدة: «الشرق الأوسط»
كشف الدكتور عبد الرحمن الشبيلي، في محاضرته التي ألقاها بمناسبة العيد الوطني الـ81 للسعودية، أول من أمس في النادي الأدبي بجدة تحت عنوان «مجلس الوكلاء في مكة المكرمة نواة السلطة التنفيذية»، أن المجلس احتل لمدة تزيد على عشرين عاما مكانة مهمة على صعيد تطور التنظيم الإداري.

ووصف الشبيلي، عضو مجلس الشورى السابق، مجلس الوكلاء بأنه كان النواة الأوضح للسلطة التنفيذية في البلاد، لتأخذ بها الدولة السعودية المعاصرة إبان مسيرة توحيد المملكة في إطار تشكيل السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية.

وجاء في المحاضرة «كلما مرت مناسبة اليوم الوطني السعودي (23 سبتمبر/ أيلول)، يبدأ الكاتب في تقليب صفحات التاريخ.. يستنطق الوثائق، وينقب في الأحداث القديمة، التي لم تستكشفها بعد أدوات التوثيق، وكنت قبل أعوام تمنيت على أحد مراكز التوثيق السعودية أن يهتم برصد مسيرة مجلس الوكلاء الذي استمر لأكثر من عقدين يمارس اختصاصاته - إبان فترة تأسيس المملكة - بوصفه البداية الأوضح للسلطة التنظيمية (أي الحكومة أو مجلس الوزراء بالمفهوم الحديث)، التي أخذت بها الدولة الموحدة في إطار تشكيل السلطات الأساسية (الدستورية) الثلاث: التشريعية، والقضائية، والتنفيذية.

وقبل الشروع في تفصيل بدايات هذا المجلس ومكوناته واختصاصاته، تجدر الإشارة إلى أن تنظيما مقاربا كان قد تشكل في أثناء حكم الأشراف (الهاشميين) في الحجاز الذي انتهى سنة 1925م، وكان التنظيم يحمل الاسم نفسه (الوكلاء)، الذي استمد عنوانه من أعضائه وكلاء المصالح الحكومية القائمة في الحجاز، وتشير الوثائق العثمانية إلى أن مصطلح (الوكلاء) كان معمولا به في إسطنبول (ويعني مجلس الوزراء أو الحكومة)، تولاه في الحجاز الشريف علي بن الحسين أثناء حكم والده الشريف حسين، ولما آل الحكم إليه في جدة في العام الأخير من الحكم الهاشمي، عهد به إلى شخصية من أعيان مدينة الطائف هو عبد الله سراج، قاضي مكة المكرمة آنذاك ومفتي الحنفية، الذي ولد في مكة المكرمة وتلقى تعليمه فيها، ثم استدعاه الملك عبد الله بن الحسين بعد قيام مملكة الأردن، ليصبح عاشر رؤساء حكوماتها (1931 - 1933م)، وقد توفي عام 1948م.

تشكل مجلس الوكلاء في الدولة السعودية قبل توحيد المملكة العربية السعودية (سنة 1932م) بتسعة أشهر، فجاء تأسيسه إيذانا بقيام نواة السلطة التنفيذية، في حين كانت السلطتان التنظيمية (مجلس الشورى)، والقضائية، قد سبقتا في النشوء بنحو ستة أعوام، وتأخذان طريقهما بالتدريج نحو التطور، وهو موضوع لا يتسع المقال لتوسع الشرح فيه.

لم تكن توجد حينها في المملكة حديثة التكوين من الوزارات سوى وزارة الخارجية (أولى الوزارات) التي تأسست عام 1930م، ثم وزارتا الداخلية والمالية اللتان ولدتا بالتزامن مع نشأة مجلس الوكلاء، كما كانت توجد في مكة المكرمة، ومنذ العهدين التركي والهاشمي، إدارات لخدمات البريد والبرق والصحة والشرطة وأمثالها، فانضوى معظمها تحت وزارة الداخلية بعد قيامها.

تشكل مجلس الوكلاء السعودي (عام 1350 للهجرة/ 1931 للميلاد) برئاسة الأمير فيصل (نائب الملك في الحجاز ورئيس مجلس الشورى ووزير الخارجية والداخلية)، ومن وكلاء وزارتي الخارجية والمالية ومجلس الشورى وهم: يوسف ياسين (رئيس الشعبة السياسية بالديوان الملكي) وفؤاد حمزة (وكيل وزارة الخارجية) وعبد الله السليمان (وكيل المالية العامة الذي صار وزير المالية) وأخوه حمد السليمان (رئيس دوائر المالية الذي أصبح وكيل وزارة المالية) وعبد الله محمد الفضل (نائب رئيس مجلس الشورى)، كما اكتسب عضوية هذا المجلس، في ما بعد، كل من محمد عيد الرواف (قائمقام جدة) وإبراهيم السليمان العقيل (رئيس ديوان النائب العام) والشريف شرف رضا وعبد الله إبراهيم الفضل وصالح شطا وعبد العزيز آل إبراهيم وخالد أبو الوليد، الذين لا يتسع المقام لبسط سيرهم.

وكما كان عبد الله محمد الفضل نائبا أول لرئيس مجلس الشورى آنذاك، صار في الوقت نفسه نائبا لرئيس مجلس الوكلاء بعد قيامه، كما ظهر في الوثائق اسم نايف الشعلان معاونا للرئيس، وكان ممن تعاقب على رئاسة مجلس الوكلاء، عند غياب رئيسه، كل من الأمراء محمد بن عبد العزيز وخالد بن عبد العزيز ومنصور بن عبد العزيز وعبد الله الفيصل، والشيخ عبد الله محمد الفضل، وبحكم أن المؤسسات الحكومية والخبرة الإدارية قد بدأت ونمت في الحجاز، فقد كان مقر مجلسي الشورى والوكلاء في العاصمة المقدسة (مكة المكرمة).

كان مجلس الشورى - في السنوات الست التي سبقت قيام مجلس الوكلاء - يجمع بين الاختصاصات التنظيمية والتنفيذية، ثم بدأ الفصل بين السلطتين يتضح بحسب الاختصاص، بعد قيام مجلس الوكلاء، وكان وجود أعضاء مشتركين في المجلسين، فضلا عن رئيس واحد لهما، يعالج مظنة الازدواجية في الاختصاص بينهما.

أما عن خلفية تأسيس مجلس الوكلاء، فقد بدأت عندما أمر الملك عبد العزيز آل سعود، بعد اكتمال انضمام الحجاز لحكمه (1925م)، بتشكيل لجنة أطلق عليها اسم «لجنة التفتيش والإصلاح» تهدف إلى النظر في شكاوى المواطنين ومراجعة الأنظمة والأوضاع الإدارية في الدولة الجديدة وتركيز المسؤوليات، وكان من أعضائها حافظ وهبة وصالح شطا وشرف عدنان ويوسف قطان ومحمد صالح نصيف وسفيان باناجه وعبد الرحمن القصيبي (والد د.غازي) وفؤاد حمزة (سكرتيرا)، فكان من جملة ما أوصت به تلك اللجنة من مشروعات لتطوير الإدارة الحكومية، إنشاء مجلس تنفيذي لتنسيق خدمات الأجهزة الحكومية، وهو المجلس الذي تطور لاحقا وأصبح مجلس الوكلاء (محور هذا المقال)، كما وضعت اللجنة أول مشروع لنظام مجلس الشورى، واقترحت إنشاء مجلس للمعارف، والواقع أن نتائج أعمال تلك اللجنة من التنوع والأهمية، بما يستحق الدراسة لوحده.

صدر نظام مجلس الوكلاء في شهر رمضان المبارك سنة 1350هـ، ونشر في الجريدة الرسمية (أم القرى)، وذلك (منتصف يناير/ كانون الثاني 1932م) في سبع وعشرين مادة، حددت مرجعيته ورئاسته واختصاصاته والجهات التابعة له وإجراءات عمله، وتصدر النظام تأكيد على أن نائب الملك في الحجاز (فيصل) يحمل هذا اللقب عندما يكون الملك (عبد العزيز) غائبا عن الإقليم، أما في حال حضوره، فإنه رئيس مجلسي الوكلاء والشورى ووزير الخارجية والداخلية، ونص النظام على أن يتولى المجلس رسم السياسة الداخلية للدولة؛ إذ إن السياسة الخارجية - بما فيها المعاهدات والاتفاقيات الدولية - كانت من اختصاص الملك، تتشارك في تنفيذها وزارة الخارجية والشعبة السياسية الملحقة بديوان الملك.

كان مجلس الوكلاء (الحكومة) يلتئم بشكل يومي، ولما زادت أعباؤه شكل لجنة تنفيذية دائمة تلتقي يوميا لعرض الأمور العاجلة على الرئيس للبت فيها، أما الأمور المهمة فكان لا بد من أن تؤخذ فيها توجيهات الملك، وكانت القرارات تصدر فرادى، يحمل كل قرار رقما مستقلا بتاريخه وموضوعه، وتختزن فهارس الوثائق الوطنية لتلك المرحلة مئات القرارات الصادرة عن مجلسي الشورى والوكلاء في مختلف الموضوعات المتعلقة بالشؤون التنظيمية والتنفيذية الداخلية للبلاد، لدرجة ربما تذهل متصفحها للكم الهائل من القوانين والنظم المتلاحقة التي صدرت إبان فترة التأسيس تلك، وذلك على الرغم من تواضع الإمكانات الثقافية والقانونية، وهو ما يرجى أن يفتح شهية الباحثين والدارسين للتصدي له.

جدير بالذكر أن الأمر الملكي الصادر بإعلان توحيد المملكة العربية السعودية (1932م)، قد طلب من مجلس الوكلاء أن يضع نظاما أساسيا (دستورا) للبلاد، ونظاما لتوارث العرش، ونظاما لتشكيلات الحكومة.

وكان الملك عبد العزيز - الذي اعتاد على تلقي تقارير دورية من نائبه في الحجاز لتقويم سير عمل السلطتين التنظيمية والتنفيذية - يستجيب لأفكار تطويرهما بتدرج سريع الخطى، حيث شهدت تلك المرحلة صدور تعديلات عدة لنظامي المجلسين، ومن ذلك على سبيل المثال - بالنسبة لمجلس الوكلاء - تعديل نظامه في عام 1936م بما يقضي بحضور رؤساء الأجهزة الحكومية الفرعية (كالصحة والتعليم والبلديات) لجلسات المجلس والمشاركة في مناقشاته إذا كانت لديها قضايا معروضة لديه، كما أصدر في عام 1939م إضافات تخول لنائبه (رئيس المجلس) صلاحيات تنفيذية أوسع للتصرف في الأمور المستعجلة، ولتنفيذ الأحكام التي تصدر عن المحاكم الشرعية، باستثناء تلك المتعلقة بكبرى الجرائم. لكن التطوير الأوسع لمجلس الوكلاء جاء قبل فترة وجيزة من وفاة الملك، وذلك عندما أصدر أمره بتحويل مجلس الوكلاء إلى مجلس للوزراء (1953م)، فصار بالطبع الأشمل لشؤون المملكة كافة، والأوسع في اختصاصاته، والأقرب في صيغته إلى المجالس الدستورية الحديثة.

وبعد؛ إن توثيق تاريخ مجلس الوكلاء، الذي استمر يؤدي وظيفته لأكثر من عشرين عاما، بوصفه بذرة السلطة التنفيذية في المملكة العربية السعودية، بين عامي 1931 و1953 م، هو أوسع من أن يختزل في مقال، والأحرى أن يقوم مركز توثيق أو باحث متخصص بتدوينه في موسوعة، وذلك لأن سجل المجلس، الذي قاربت وثائقه المحفوظة الثلاثة آلاف، وأسهم بالتكامل مع مجلس الشورى في سن العشرات من القوانين التي لا يزال أثر معظمها باقيا إلى الوقت الحاضر، كان يمثل علامة دستورية ناطقة في تاريخ الكيان.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال